التغــــريب وثقافـــــــة الشــــــعوب \ بالتقليــــــــد والتبعــــــية


--------------------------------------------------------------------------------




التغريب وثقافة الشعوب
بالتقليد والتبعية
ما زال الصراع الحضاري بين الشرق والغرب مستمرا بالرغم من تطوره التقني الكبير ، فهو يرى الشرق قوة عارمة قوية تقف أمام طموحه الحضاري ورغبته في السيطرة الثقافية والهيمنة الفكرية ، لذلك يتجاهل حضارتنا وفضلها عليه محاولا طمسها ونسيانها.
لسنا نخشى الفكر الوافد اذا كان سببا في تطور الحياة وتقدمها ونشر الحضارة ..ما نخشاه هو تلك الخطط التي تطمس ثقافتنا وتدمر كياننا الحضاري.
نشر ثقافة الغرب
بالرغم من قدرة الغرب على الحرب السياسية وانتصاره بالمخترعات الجديدة ، وبالرغم من انه سيطر على كثير من الأقطار العربية فلم تنثن المقاومة السياسية والتحدي الثقافي والحضاري ، فاضطر الاستعمار الى إانشاء حكومات صورية حكامها من ابناء القطر.. وبدأ يحكمها من وراء ستار بالمستشارين الذي كان يعينهم مع الوزراء لامتصاص هذا التحدي وكسر حيويته الدافعة ثم بذل الجهد بابعاد العربي عن التاريخ الاسلامي بالعناية بالتاريح القديم مثل آشور وآكد وبابل في العراق ، وبالحضارة الفينيقية في الشام ، والحضارة الفرعونية في مصر واخذ يظهر رمز هذه الحضارات في الطوابع والنقود وفي التاريخ ... ويعني عناية خاصة بها متجاهلا حضارة الاسلام والعرب، واهتم بدراسة اثار الحضارة القديمة للقضاء على الاعتزاز الروحي والكيان الفكري وقطع صلة العربي والمسلم بالتراث لانه متى انفصم عن تراثه احس بالغربة والحيرة والقلق، وعندما يعيش في الفراغ الروحي والقلق الحضاري يسهل على الغرب الاستيلاء على فكره وتوجيهه الوجهة التي يريدها ..ومتى تاه فكره ضل في روحه ويكون انسانا بلا قاعدة روحية فتسيطر عليه اللامبالاة ويندفع نحو اللهو والعبث والاهتمام بالمظاهر البراقة والطفوس الظاهرية والعدمية القاتلة دون ان يسبر غور الفكر الغربي ويعرف شيئا عن حضارته المزدهرة وتراثه الاصيل..
اللغة الأجنبية:
كانت اول محاولات التغريب نشر اللغة الأجنبية في اوطاننا لان اللغة الغربية تحمل ثقافته وحضارته ومتى احب العربي لغة الاجنبي فسوف يرتبط به ويزداد الاعجاب بالأدب وبالتالي بالثقافة واخيرا بالحضارة..
فكان أبناء العراق وفلسطين والسودان يتعلمون الانجليزية ،وأبناء الشام وشمالي افريقيا العربية يتعلمون الفرنسية، وطرابلس وبرقة وفزان يدرسون الايطالية ... وقد تمكن الفرنسيون من خلق جيل لا يعرف لغته في الدول التي استعمروها..
الغريب ان اليهود احيوا لغتهم الميتة بل ان برجسكي كتب باليديش اللغة الميتة واخذ جائزة نوبل!!! واصر اليهود على العبرية واحيائها مع انها لغة محدودة الثقافة ضيقة الحضارة ...
وزاد الطين بلة الاستعمار اللغوي الذي جاء مع الخدم وأخذت الام تباهي بأن اولادها يتقنون اللغة الانجليزية أو الاسيوية او غيرها... وللأسف اخذ العرب يكسرون في لغتهم عندما يتخاطبون مع الخدم وكان حريا بهم تعليمهم العربية لان اكثرهم من المسلمين وكان ذلك ممكن ان يكون، عن طريق فتح مدارس مسائية لتعليمهم اللغة العربية.
إن المؤلم ان يكون العربي هو الذي يحمل ثقافة الغرب ويدعو لها ويعدها خيرا من ثقافته فهل رضي المثقف الاجنبي انجليزيا كان ام روسيا ام يابانيا بهذا؟ لعل السبب في ان هذا المتعلم تعلم الثقافة السطحية عندما تعلم في الغربة لانه لم يسمح له التفقه بعلومه وتقنيته وانما بأخذ النظريات سريعا وبأخذ جانب من العلوم التطبيقية مع المتناقضات المتعددة للفكر الغربي. ولم يكتف الغربي بالسيطرة الثقافية وبنشر لغته انما بذر الشقاق والفرقة اذ ظهرت ثقافات متنوعة في بلد واحد بانحياز كل مثقف للبلد الذي درس فيه واشتدت في بعض الاقطار هذه الفرقة وجرت الى صراعات طائفية واقليمية ، وبذلك غنم العرب من تفرقة الامة ، واظهرت الاقطار العربية بأنها مختلفة متنازعة تقف ضد التطور والحضاره لأن ابناءها يحارب بعضهم بعضا ، وولدت في نفوسهم روح السيطرة الفردية والدكتاتورية وبذلك بد العرب وكأنهم ضد العمل والادب والحرية.
ان وجود لغة اخرى خلق ثنائية في التعليم وتمزقا ثقافيا ادى الى وجود ديني وتعليم مدني وعلى هذه الثنائية اسست الجامعات العربية لتقابل التعليم بالازهر بينما كان السلف الصالح لا يعرف الا تعليما واحدا يخرج من مدارسه سواء أكانت المساجد او المدارس وما انقسم المجتمع الى جديد وقديم او متطور ومتخلف وقد حدث تنافر كبير بين تعليم الازهر ثم دار العلوم وبين الجامعات الحديثة . وبذلك خلق طائفتين او جيلين ينادي كل واحد بأنه على حق وان صاحبه هو الذي يعيش في الضلال.
الثقافة والتغريب
اختلف المفكرون والادباء في معنى كلمة ثقافة.. فما الثقافة؟
ظن كثير من الدارسين المعاصرين بأن الثقافة هي كمية العلم والمعرفة التي يحصل عليها المتعلم من الكتب او المقدار الذي يهضمه من المعلومات التي يتلقاها من المحاضرات العلمية التي يستمع اليها ، فسمي خريج الجامعة بالمثقف لانه حصل على شهادة عالية.. لا شك في ان الدراسة الجامعية جزء ضروري من الثقافة بالمعنى الدقيق والمصطلح الواسع ولكن خريج الجامعة لن يكون مثقفا ولو حصل على اعلى الشهادات العلمية او كان عالما في اختصاصه او فقيها في فرعه لان الثقافة هي معرفة الحياة ومشكلاتها وما فيها من متناقضات معددة وبالرغم من ان جذور الكلمة كانت محدودة بأمور الزراعة لانها كانت علم الانسان المزارع وحاجاته العامة فكلمة Agriculture كانت تشتمل على علم الزراعة وتمثل حاجات المزارع وكانت ثقافته ومعلوماته المتعددة في الزرع والحصاد والمطر والحرث ، وتطورت المعلومات لانتاج افضل وغدت كلمة Culture جانبا من جوانب هذه الحاجة الانسانية في حياته التي تحضرت وتطورت.
ان الربط بين كلمة (زراعة ) و (ثقافة) باللغة الانجليزية ليست جديدة فثي الساحة العلمية فقد تنبه لها من قبل صاحب (قصة الحضارة) لـ "ول ديوارت" لارتباط الحضارة والمدنية والثقافة بعضها ببعض رغم اختلاف الاسماء التي وضعت لكل جانب من هذه الجوانب لان الحياة او الثقافة بدأت في القرى والارياف وانتاجه الذي يذهب الى المدينة كالصناعة التي بدأت في المدينة ونمت فيها وخلقت مجتمعا صناعيا جديدا في مثله وعاداته واسلوب حياته الذي تكون فيه ساعات الفراغ اكثر مما في الريف والقرى وفي اتساع الوقت تظهر المناقشات والحوار تبادل الاراء وبالنقاش تظهر امور جديدة وأهداف حديثة لا تحدث في حياة القرى والارياف.
فالثقافة بدأت من زراعة الفلاح وحراثته واتصلت بثقافة الفكر في المدينة ثم تطورت في اساليب التعليم واتسعت الكلمة واصبحت التقويم والتطور والحذق والمهاره في العمل والفكر.. قالت العرب : ثقف الرمح وقومه ... اي تقويم المعوج والظفر باستقامته والعمل على اعتداله ...وبذلك فالظفر بالشئ اصبح ثقافة ... وثقف الشئ حذقه وثقفه وظفر به.. قال تعالي:
( فإما تثقيفهم في الحرب )الانفال57 وقال ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم) وعدت كلمة ثقافة هي الحذق والمهارة والتعديل والتسوية والتقويم.
فالثقافة هي تقويم العقل وتعديل المعوج بالعلوم التي تدرس والفنون التي تتذوق والتجارب المتعددة التي تكتسب من الحياة العامة وبالتالي فالثقافة تطلق على ما يمارسه الناس من انواع السلوك وانواع الفنون واما على مجموع ما لدى الشعب من انظمة اجتماعية وعادات وفنون الخ...
ولعل هذا المدى الواسع لفهم الثقافة بدأ بالتخطيط ووضعت الوسائل للسيطرة على الفكر العربي والتراث الاسلامي والعقل الشرقي وكان اول جذورها لبناء جديد فيه: متناقضات الغرب ، لجعل الفكر محايدا ومن ثم يكون غريبا واخيرا حائرا يبحث عن الملجأ الذي يأوى اليه.
فما الاساليب التي يسيطر فيها على الثقافة؟
السيطرة على حياة المجتمع العربي بنشر اساليب حياة المجتمع الغربي وطريقة حياته الاجتماعية ومثله وتقاليده.
وقد بدأ ذلك منذ الحملة الفرنسية على مصر فقد دخل نابليون مصر في 24 تموز 1798م. وادعى الاسلام وانه جاء لانقاذ مصر وبهر الناس بالمثل وطراز الحياة وتدخل في عقولهم عندما اشعرهم بأن لهم الحق في حكم انفسهم واسس الديوان العام واختار اعيان مصر لهذا الديوان من المحافظات واختير على الشرقاوي رئيسا بالاقتراع السري ، وقارن الشعب بين الحرية التي منحها للناس وبين حكم المماليك والعثمانيين الذين كانوا ينظرون الى المصريين باستهانة وعدم احترام وبدأت تكبر هذه الفكرة وبذرت فكرة الديمقراطية في الشرق.
ولا يخاف من التغريب اذا كان سببا في تطور الحياة وتقدمها ونشر الحضارة السليمة والاخذ بها ولكن يخاف منه عند التخطيط لطمس الثقافة وتدمير الكيان الحضاري والقضاء على المثل السامية والحياة الاجتماعية والاقتصادية بتدميرها لصالح الغرب وثقافته الجديدة ,,فيقضى على الثقافة العربية ومقوماتها بادعاء انهم يمثلون المجتمع العالي..
وقد هاجم رفاعة رافع الطهطاوي بقوة جانبا من الحضارة الغربية وثقافة الشعب الفرنسي التي لا تتفق مع مثل الشعوب العربية وقيمها وتقاليدها مع انه اثنى على كثير من اساليب الحياة الفرنسية وطريقة المجتمع في الحياة مثل حرية الرأي واصدار المطبوعات وحرية التنقل والكسب ، لانه اختار بصورة موفقة ، الشئ المفيد من الثقافة وصفى العادات والاخلاق التي تؤدي الى تقدم الامة وتحافظ على الشخصية العربية القوية.
بينما جاءت من الغرب بعده طائفة دعت الى الاخذ من الغرب حياته ومثله وطالبت بابعاد كل المثل العربية والشرقية والاسلامية ..فقد قال سلامة موسى بصراحة تامة ووضوح عبارة بضرورة الاخذ من الغرب وهاجم الفتح الاسلامي والدول العربية كلها لانه اراد التغيير الكامل والاندماج في حياة الغرب في كتابه ( اليوم والغد) قال : ( هذا مذهبي الذي اعمل له طوال حياتي سرا وجهرا فانا كافر بالشرق ومؤمن بالغرب).
كانت اراء سلامة موسى ، في عقول كثير من المفكرين في مصر كل حسب قدرته وقابليته وزمنه ودعوته الى الاندماج بالغرب وحضارته مثل شيلي شميل ولويس عوض (تلامذة سلامة موسى) حسبما قال في (أوراق العمر).
وقد رأى سعد زغلول ان تعلم اللغة الأجنبية يقوي الطلاب على مواجهة حضارة الغرب والاستفادة منها في حياتهم عندما قرر تعليم اللغة الانجليزية في تدريس العلوم. ورد عليه جورجي زيدان بأن اللغة العربية لغة تحدث وعلم ودين وهي أرقى لغات الارض فضلا عن ارتباطها بالدين الاسلامي.
الشرق ذهب الى الغرب يطلب المعرفة وارسل البعثات اليه لدراسة علومه والانتفاع بحضارته وتقدمه، وان تقليد الغرب بدأ بوضوح شديد منذ عهد محمد علي باشا الكبير وفي لبنان زمن الامير فخر الدين المعني عندما سافر الى توسكانا في فلورنسا وتأثر بما رآه فيها متقدم حضاري وتطور اجتماعي وقد حاول المحاكة بعد عودته من سفرته تلك.
وفي زمن الامير بشير في لبنان الذي اعجب بحضارة الغرب واراد ان يرى حياة الشعب مثل شعوب اوربا.
ان البعثات التي ارسلت الى اوربا كانت تريد تعلم العلوم الحديثة الصرفة للاستفادة منها ومع ذلك فلم يغفل الرواد عن ترجمة بعض الاعمال الادبية لان جذورهم كانت ادبية.
وكثر طلاب البعثات من الازهر الذين لهم قواعدهم الاسلامية المتينة ولهم قوى فكرية ناضجة لذلك لم يقبل فكرهم بكل شئ وجدوه في اوربا وحافظ على اصالته وهضم اساليب الحضارة وسخرها لفكره العربي المسلم الذي تشرب بحضارة الشرق الزاهية وما فيها من تفاعل واضح مع الثقافات الاجنبية القديمة كاليونانية والهندية والفارسية واللاتينية.
وعرف اسلافنا افلاطون وارسطو وارخميدس ودخل الفكر اليوناني مع الحضارات القديمة في تراثنا لذلك لم يكن الفكر الغربي الذي وجده طلاب البعثات غريبا عليهم.
صراع بين جيلين:
ان الجيل الثاني بدأ يألف العلوم الجديدة بعد ان كثرت المجلات والجرائد في مصر ولبنان ودمشق التي تتحدث عن شئ جديد وتمكنت بعض العقائد من السيطرة وخلقت لها انصارا وأنشأت احزابا وجمعيات تعجب بالغرب وعلمه ثم نسى بعد ذلك اعمال المستعمر الاول ونشأ جيل تعلم اللغة الاجنبية واصبحت كراهية المستعمر بعيدة عنه لانه لم يمارسها او يحس بوطأتها وبدأت المعركة الكبيرة بين التيار الراديكالي والفكر الرأسمالي وكل واحد يعدو الى مثل عليا وشعارات براقة وقد نفذ الفكر الجديد الى كثير من عقول الشباب عندما احس بأنه مسحوق ماديا ومعنويا وتجلى الاحتكاك الكبير بين مثل الشاب وما يقرأ وما يدرس فجره الى حيرة وقلق وضياع روحي.. وبدأت تهتز بعض مثله القديمة وتتناقض الاراء التي درسها.
ولم يكن القلق او الحيرة وقفا على جانب انما الف المعجبين بالرأسمالية واليسارية عندما قارنوا أوطانهم المختلفة بهذين التيارين وعاشوا في دوامة فكرية دفع بعضهم الى المبالغة بأن اليسارية هي التي تطورنا ورد عليهم الرأسماليون بأن الحرية في كل شئ هي اهم من رغيف الخبز والاراء والاشتراكية فوجد الصراع واضحا مما ادى في معظم الاحيان الى القطيعة والحرب الفكرية والتصفية الجسدية والاضطهاد والتعذيب.
كيف نسترد الشخصية العربية؟
ان الصراع الثقافي الذي جاء من الاحتكاك المباشر وغير المباشر بثقافتنا خلق جيلا مضطرب الفكر حائر الرأي كما اسلفت وقد ساعد الغرب على هذه السيطرة والحيرة والقلق فما السبيل الى اعادة الثقة بالنفس؟
• خلق جيل قوي متين مزود بالثقافة العربية الاصيلة مع دراسة عميقة للتراث الغربي بعد ان خلق جيل آمن بالمفاهيم اليسارية والرأسمالية ..جيل آمن بالمفاهيم اليسارية وكلا القاعدتين اقتصادي بالدرجة الاولى..... ومتى فهم هذا الجيل الاسباب والدوافع وقارن ذلك بحضارته فسوف ينشأ جيل له قابلية كبيرة في هضم الفكر الجديد واحتواء كل حديث لا سيما ان التغيرات العالمية الحالية تساعد على ذلك.
ومتى آمن الجيل بجذوره الحضارية وتراثه واستفاد من الغرب فسوف تذهب حيرته وقلقه ويستأنف مسيرته في تطور امته وتقدم فكرها ومجتمعها.
• فهم حضارة الغرب على ضوء المقومات الشرقية وتقليص شدة الانبهار وعمق الاعجاب بإحياء جانب حضارتنا العربية ومقارتنتها بحضارته والجذور التي استقى منها الغرب حضارته وأثر حضارتنا في حياته الان.. ان لإيمان بعدم التأثر بالثقافة الغربية وتقليدها اهم قاعدة للثقافة ولبناء الشخصية القوية وبالقاعدة المتينة يبنى الشخص القادرة على فهم الجديد وخاصة الحضارة الغربية؟
• بذر الغرب التفرقة والبغضاء بين ابناء العرب ليسهل عليه السيطرة عليهم متفرقين خوفا من قوة العرب ووعيهم في الاتحاد والدفاع عن المصير المشترك بعد ان وجد جذورهم الحضارية قوية وتراثهم متين البناء وحدًة نظرتهم وقوة اصالتهم وبناء شخصيتهم.
• نشر الحرية الكاملة بعد ان بذر الغرب في اقطارنا روح الدكتاتورية لقمع الحركات الفكرية التي يراد منها قمع الشعوب وقتل حريته كاملة.. وقد منح الاسلام حرية فردية واحترم بني آدم وكرمهم دون النظر الى اللون والاصل حتى لا يضعف أمام مظاهره ويفتن بها.
• وضع منهج حديث لكل المدارس بداية من اللغة العربية وتدريسها والعلوم البحتة والتقنية ووضع منهج يلائم الفكر الاصيل والحضارة الجديدة والاهتمام بجوهر الامور والابتعاد عن المظاهر البراقة لان التطور الاجتماعي يجب ان يكون جزءا من اللاشعور الروحي حتى يعمل به الجيل، والابتعاد عن ثنائية التعليم لبناء الشخصية الجديدة والثقافة بالجمع بين الثقافة الغربية والاصالة العربية
• يجب التصدي لدعوات الغرب الرامية الى الانتقاص من المثل العليا لهدم المقومات العربية والاسلامية باساليب جديدة بعيدة عن الوعيد والخطب والترهيب لخلق انسان يؤمن بحضارته ولا يكون ذلك الا بالقضاء على امية المتعلمين والقضاء على الجهل الحضاري عند الدارسين وبالاستفادة من خضارة الغرب ووسائل اعلامه واسلوبه في بث الثقافة ونشر علومه وافكاره عندما انشأ المدارس والجامعات في الوطن العربي كوسيلة للتبشير السري المنظم العيمق لادخال الفكر العربي المسلم في الحيرة والقلق والضياع الروحي.
فهل وعت الشعوب العربية والاسلامية والشرقية بصورة عامة اثر ثقافة الغرب التي تغلغلت بين جذور الثقافة العربية عن طريق التغلغل العلمي والاقتصادي والاعلامي الى درجة ان عناصر عربية ومسلمة وشرقية قد تركت بلدانها لتساهم في تطور حياة الغرب !!!!!
لميس الامام




لعمري إن الأدب والنقد في خير طالما هناك أمثالك , يبحثون عن جروحه ويطهروها ثم يحاولون أقصى ما يمكنهم لتضميدها. إن مقالتك فيها من الثراء ما يغني عن التقديم له. في مداخلة لي مع الأديب المفكر: أبو بكر الزاوي, دخلت في تعريف الثقافة والحضارة والمعتقدات الدينية والعلاقة بين الثلاثة, أضع لك منها هنا جزء متواضع , وإن أحببتي ألحقته بآخر.

يعرف "تايلور" الثقافة أنها هي ذلك المركب الكلي الذي يشتمل على المعرفة والمعتقد والفن والأدب والأخلاق والقانون والعرف والقدرات والعادات الأخرى، التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع .

ويعرفها "كوينسي رايت" أنها هي النمو التراكمي للتقنيات والعادات والمعتقدات لشعب من الشعوب، يعيش في حالة الاتصال المستمر بين أفراده، وينتقل هذا النمو التراكمي إلى الجيل الناشئ عن طريق الآباء وعبر العمليات التربوية.

فى حين يأتى تعريف "مالينوفسكي" لها أنها هي جهاز فعال ينتقل بالإنسان إلى وضع أفضل، وضع يواكب المشاكل والطروح الخاصة التي تواجه الإنسان في هذا المجتمع أو ذاك في بيئته وفي سياق تلبيته لحاجاته الأساسية.

ويقول" غوستان فون غرونيوم":أن هناك تعريفات أخرى مثل (أن الثقافة هي الجهد المبذول لتقديم مجموعة متماسكة من الإجابات على المآزق المحيرة التي تواجه المجتمعات البشرية في مجري حياتها، أي هي المواجهة المتكررة مع تلك القضايا الجذرية والأساسية التي تتم الإجابة عنها عبر مجموعة من الرموز، فتشكل بذلك مركباً كلياً متكامل المعنى، متماسك الوجود، قابلاً للحياة) ومن هذا القبيل تعريف غوستاف فون غرونيوم في مطلع كتابه عن هوية الإسلام الثقافية الصادر في باريس عام 1973 حيث يقول عن الثقافة انها (نظام مغلق من الأسئلة والأجوبة، المتعلقة بالكون وبالسلوك الإنساني).

وهذه التعريفات كلها تبرز بشكل واضح أهمية العقيدة ودور الدين في صنع الثقافة وتوجيه سلوك الإنسان.


هل يعتبر هذا تعريفاً كافياً للثقافة في عصرنا؟!

"مالك بن نبي "يعرف الثقافة في كتابه (مشكلة الثقافة) فيقول إنها (مجموعة الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته، وتصبح لا شعورياً العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه).

إذن هل الثقافة هي:

(العلوم والمعارف والفنون و... التي يطلب فيها الحذق)

أم هي (الحذق وفهم العلوم والمعارف والفنون و...)

أم هي (المركب الكلي الذي يشتمل على المعرفة والمعتقد والفن والأخلاق والقانون والعرف والقدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع)

أم هي (النمو التراكمي للتقنيات والعادات والمعتقدات لشعب من الشعوب يعيش في حالة الاتصال المستمر بين أفراده، وينتقل هذا النمو التراكمي إلى الجيل الناشئ عن طريق الآباء وعبر العمليات التربوية)

أم هي (جهاز فعلا ينتقل بالإنسان إلى وضع أفضل)

أم هي (الجهد المبذول لتقديم مجموعة متماسكة من الإجابات على المآزق المحيرة التي تواجه المجتمعات البشرية)

أم هي (نظام مغلق من الأسئلة والأجوبة المتعلقة بالكون وبالسلوك الإنساني)

أم هي (المنجزات الفكرية المعنوية التي يبتكرها الإنسان في تنظيم حياته مع الآخرين).

إذا بسطنا الموضوع قليلاً، وتجنبنا محاولة تعريف الثقافة تعريفاً جامعاً مانعاً كما يقال، واكتفينا بالحديث عن الثقافة كمفهوم حديث أو كمصطلح حديث، فلربما أمكننا القول أن: (الثقافة هي المخزون الحي في الذاكرة كمركب كلي ونمو تراكمي مكون من محصلة العلوم والمعارف والأفكار والمعتقدات والفنون والآداب والأخلاق والقوانين والأعراف والتقاليد والمدركات الذهنية والحسية والموروثات التاريخية واللغوية والبيئية التي تصوغ فكر الإنسان وتمنحه الصفات الخلفية والقيم الاجتماعية التي تصوغ سلوكه العملي في الحياة).

هذا المخزون الحي قد يتمثل لدى الشعوب على شكل عقيدة حية فعالة محركة لما يصدر عن أفراد الشعب من قول أو عمل، وما ينجزه على الصعيدين الفكري والعملي الفردي والاجتماعي على السواء من مهام ووظائف.

ولا ننسى أبدا أن نفرق بين القول أن الثقافة هي مجرد اكتساب درجة من العلم والمعرفة أو انها تعني الإبداع والابتكار الفني والجمالي وبين القول أنها السلوك أو نمط التعبير الخاص بمجتمع من المجتمعات أو انها تقتصر على الضروب الرفيعة من التفكير النظري والتجريد، مروراً بالعشرات من وجهات النظر والآراء التي تفهم الثقافة من زوايا خاصة ووفق أغراض محددة.


أما كينونة الثقافة فقد تكون:

أ. الثقافة الفردية:

والتى تكون إما فطرية نشأ عليها الفرد تحت تأثير فطرته وطبيعته, أو تكون مكتسبة من مدركات بيئية خارجية. وبين هاتين الثقافتين ـ الفطرية والمكتسبة ـ جسر موصل أو حاجز غير واضح تماماً، فالجزء البسيط من المدركات والمكتسبات دون سن التمييز أقرب إلى الثقافة الفطرية أو لنقل هو انبثاق عنها وختام لها. والجزء المركب والمعقد من هذه المدركات والمكتسبات أقرب إلى الثقافة المكتسبة أو لنقل هو ابتداء فيضها أو هو منبعها وأساسها.

ب. الثقافة الاجتماعية:

هناك (الثقافة البدائية التلقائية وتوجد حيث يوجد المجتمع، وهي تسود كافة المجتمعات الإنسانية ولا يخلو منها مجتمع، وتتجلى في عموم الحالة السائدة في المجتمع) .

وهناك (ثقافة موجهة قد تم التخطيط لها على أسس متينة وقواعد ثابتة) .




بعد أن أوضحنا مفهوم الثقافة بما لا يدع أي مجال للبس والغموض، بات واضحاً كذلك معنى المثقف، فالمثقف هو مظهر الثقافة ومصداقها والمعبر عنها وحاملها وموصلها لسواه.

صحيح أن المثقف ليس هو الذي يوجد الثقافة فهي موجودة بدونه، لكن المثقف هو الذي ينقلها من السكون الى الحركة، ومن الخمول إلى النشاط. ولكن ليس هو الموجد لها.

وإذا كانت الثقافة الصحيحة السليمة تحتفظ في داخلها بشروط بقائها فماذا يبقى للمثقف من دور؟!

وجواب هذا السؤال أن المثقف هو أحد بل أهم شروط ظهور الثقافة، فلا ظهور للثقافة دون مثقف.

إن القيم والمفاهيم والمعلومات والعقائد والفلسفات والأخلاق وكل مكونات الثقافة ومقوماتها تبقى صوراً تجريدية ذهنية ما لم تظهر على أرض الواقع وتتجسد في مصاديق مادية عملية.

إن الصراع بين الحق والباطل لا يكون الا إذا كان لكل منهما مصاديق، ولابد لكل منهما أن يجد من يحمله ويبشر به ويجعل من نفسه المصداق... المصداق العملي له على أرض الواقع، هذا هو دور المثقف:

ـ أن يتمثل ثقافته جيداً فكراً وسلوكاً.

ـ أن يعمل جاداً للتبشير بثقافته.

ـ أن يدفع عنها عوامل الانهزام الداخلي وعوادي الغزو الخارجي.

وانما يدفع المثقف عن ثقافته عوامل الانهزام الداخلي بما سبق أن المحنا إليه من التفاعل الحر مع الثقافات الأخرى، وعدم الانغلاق على محيطه وبيئته، وعدم الخلط بين الثابت من الحقائق والمتغير من التراث والعادات والتقاليد، والتمييز الواضح بين ما هو من الأسس والأركان وما هو من المتممات والمكملات (أي ما هو من هيكل البناء وما هو من الإضافات والديكورات)، والحرص على عدم تخلف الثقافة عن العصر، وعن الفعل فيه فعلاً إيجابيا، والتحرك داخل العصر وعينه على المستقبل الآتي بما يحمل من آمال وتطلعات وبما يحقق من أغراض وأهداف.

ويدفع عنها الغزو الخارجي بالتخطيط الدقيق والتكافل والتضامن والتعاون مع أبناء ثقافته أياً كان عرقهم ولونهم ولغتهم.

(إن أهمية المثقف إنما تنبثق من أهمية الثقافة نفسها وحاجة المجتمع إليها).

ويميز البعض بين مثقف ساكن ومثقف متحرك، الأول لا دور له في مجتمعه والثاني ينهض بدوره في المجتمع، وبين مثقف منغلق ينتج ثقافة الجمود ومثقف منفتح ينتج ثقافة التجديد، الأول يعيش خارج الزمن فمسيرته إلى التوقف والثاني يواكب الزمن ويعيش فيه فمسيرته إلى النمو، ويميز بين مثقف النخبة الذي يعيش بعيداً عن الناس ويتحدث بخطاب القلة أو النخبة فقط ومثقف الجمهور الذي يعايش الناس ويتحدث بخطابهم خطاب الجمهور والكثرة، ويميز بين مثقف مستبد يتحول قلمه إلى رفض الآخر، ولا يتحدث الا بلغة الرفض والنفي والإقصاء ويمارس القمع والإرهاب، ومثقف شوروي (أو ديمقراطي) يتحدث قلمه بلغة التعددية والتعايش والتسامح ويمارس الحرية والعدالة، ويميز بين مثقف السلطة الذي يكرس الاستبداد ويمارس الظلم ويعشق المال ومثقف الأمة الذي يعشق العلم وينشر العدل ويزرع الحرية.

ونحن ـ مع من ـ يريد ظهور المثقف المتحرك مع آمال الأمة وتطلعاتها وقيمها ومفاهيمها، المنفتح على كل الثقافات القديمة والمعاصرة، الذي يتبنى الحرية والعدل والشورى ويخاطب جماهير الناس ونخبتهم، كلّا بما يناسبه، ولا يقصر خطابه للنخبة فقط.

نريد المثقف الذي يستشعر المسؤولية الخطيرة والجسيمة، فيتمثل دور النبي لا دور الفيلسوف، نريد المثقف الذي ينطلق من جوهر مفهوم الثقافة الذي يفترض فيه التحرك لنشر رسالته الثقافية داخل المجتمع وعلى الصعيد الإنساني العالمي، وتوضيح آفاقها ومنطلقاتها وأهدافها، وترسيخ مفاهيمها الرسالية باللغة التي يفهمونها والتي تحركهم لأنها تتحدث عن قضاياهم ومشاكلهم التي يعانون منها والظروف التي يعيشون تحت أسرها، والآمال التي تراودهم، والأهداف التي تعيش في قلوبهم وأفئدتهم؛ لغة من قد وطد العزم على كسر القيود وفك الأغلال عن الإنسان، ورفع الظلم والحيف والاستبداد، ونشر الأمن والحرية والعدالة في المجتمع الذي يعيش فيه أولاً، وبين الناس كلهم في شتى أرجاء الأرض ثانياً.

لكن ما الفرق بين الثقافة والحضارة؟؟؟ وما العلاقة بينهما , ومدى ارتباطهما بالعقيدة الدينية؟؟؟؟


شذى الوردة ورمضان كريم وأكرم منه ربي

د. نجلاء طمان