" فاعليات التعويض والتعديل فى رواية " ... واسمه المستحيل"
بقلم أحمد رشاد حسانين
مدخل :
" ... واسمه المستحيل " ، الرواية الأولى للكاتب محمود الديدامونى ، وهى تأتى وسط كم متنوع من الإنتاج الآدبى للمؤلف والمتضمن :-
ديواناً للفصحى ، مجموعتين قصصيتين ، وعدة دراسات نقدية ، وقد صدرت الرواية عن إقليم شرق الدلتا الثقافى ( فرع الشرقية ) عام 2007م.
تقع الرواية فى ست وسبعين صفحة من القطع المتوسط ، وقد شغلت هذه الصفحات ثلاثة وعشرين مقطعاً سردياً ، يشغل المقطع الواحد فى المتوسط ثلاثة صفحات أو أقل قليلاً وعلى ضوء ما سبق فإن النص يمكن أن يصنف كرواية قصيرة أو قصة طويلة " novella ".
، ويعضد هذا التصنيف ، محدوية الشخصيات وقلة الأحداث المتفاعلة واقعياً فى الفضاء بين الزمانى والمكانى للشخصيات .
ويطالعنا النص فى مدخل الرواية بإهداء يقول :-
" إلى بسمة .... ما زالت مهاجرة ".
ونلاحظ أن كلاً من المؤشر الإعلامى " العنوان " والإهداء ينقلان لنا الإيحاء " بالفقد " بصورة أو بأخرى ونحن نستشعر هذا الفقد من تلك الصياغة المقتصدة الحزينة للأهداء سواء أكانت " بسمة " هذه شخصاً أو معنى من معانى الفرح والبهجة وصياغة " بسمة " بصيغة التنكير يفيد الندرة والقلة.
وإذا وقفنا على عنوان النص ، " .... واسمه المستحيل " ، سنجد فى صياغته حذفاً مقصودا وبذلك يحل فيه فراغ يسمح بالتأويل.
فهل يكون تأويل هذا الحذف ، " لاوجود للفرح ووجوده اسمه المستحيل " ، وبذلك يكون الحذف قد وقع على المبتدأ " وجوده " ، وأن هذا الحذف الكتابى هو الصورة الشكلية لنفى وجود الفرح واقعياً فى حياة الراوى؟.
ونقول " الفرح " لأن شعور الإنسان به وإحساسه بالرضا إنما يأتى نتيجة اتساقه وتوازنه النفسى.




ونحن نذهب إلى هذا التأويل لأنه:
• يلتقى أولاً ، مع معنى الفقد الذى يطرحه الإهداء.
• وثانياً ، اعتمادا على ورود عبارات فى المتن الكتابى ترددت على لسان الراوى فى الصفحات :- ( 6 ، 12 ، 33 ، 40 ، 71 ، 58 ، 75 ) من المتن ، وذلك من مثل قوله :-
" وأنا لازالت أتحسس خطواتى باحثاً عن بعض ما تبقى من كفة الميزان " ... صــــ12
وقوله : " نعم سأبحث عن كفة الميزان حتى وإن دهسنى الناس " ...صــــ 33.
وقوله : " كفة الميزان لم يستطيع أحد التقاطها بعدما سقطت " صــــ40.
وقوله : " حتى أولئك الذين دهستهم الأقدام سقطوا مبعثرين مع كفة الميزان " ...صـــ71.
والمعروف أن " كفتى الميزان " تشيران مباشرة إلى معنى التساوى والتوازى فى حال اعتدالهما ، وتشيران لضد ذلك فى حال اختلالهما .ويؤيد هذا التفسير قول الراوى عن شيخه " نعمان " :-
" ولطالما كانت نصائح الإمام تنصب حول جسدى أيضاً ... الإنسان عنده كيان متكامل ... جسدا وروحاً ... لاينفصل أحدهما عن الآخر نعم ... أكد الشيخ على ضرورة أن يتوافق الإنسان مع نفسه ... الإنسان لايتجزأ ".
تلك هى إشكالية الراوى وهذه الرواية حدوث اختلال أو نوع من الانفصال بين العقل والنفس ، الروح والجسد ، وبالتالى فعودة التوازى بينهما معناه إدراك المرء مرحلة الرضا والسلام النفسى. ولما كانت أزمة الراوى متجذرة وذات أبعاد وجوانب متعددة أفقدته الرضا والسلام النفسى تماماً ، لذا فإن الحذف فى المؤشر الإعلامى للنص يقع على المبتدأ وهو " الفرح أو التوازن " وبذلك يصبح باقى المؤشر خبرا ( جملة أسمية) للمبتدأ المحذوف.
والسؤال : لماذا يؤمى المؤشر الإعلامى ولايصرح ، يضمر ولا يظهر ؟
نقول : ربما لانعدام التوازن والفرح تماماً فىحياته لدرجة تدفع الراوى لمحوه معنى وشكلاً.
o أو ربما لإحساس الراوى بأن هذا الرأى نتاج رؤية شخصية لاتعبر عن نسبية تحدث للتوازن لدى أشخاص كثيرين بصورة أو بأخرى.
o أو ربما لأنه يعبر عن حالة ذاتية نفسية عارضة لاتتسم بالثبات والديمومة.
وتظل الاحتمالات مفتوحة فى وجود هذا العنوان ذى الحذف المقصود للمبتدأ.
أما أسباب نفى التوازن السلمى فى حياة الراوى ، فإن المتن الكتابى بتكفل بالرواية عن ذلك وهو موضوع النص نفسه.

داخل المتن :
تتناول أحداث الرواية بصورة مركزة – مظاهر أزمة نفسية حادة يعانيها الراوى " عسران " ونلاحظ دلالة الاسم – وهذه الأزمة النفسية تكونت لديه نتيجة تراكم ظروف ومشكلات اجتماعية وأسرية، وتتعرض الأحداث أيضاً لمعاناته بغية التخلص من آثار هذه الأزمة ومحاولة مواجهة تداعياتها حيث إنها جعلت حياته جحيماً حتى أنه آثر الانكفاء على الذات ومحاولة الانتحار للتخلص من ألامه النفسية وإحساسه الشديد بالعجز وفقد القدرة على التحلى بالشجاعة فى التصدى لمشكلاته.
ومن بدايات النص يشخص الراوى حالته الجسمية والنفسية تشخيصاً موجزا نعرف من خلاله تبرمه بحياة المدنية التى كان يحلم بها وهو صغير ، ومكابدته لصداع مزمن عجزت معه المسكنات ، وتوتر دائم لم تفلح معه المهدئات وإحساس مسيطر بالخوف يتملكه ويسلمه كل ذلك إلى الوقوع فى نوبات هيستيرية.
ثم يبدأ الراوى فى سرد وقائع يستدعيها من الذاكرة ، وأخرى يستعيدها من ظروفه الحياتية الحاضرة والقريبة ، يتعرض فيها بالتفصيل لأسباب أزمته والإشارة إلى أعراضها ومتاعبها نحن إذن مع الرواية – بإزاء سياحة داخل تلافيف عالم الذات الراوية ، مصدرها المعاناة النفسية شديدة الوطأة والأثر ، تيارها يحكمه منطق الحركة النفسية المرتبطة بلحظة الحكى والتذكر ومن ثم الحركة الإيقاعية للمعنى والعبارة الخاصة بفعل التداعى ، وأخيرا فإن الغاية من تلك السياحة الداخلية هى الاعتراف التطهرى :
" منذ زمن وأنا أخطط لهذه اللحظة التى أستطيع البوح فيها ... هل أستطيع ؟
يساورنى إحساس بالخوف ... لكن يجب التمرد على ذلك افلن أستطيع البقاء هكذا ، أعانيه فى البيت وفى الشارع ... الشارع يمكنكم قراءته ومعرفته إذا أتيتم لزيارتى ، أما زوجتى ...هل تعلمون شيئاً عن زوجتى ...؟
إذا أتيتم ستعرفونها ..لا..لايمكن أن يعرفها أحدُُُ منكم ..إنها مخادعة ستخدعكم ..إن لها ألف وجه .. الوجه الحقيقى لا يعرفه غيرى ..نعم .. أعرفها جيداً أليست زوجتى ؟" صــ10.
البوح إذن هو البنية المركزية التى يقوم عليها هذا النص الروائى من حيث إنه يمثل مدخلاً ذا طابع اعترافى ، يقوم على وصف الحالة ورصد أسبابها ومحاولة طرح ما ينتج عن تعالق الخارجى والداخلى وتجادلهما – من حالات أو رؤى أو تهويمات – وما يترتب عليهما من نزعات وسلوكيات.
وإذا كانت الرواية يؤلفها ثلاثة وعشرون مقطعاً فإن ثلاثة عشر مقطعاً منها ، تسرد الأحداث بمنطق التذكر والتداعى فى حالة " الوعى " للراوى المتكلم ، بينما يقوم " اللاشعور " بسرد العشرة المقاطع الأخيرة ، وبالمعنى الفنى : فإن الراوى فى تلك المقاطع الأخيرة يلجأ إلى تقنيه " الحلم " عن طريق النوم أو الإغماء ليطلق اللاوعى من مكمنه ويخرجه من أنفاقه المظلمة تحقيقاً لأمرين :
1. إحداث عملية تنفيس للضغوط.
2. أن يتكفل اللاشعور بمواجهة أزمة الراوى بعد أن عجز عن مواجهتها بإرادته الواعية.
خاصة بعد تفاقم أزمته واشتدادها والتى مثلت فى نفس الوقت ذروة الحدث الروائى وعقدته.
وكان لابد للراوى من الخروج من تلك الأزمة واللحظة ( النفسية – الروائية ) ولم يكن أمامه من مخرج سوى أن يفزع لعالم اللاشعور.
الشخوص ، ملامح ودلالات :
وفى نص يسرده روايه من زواية التبئير الذاتى المأزوم ، كان لابد للشخصيات أن نخضع لذلك التقسيم الحدى بين الأبيض والأسود ، الأخيار والأشرار ، والشخوص الأولى يمثلهم أصدقاء الراوى :
الشيخ نعمان ، حمودة عبد الرافع ، فريد عثمان وابنه الصغير ضياء وأيضاً نلاحظ دلالات اختيار الأسماء لهذه الشخوص " نعمان ، حمودة ، فريد ، ضياء " أما القسم الثانى فيمثله : زوجته ( لم يذكر اسمها ) وحماته وزوجة عمه، ووفقاً لما جاء على لسان الراوى من ذكريات فإن أمه كانت له مصدرا للأمن والحنان المفقودين فى ظل حياتهم فى بيت عمه فى القرية وكفالته لهم تقريباً بالرغم من وجود أبيه ، أما موقفه تجاه أبيه فيكاد يكون محايداً.
وربما كان الراوى ( عسران ) أكثر توفيقاً فى رسمه لملامح شخصيته وإن تناولها من الداخل فقط بحكم عملية التذكر والتداعى ، كذلك تقديمه وعرضه لشخصية الزوجة والشيخ نعمان حيث قدما بصورتهما الإنسانية كما يمليها الواقع بتناقضاته.
وهو إذ يتحدث عن نفسه فى إطار من الاعتراف فحديثه كان لايخلو من الجرأة والصراحة ، إلا أن تنامى شخصيته وفعاليتها يتم فقط. وكما أشرنا على مستوى اللاشعور.
وبصفة عامة فإن تناول الراوى لشخوصه كان يتم لمصلحة شخصيته هو من حيث أثارها عليه.
وهو يقدم شخصية كل من زوجة العم وصديقيه حمودة عبد الرافع وفريد عثمان تقديماً موجزاً اللهم إلا فى مشهد واحد تحدث فيه حمودة مع الراوى والشيخ نعمان ، أما زوجة العم فقد تناولها فى مشهدين تقريباً بالحديث عنها بصيغة الغائب ولكنها مشهدان ينبئان بأثرهما السلبى عليه خاصة وأنه كما يروى- كان فى سنى الطفولة.
وهو إذ يروى بأسلوب اعترافى غايته تعرية النفس وتطهيرها من ضعفها وعجزها ، فإن ضمير المتكلم يحافظ على كثافته الحضورية فى السرد ، ولاتكاد تخلو منه فقرة من فقرات النص.
وهذا الحضور المكثف للضمير الراوى بصيغة المتكلم ، قد يكون مؤشراً على توحد المؤلف بالراوى الداخلى ، أو على الأقل – تعاطفه الواضح معه ، وبالرغم من ذلك فلا نستطيع أن نعتبر النص سيرة ذاتية أو صورة طبق الأصل من حياة المؤلف.
الفضاءان المكانى والزمانى :
ويبدأ زمن الاعتراف الروائى من المدينة حيث يعيش الراوى بعد أن فر إليها منذ مطالع شبابه هروباً من الفقر والقمع والإحساس بالغضب.
" كنت منبهراً بالمدينة..الكهرباء ،الأسفلت ،مياه الصنابير، وقد كانت لمبة الجاز تهيمن على مساءات القرية ، لم تكن أمى تمل من مسح زجاجتها حتى تضئ بوضوح أكثر " صــ5.
ولكن حياته فيها ما تلبث أن تتحول إلى جحيم إثر معاناته ضغوط زوجة متسلطة تمارس عليه الاستغلال الجسدى والاستلاب المعنوى مع حاجته الشديدة إلى الإحساس بالأمن والتعطش للحنان، ويضاعف خوفه إشفاقه الشديد على طفله الوحيد ضياء .النور الوحيد فى حياته.
ولما كانت هذه الزوجة تذكره بطفولة مقموعة مع نشأة متواضعة بالريف – نجده يرتد زمنياً إلى مشاهد القمع فى تلك الفترة ، ثم يعود مرة أخرى للمدينة مستأنفاً مسيرة من حياة المعاناة.
وبالرغم من الارتداء الزمنى والعودة ، لانجد تعييناً من الراوى للزمن أو تحديداً لسنوات معينة وكأنه يقول : إن حياة الراوى سلسلة ممتدة من المعاناة أو أن استغراقه فى أزماته المركبة أذهله عن تحديد تاريخى للزمن ، فأوقاته كلها زمن من المعاناة "زمن نفسى".
ويؤثر انشغاله واستغراقه على تناوله للمكان أيضاً فلا يقف بالتفصيل على ملامحه الخاصة أو العامة وإنما يكاد يعين المكان بذكر العلم الدال عليه ( الريف – المدنية ) وبعض المعالم النادرة كالمزارع ( فى الريف ) والشوارع والميادين ( فى المدينة ).
حصاد النشأة والتكوين :
ولقد نتج عن نشأته فى بيت عمه بالريف فى ظل قوامة من العم على أسرته بما فيهم الأب ، أن تعرض الصبى الصغير لأن يكون على حد تعبيره " ملطشة " لزوجة عمه وأولادها ولأن أمه وأباه كانا يريدان للحياة أن تستمر ، لذا فقد اضطرا إلى التنازل وتعودا على التجاهل عن أشياء كثيرة ومنها اضطهاد ابنهما ( الراوى ) وعقابه.
يقول الراوى عن عمه وزوجته :
" كان يتحكم فى كل شئ حتى أبى لم يكن ليعصى له أمرا ... ولم تكن أمى إلا تابعاً لأبى ، كانت أمى تشترى رضاه بشئ من الدهاء ، فى حين كانت زوجة عمى تنهرنى دائماً ... تتظاهر أمى بالموافقة على أسلوبها وما إن ندخل غرفتنا حتى تهدهدنى وتسمح على رأسى ... أبكى فى حضنها وأنام ".صــ26
وفى غمرة حياة الفقر والهوان ، يصاب الصبى ( الراوى ) بصدمة شديدة حين يفاجأ بزوجة عمه – أثناء لعبه مع بعض الأولاد فى المزارع – وهى تدخل كوخ أحد رجال القرية "عم سليم " متلصصة فى حذر شديد لتمارس معه الجنس :
" اقتر بنا من الكوخ المصنوع من الحطب ... كتمت أنفاسى ... وضعت أذنى على جدار الجوخ ... سمعت هسهسات مكتومة وتأوهات محمومة تغزو أذنى ... ساقنى الفضول إلى أكثر من ذلك ... وضعت عينى على ثقب موجود ، رأيت ... خرجت منى صرخة ، التف الأولاد حول الكوخ وراحوا يزفونهما "...صــ27.
منذ ذلك الحين تزداد زوجة العم اضطهادا للصبى الصغير وتمعن فى مطاردته حتى كره القرية والعيش فيها تحت سقف واحد يجمعه بهذه المرأة وما إن واتته فرصة استكمال تعليمه بالمدينة حتى أخذ قرارا باللاعودة.
ولقد خلفت هذه الصدمة ، رد فعل سلبى مبالغ فيه من قبل الراوى جعلته يتشكك فى نسبة أولاد عمه إليه فعلاً ، بل ويتشكك فى نسبته نفسه إلى أبيه وكلا الشكين لم يقم عليهما دليل.
وإذ تترك القرية فى نفس الصبى هذه الآثار والجروح لتستقر فى مكامن اللاوعى – تغدو المدينة له من عدة وجوه – ملاذا ومفزعاً ،فيفر إليها مستقراً بها ، لكن الراوى لا يقف على مساحة من حياته فى المدينة مسقطاً إياها ، واضعاً القارئ مباشرة أمام فترات الألم والمعاناة فى حياته مع زوجته ، وتثير معاملة زوجته رواسب الماضى وتوقظ فيه شعوره القديم بالقمع والخوف بل يزداد إحساسه بالخوف خاصة بعد إنجاب ابنه ضياء ... وتصير الحياة التى أحبها الراوى فى شبابه وحمل لها بعض الذكريات الجميلة- جحيماً لايطاق بعد أن وقع أسيرا لهذه الزوجة وألقت عليه المأسى ظلالها الكثيفة متمثلة فى فقد صديقه حمودة ووقوعه فريسة اليأس والإحباط نتيجة رفض أسرة حبيبته خطبتها له ، وموت صديقه فريد عثمان بعد أن وقع فريسة الهزال والمرض ثم وفاة الشيخ رضوان الذى كان بمثابة المرشد الروحى له وموضع ثقته وتقديره.
وتحت أثقال من جحيم إمراءة متسلطة تملك القوامة والتأثير وتبرع فى استخدام سلاح الفتنة والإغواء ( نقطة ضعف الراوى ) وافتقاده الرؤية والحسم جراء خوفه وتردده ، يلجأ الراوى للهروب من جحيمه بالانطواء أولاً ، ثم بمحاولة الانتحار للتخلص ليس من كراهيته للحياة ، وإنما من كراهيته لخوفه وضعفه وتردده .لقد كان كما يروى يخشى الموت حريصاً على الحياة.
وتنقذه زوجته من الموت فى اللحظات الأخيرة وتحرص على البقاء بجانبه حتى يعافى :
" لفت شالها حول أوردتى ... أحكمت الربط ، توقف النزف بعد برهة ... ابتسمت ... أمسكتنى بقوة ... قالت : سلامتك ... بينما قرأت فى يمينها كلمات متشفية كأنها تقول : لن تستطيع الفرار منى " ...صــ31.
ولما لم يستطيع ذلك بالفعل – خاصة إزاء جمالها وفتنتها اللذان جعلاه يرضخ مستسلماً منقاداً لرغباتها وأوامرها ونواهيها – عاد لكراهية نفسه ولجأ إلى الانطواء على ذاته منسحباً من الحياة وتمثل انسحابه فى تردده الدائم على المقابر – بالرغم من كراهيته للموت – وإحاطة نفسه بعالم الأموات والأرواح.
انفراج وهمى وحل مؤجل :
وفى إحدى لياليه المثقلة بالخوف والهموم يغفو وعى الراوى ويستيقظ اللاشعور وينفسح نطاق السرد ليصير مجالاً للإيهام – ويرى الراوى نفسه فى إحدى زياراته للمقابر وقد ارتاح لوجوده بها وأنس بأهلها بل صار لهم جاراً وصديقاً ، فنجدهم متعاطفين معه مقدرين لمأساته ، يحبونه ويختارونه قائداً عليهم برضا " روح " الشيخ رضوان ويشعر لأول مرة بذاته ويعدهم – فى عالمهم – بالإنجازات ويؤكدلهم سعيه لإقامة العدل وإشاعة السلام.
ولكنه يستغل قيادته للأموات فى الثأر من الأحياء والانتقام الشخصى ممن يظن أنهم ظلموه ويتعسف الراوى فى ردود فعله ويفقد السيطرة على شهوة الانتقام ورغبته المتعشطة للثأر فيحيل المدنية إلى فوضى وخراب ، وفى غمرة الفوضى العارمة التى تطيح ضمن ما تطيح بزوجته وحماته، ووسط صيحات الأرواح المفزعة التى جاست خلال المدنية يهرع الراوى إلى إنقاذ ابنه ضياء من براثن اليته والضياع بين أطلال مدينة خربة، ويعود بعد طرده من عالم الأموات الذى رفض منطقه – إلى بيته مجهداً قد نال منه الإعياء ليرتمى على سريره ويتوغل بنا أكثر فى عالمه الباطن ليرى أطيافاً من ملائكة يقف وسطها ابنه ضياء فيشعر بالراحة ثم يعقبها أشباحاً مفزعة تطارده ولا يستطيع منها فكاكا وتختنق فى حلقه صرخات الخوف والفزع فيفيق ملتقطا أنفاسه يبحث عن نفسه،وقد بدأ يسترد وعيه ويسألها عن وجودها وأين هى منه وقد راح بعيداً ؟ فتجيبه بأنها انتظرت وتريثت ولعل ما رآه يعنى له شيئاً،يستسلم الراوى لحجتها ويسقط رأسه على وسادته مقاوماً ما تبقى من ليلته.
وبهذا المشهد الأخير ينهى الراوى عملية التداعى والاعتراف مؤجلاً الحل لحين إعادة النظر واستبصار الوقائع والعواقب.
ومعنى ما سبق أن الراوى يظل مأزوماً ، وأنه مازال فى مرحلة الأمانى المجردة واقعياً ،ولذا يضطر اللاشعور للحضور كنوع من التعديل والتعويض رأبا لصدعه النفسى وسلامه الروحى.
نحن إذن إزاء نهاية مفتوحة كما كنا مع عنوان النص مع مؤشر مفتوح.
والكاتب إذ يعرض روايته على نحو ما أوجزنا وإن كان الإيجاز خاصة مع فنون السرد دائماً ما يكون خائناً ومخلاً – إلا أنه يتبنى رؤية فرويدية حيث العلاج بأساليب التحليل النفسى اعتمادا على تفسير الأحلام بالرغم أن مفاهيم الأمراض النفسية وأساليب علاجها وحل مشكلاتها قد قطعت أشواطاً بعيدة بدءاً بكارل يونج تلميذ فرويد الذى طور نظرية أستاذه مرورا بأدلر وبافلوف ومينجز وواطسون وسكنر ،وليس انتهاءً بجان بياجيه صاحب نظريات علم النفس الارتقائى.
وللمؤلف حريته ومشروعيته تماماً فى اختيار ما يراه مناسباً لرؤيته من حلول سواء كانت حلولاً نفسية أو روائية ، كما أن للمتلقى الحرية أيضاً فى عرض وجهة نظره واقتراح رؤى أخرى لأزمة " الراوى " وعقدته، ولعل تعدد الرؤى والمقترحات هو السبيل الأجدى لطرح حلول أنجع للمشكلة وللمشاكل الإنسانية والروائية الفنية بصفة خاصة.

أحمد رشاد حسانين
بورسعيد فى ديسمبر 2007م