أبي...
سامي مروان مبيّض

قضيت عمراً وأنا اكتب عن رجالات دمشق ولكني لم أكتب يوماً عن أبي، ذلك الفارس النبيل الذي ترجّل قبل أيام. وها أنا اليوم أحاول سرد سيرة هذا الرجل الكبير صاحب الوجه البشوش والإبتسامة المشعة، المتفائل دوماً بكل شيئ، حتى بالمرض. قبل أيام قليلة من رحيله، حصل عدوان اسرائيلي على مدينة دمشق وأصابت شظية نافذة غرفته في المنزل. التفت نحوي وهو على سرير المرض في المشفى الإيطالي وقال: "شايف فائدة وجودنا هون بالمستشفى؟ لو كنا بالبيت كنا أكلناها رعبة!"

"مروان عربي مبيّض،" اسم معروف في المجتمع الدمشقي، رجل خلوق وذواق، مناضل عصامي تحدى ظروف الحياة بكل قساوتها ونال ثقة الناس ومحبتهم منذ أن ورث صالة "مفروشات مبيّض" عن أبيه، وهو في ريعان الشباب سنة 1956. عَمل في صناعة "الموبيليا" طوال خمس وستون سنة، وقد دخل معظم بيوت دمشق لتزويدها بالأثاث المنزلي تاركاً بصمة جميلة في كل مكان حلّ به.

ولِد أبي في أسرة صغيرة ومتواضعة في حارة حمام المقدم في حي الصالحية قبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب العالمية الثانية سنة 1939. كان والده يعمل في صناعة المفروشات في سوق الخجا القديم، حيث كان متجره عند تمثال صلاح الدين الأيوبي اليوم. انتقل بعدها مع أبيه إلى "جادة شرف" في شارع 29 أيار، عندما قرر جدي ترك منزل الأسرة العربي القديم ليشيّد عمارة حديثة لعائلته، ظلّت مكتباً لأبي ومنه بدأت حياتي العملية قبل عشرين سنة ونيف.

درس أبي في "مدرسة الأميركان" (ثانوية دمشق العربية بعد التأميم) وكان قائداً لامعاً في كشاف دمشق. دخل كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، حيث تتلمذ على يد فاتح المدرس ولؤي كيالي، ولكنه لم يُكمل تحصيله الجامعي ليتفرغ كلياً للتجارة. إضافةً لصناعة المفروشات، أنشأ معملاً للبلاستيك وصار وكيلاً لماركة كينوود العالمية، وأسس شركات في فرنسا وإسبانيا ويوغوسلافيا وسويسرا، كما عَمل في تصدير السجّاد إلى الإتحاد السوفيتي وأسس شركة للاعلانات الطرقية بدمشق في مطلع السبعينيات. كما افتتح فروعاً لصناعة وبيع المفروشات في لبنان والعراق وفي الأردن، وبعد صدور قانون الإستثمار رقم 10، أنهى معظم أعماله في الخارج وعاد إلى دمشق ليؤسس شركة مارمو للنقل والتسويق السياحي، والتي ظلّت تعمل حتى عام 2007.

أجبرته ظروف الحياة على بيع صالة المفروشات، فافتتح صالة عرض حديثة في منطقة المعضمية في تشرين الثاني عام 2010، التي التهمتها نيران الحرب بعد بضعة أشهر. ولكن التاجر العنيد لم يستسلم أبداً، وقرر أن يبدأ من الصفر، للمرة الألف في حياته.

فقد شدّ الرحال إلى لبنان مجدداً وهو في منتصف العقد السابع من العمر، ليؤوسس صالة مفروشات جديدة في منطقة المزرعة، ظلّت قائمة حتى عام 2015. وبعد العودة الأخيرة إلى دمشق، عاد إلى ذات "الكار" وعَمل بالمفروشات مجدداً وكان يُحضر لمئوية "مفروشات مبيّض" هذا العام. رفض أبي التقاعد بشدة وخاض صراع مرير ضدَّ عدوين، تقدمه بالسن ومرض السرطان الذي أصابه قبل ثلاث سنوات. وكان وفي كل مرة ندخل فيها المستشفى للتداوي، يقول لي: "أنا منيح...فظيع...ورح عيش أكثر منكم كلكم!"

ولكن الله لم يشأ ذلك، فقد اصطفاه إلى مكان أفضل وأنقى وأجمل من دمشق التي غادرها. دمشق التي تغيرت معالمها، من حجرٍ وبشر وقيم وأخلاق...دمشق التي عرفها في شبابه والتي كانت كلمة التاجر فيها وسمعته تفوق أي شيك أو سند مصرفي في العالم. دمشق التي ظلّت بذاركرته هي تلك المدينة الأنيقة والنظيفة التي كان يمشي بأزقتها فتىً يافعاً حاملاً "السفرطاس" لأبيه، وذلك الدهليز المؤدي إلى دار أُسرته في حارات الصالحية. دمشق هي بيت أبيه القديم ورائحة الصابون في شراشف أمه، وصوتها وهي تقول: "الله يرضى على مروان وأخواته..."

وتكاد كلماته الأخيرة لا تفارق مسمعي: "كيفها صفيّة؟ رجعت من المدرسة ولا لسا؟" وكان يقصد ابنتي الصغيرة ذات السنتين، التي توجهت إلى مقعده المعتاد في داره بعد ساعات قليلة من الغياب وسألت ببرائة الأطفال: "وينو جدّو؟" أوفس؟ (Office)"

وبعد الرحيل، ذهبت لوحدي لفتح القبر والذي لم يُفتح منذ عام 1956. شعور رهيب ومؤلم، ارتجف كلما تذكرته. لا أخفيكم أني قُمت بتوسيع القبر قليلاً..ليكون لي مكانٌ فيه بالمستقبل، عند أقدام أبي. فمن عنده كانت البداية، وبجواره أريد أن يكون الختام.

مروان بك...كنت سبّاقاً في حياتك، وقد سبقتنا اليوم مجدداً...

لن أقول وداعاً يا أبي...بل إلى اللقاء.
سامي مروان المبيض