النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الكبة اللبنية وشراقاتها

  1. الكبة اللبنية وشراقاتها

    الكبة اللبنية (وشراقاتها) ...
    هشــام الخــاني

    مع العودة من المدرسة ظهرا، والحقيبة الثقيلة تنال جزاءها رميا خلف باب البيت بعد أن اثقلت ظهري، تطالعني جدتي (رحمها الله) في صدر المطبخ بوجهها الأبيض الوردي الممتلئ باليقين والايمان. وتصفق مرحبة وفق أهازيجها الرائعة وهي تجلس جلسة الرئاسة والريادة، المفعمة بالحب والحنان، على كرسي خشبي منخفض يسميه أهل الشام: (كرسي الدف أو كرسي الحمام). ويتقدم الكرسي المذكور موقدا يسمى (البابور) يعمل على ضغط الهواء مع (زيت الكاز) يصدع بصوته آذان الفيلة. وفوق هذا الكائن تتربع طنجرة النحاس الكبيرة الممتلئة باللبن الحامض الذي تتراقص فقاعاته الصغيرة على خجل إيذانا بالغليان. وتتوضع إلى يمين الجدة الحبيبة صينية فوق الطاولة الخشبية الصغيرة (السكملة كما يسميها أهل الشام) وقد رصفت بالأقراص رصفا رائعا، رأسا خلف رأس وكتفا خلف كتف، وكأنما (ملازم الفتوة) قد أطلق أمر الاستعداد اليها للتو (أستاااا ... عيييد).

    انك لابد أن ترى متعجبا تلك الثقوب في جسم كل قرص تسائل نفسك عنها دون أن تفلح في تفسير مغزى وجودها. وما إن تزيد في تمعن تلك الثقوب يتحول مشهد الترادف، الذي رأيته للتو، إلى مشهد آخر وكأنما بركة مستديرة يصطف بجوارها الغطاسون كل ينتظر دوره للقفز في حلة اللبن المطبوخ (أو اللبن المشوي كما يحب أن يسميه أهل الشام). ولئن حالفك الحظ وشهدت مباشرة الجدة في إلقاء الأقراص، فإن منظر القرص سيبهرك بعد أن انغمس في اللبن تماما يتلوى ليرتشف عبر ثقوبه (الشراقات كما يسميها أهل الشام) مزيدا من اللبن يسحبه إلى جوفه ليملأه بالنكهة وجميل الطعم. وهنا يأتيك جواب السؤال الذي أعجزك تفسيره للتو. نعم إنها تلك الثقوب (الشراقات) التي تيسر للبن طريقا كي يدخل إلى جوف القرص.

    إنني وإذ أعيش هذا المشهد الذي لن يغادر ذاكرتي إلى الابد، لابد أن أتذكر تلك الزبدية الخزفية المنقوشة، وقد ملأتها الجدة الحبيبة الرؤوم بقليل من اللبن الساخن تقدمها ضيافة لكل قادم إلى المطبخ. لكن الضيافة تكون لمرة واحدة فقط، وبكمية قليلة، حتى لا ينفذ اللبن .. فلا ضرر ولا ضرار. ومع انتهاء الطبخ ترى المحصول قد نقل إلى زبادي الخزف البيضاء الكبيرة ليتوضع على الطاولة بأناة وحب. أما الجمع فكلهم مرصوفون حول المائدة كل يمني بطنه. ولئن أمسك أحد المغرفة المعدنية الزرقاء (الكبجاية كما يسميها الشاميون) ليملأ صحنه بالكبة اللذيذة، فلا يستغربن أطياف اللون الأخضر تبدو من داخل اللبن. وعلى الجميع أن يعلم هنا بأن الجدة قد أضافت (الطرخون)، ولربما كما من حبات الفول الأخضر الطازج إلى اللبن، لتقدم لك (المشمشية) وهي الكبة اللبنية يتخللها الفول الأخضر كما يسميها أهل الشام.

    أما أنواع الكبة الأخرى بالصلصات الرائعة مما برعت به سيدات الشهباء، اللواتي تميزن بجمالهن في خلقهن وأخلاقهن، كالكبة السفرجلية والكبة السماقية، فإني أدع الحديث عنها إلى مرة قادمة، لأنه لا قبل لي بوصف براعة الأكل الحلبي الذي لا يصبر الإنسان على الحديث عنه إلا أن يشهد موائده.
    .....
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي






  2. رد: الكبة اللبنية وشراقاتها

    الاستاذ الفاصل/هشام الخاني
    العين تأكل قبل الفم هذه حقيقة وهذا ما يتبقى
    في الذاكرة
    ولأن العين قد أكلت قبل الفم في ذاك الزمان وعلى يد الجدة
    وفي ذاك المكان فإن الكبة اللبنية ارتبطت في ذاكرة
    الزمان والمكان والوجوه فكانت ذات إثر
    يالها من رائحة ضمت الكثير من العبق والطعم والشكل
    تتكرر امام هذا الطبق في كل مرة من زمن الجدة إلى الآن
    مشهد لن يغادر بحق
    وما زالنا ننتظر البقية من الكبب الشهية كي ننصت ونتخيل
    الأستاذ هشام الخاني
    سلمت الذاكرة وسلم القلم امتعتنا اخي

    نورة الدوسري

    من مواضيع :


    معلومات الموضوع

    الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

    الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

    ضوابط المشاركة

    • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
    • لا تستطيع الرد على المواضيع
    • لا تستطيع إرفاق ملفات
    • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
    •