النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: مع المفاوضات وضد التنازلات

  1. مع المفاوضات وضد التنازلات

    مع المفاوضات وضد التنازلات
    مصطفى إنشاصي
    من خلال تجربتي الشخصية سأكتب عدة حلقات منفصلة تناقش الواقع الفلسطيني والعربي في علاقاته مع الغرب والعدو الصهيوني، توضح أن كثير من جيل اقادة الذين شاخوا الآن، ممَنْ يقودون بعض الفصائل الفلسطينية على الرغم من مرور عقود لهم في العمل السياسي إلا أنهم مازالوا مراهقي ساسة، وسنة أولى سياسة! عام 1997 كنت أدرس في مرحلة الماجستير في "جامعة إفريقيا العالمية" بالسودان، وقد كان من ضمن المواد الدراسية المقررة علينا مادة بعنوان "سينمار" وكان موضوعها علاقات السودان مع أمريكا وأسباب الخلافات بينهما، حيث كانت السودان آنذاك مصنفة ضمن قائمة (الإرهاب) أمريكياً، ومفروض عليها حصاراً أمريكياً، وكان في تلك الفترة يجري حوار غير مباشر بين السودان وأمريكا عبر وسطاء لتحسين العلاقة بينهما وكسر الحصار المفروض علي السودان، وكانت أمريكا مقدمة مجموعة من الشروط على السودان تنفيذها قبل أن تخطو أمريكا أي خطوة على طريق تحسين العلاقات بينهما، وكانت السودان قد نفذت بعضها! وكان الدكتور الذي يدرسنا تلك المادة مسئول الشئون الأمريكية في وزارة الخارجية، وهو بدرجة سفير، وقد قضى عشرون عاماً من عمره في أمريكا نفسها، ودرس في جامعاتها، ولديه علاقات جيدة مع أهل العلم والسياسة هناك، من أمريكيين وجنسيات أخرى في أمريكا، وللحق أستاذ قدير علماً وخلقاً، وكان ودوداً في تعامله، وذلك ما شهد له به بعض من التقيتهم من زملائه سنوات الدراسة الجامعية. وأثناء المحاضرات كنت متشدداً في موقفي من الحوار ومعترضاً على مبرراته للحوار مع أمريكأ، إلى درجة ظن معها أني أرفض الحوار من حيث المبدأ! فطلب مني أن أزوره في مكتبه في وزارة الخار من النقاش والحوار بحرية أكثر، ووقت أوسع. وبيني وبين نفسي ألتمست له العذر فهو مثله مثل كثيرين يبنون مواقف مسبقة من أصحاب الاتجاهات الإسلامية قبل الحوار معهم وسماعهم، ولا يحاولون من خلال الحوار وضع أسس لفهم مشترك حول بعض قضايا الحوار، تكون نقاط مشتركة أو مفاهيم واضحة متفق عليها معهم حول تلك القضايا. وبعد فترة من النقاش والحوار اكتشف أنني لست ضد الحوار مع أمريكا أو غيرها، ولكنني ضد الحوار غير المتكافئ، أو بمعنى أدق، ما قلته له بالحرف:
    "أنا لست ضد الحوار ولكن ضد التنازلات بدون تنازل مقابل"!
    فقال: "إذن نحن متفقان ولسنا مختلفان"! قلت: "متفقان على المبدأ ومختلفان في الممارسة"! فسأل كيف؟! أجبت: "أنت مع اتفاقك معي على مبدأ عدم التنازل إلا أنكم تنازلتم كثيراً ونفذتم بعضاً مما طلبته أمريكا منكم إلى درجة أساءت إلى مصداقيتكم لدى الكثيرين ممن كانوا يثقون بكم، وفي المقابل لم تحصلوا من أمريكا على أي تنازل أو مقابل". قال: "نحن نتنازل نعم ولكن تنازل محسوب، فهو إلى نقطة معينة فإن لم تبادلنا أمريكا بالمثل فسوف نوقف المفاوضات والحوار معها"! قلت: "في هذه الحال تكون أمريكا كسبت وأنتم خسرتم ما تنازلتم عنه، وفقدان ثقة البعض بكم، وعندما تعود المفاوضات ستعود من حيث انتهت لا من حيث بدأت، ولن تطالبوا أمريكا بتنفيذ المقابل لما نفذتموه، على جميع الوجوه المفاوضات غير المتكافئة والمشروطة لا تخلو من الخسائر"! لذلك أنا أرفض الحوار أو المفاوضات في مثل هذا الحال مع أمريكا، لأنني مقتنع أن أمريكا صهيونية، صليبية، تتعامل مع العرب والمسلمين بمنطق الاستكبار والعداء ومحاولة الإذلال لنا فقط! فقال: "اطمئن نحن واعون لذلك وكل خطوة نقدم عليها تكون مدروسة جيداً ومحسوب مدى إيجابيتها وسلبيتها". قلت: "أخشى أن يحدث معكم ما حدث مع العراق، فانظر كم سنة لها منذ حرب الخليج الثانية وهو يقدم تنازلات من أجل رفع العقوبات والحصار عنها ولم يحدث، بل كلما قدم تنازل طُلب آخر ومسلسل التنازلات لا ينتهِ، لذلك أنا مع المفاوضات والحوار وضد التنازلات"! وأنهَ حديث يومها مطمئناً لي أن تنازلاتهم مدروسة ومحسوبة. وعن نفسي تبقى قناعتي أن التنازل هو التنازل ما لم يقابله تنازل بالمقابل! وقد انتهى الحوار بينهما بعد فترة قصيرة إلى طريق مسدود، رغم ما قدمه السودان من تنازلات ذهبت أدراج الرياح ولم يجني منها أي فائدة تذكر! وإذا ما تأملنا أو درسنا إلى أين تفضي سياسة التنازلات والمفاوضات التي لا تقوم على أسس صحيحة وفرص متكافئة انظروا إلى مفاوضات وتنازلات الفلسطينيين مع العدو الصهيوني إلى أين أفضت سواء، السلطة الفلسطينية منذ توقيع اتفاق أوسلو بتاريخ 13/9/1993، أو حماس منذ توقيع أول تهدئة باسمها عام 2008؟!
    المفاوضات العدو الصهيوني مرفوضة من حيث المبدأ!
    وبعد أن تسربت أخبار عن اتصالات بين بعض الأحزاب السودانية وخاصة حسن الترابي والمسئولين السودانيين مع العدو الصهيوني حول محاولة شراء العدو جزءً من حصة السودان في مياه النيل التي لا تستغلها؛ لم يكن حديثنا حول ذلك الموضوع في مكتبه في الوزارة، فقد انتهى بما سبق عن المفاوضات والتناولات مع أمريكا، ولكن كان في الكلية أو أثناء طريق عودته من الجامعة إلى الوزارة بعد انتهاء محاضرته، حيث كنت أوقات أروح معه فسكني كان في طريقه. سألني يومأً عن المفاوضات مع العدو الصهيوني؟! فكان ردي قاطع: عن نفسي ضد المفاوضات المباشرة مع العدو الصهيوني تحت أي ذريعة أو مبرر. ولا أقبل كلمة تنازل فيها من أي طرف كان! وذكرت له قوله تعالى: "لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ" (المائدة:82). وقوله تعالى: "إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (الممتحنة:9). من خلال التجربة والواقع ونتائج مفاوضات سابقة مع العدو الصهيوني أرفض أي مفاوضات معه، لأنها كلها خسرنا فيها! بدءً من الهدنة الأولى والثانية عام 1948 مع العصابات الصهيونية، فقد منحتها الوقت الكافي لتغيير معادلة الحرب وتحويل هزائمها إلى انتصارات وإقامة الكيان الصهيوني على 78% من فلسطين سايكس – بيكو ولا أقول التاريخية مثل كثير ممن يجهلون تاريخ فلسطين. وهدن عام 1949 التي وقعتها الجيوش العربية التي دخلت فلسطين عام 1948 لتحريرها فانتهت بتسليمها وتوقيع كل جيش هدنة مفردة مع العصابات الصهيونية مكنتها من تأسيس (دولة) تستعصي في نظر الأنظمة الآن على الكسر وتطالب بالاعتراف بها! ووقف إطلاق النار على الجبهة المصرية أثناء حرب رمضان/أكتوبر 1973 التي مكنت العدو الصهيوني من سحب قواته ومعداته من الجبهة المصرية إلى الجبهة السورية، واستعادة ما تحرر من الجولان ذات الموقع الاستراتيجي الذي يشكل فقدانه خطراً استراتيجياً على وجوده وأمنه، وكاد يدخل دمشق!
    تهدئة الفصائل الفلسطينية المقاومة
    أما على الصعيد الفلسطيني نبدأ بأم المصائب التي حلت على الشعب الفلسطيني، والتي تؤكد أن انتفاضة الأقصى كانت قرار الرئيس الفلسطيني الراحل أبو عمار (ياسر عرفات) ولم تكن قرار الفصائل، وقد اعترف قادة من حماس نفسها أنه دعمهم مالياً ومعلوماتياً وبالأسلحة أثناء الانتفاضة! وبعد أن تم اغتياله مسموماً في تشرين الثاني/نوفمبر2004، سرعان ما توقفت الانتفاضة في آذار/مارس 2005 بالتوقيع على هدنة لمدة سنة (استراحة المحارب)! تلك الاستراحة اليت أصبحت هي الواقع ما لم يخترقها العدو، وقد مكنت العدو الصهيوني من الخروج من غزة خروج المنتصر، ليعيد تموضعه حولها محاصراً وخانقاً لها، وفصائلنا تعيش احتفالات الانتصار! وبدل أن تكمل من حيث انتهى الراحل عرفات، واكتشافه أن العدو لا يريد منحه دولة بأي شكل في الضفة وغزة، انتكست لتعيد إنتاج تجربة فتح والفصائل مع م. ت. ف، وبررت موافقتها لدخولها بنفس ما بررت به فتح دخولها المنظمة عام 1968: حصلنا على شرعية المقاومة نريد الحصول على الشرعية الساسية! والأسوأ منها التهدئة التي وقعتها حماس في حزيران/يونيو 2008 بوساطة مصرية وأيضاً اعتبرتها انتصار لها وللمقاومة، قايضت فيها حقنا في الغذاء على المحتل وحقنا في مقاومته بتهدئة مجانية! استمر تجديدها إلى أن انتهت اليوم إلى استجدائها والعدو يرفض، فقد أصبحت حقاً له ويريد مقابلها تصفية القضية، ببعض المشاريع التنموية التي ستقدمها بعض الدول لإخراج غزة وأهلها من أزمتها واختناقها ...! متى ندرك مخاطر العمل السياسي والتفاوض غير المتكافئ مع العدو في ظل اختلال موازين القوى لصالحه وعدم امتلاكنا أوراق قوة حقيقية لا وهمية نستطيع بها إرغامه على التنازل لنا عن بعض حقوقنا الوطنية؟! متى ندرك مخاطر الاستمرار على هذا الحال على حياة الشعب ومستقبل القضية؟! متى ندرك أن من هذا الشعب المضحي الصامد الصابر أن يشعر أنه مشارك في القرار وصناعة واقعه؟! متى تدرك حماس تحديداً وفصائل المقاومة أن هذه حرب تحرير طويلة الأمد، وأن القضية قضية الأمة وليست قضية حماس أو الشعب الفلسطيني، والأمة تحتاج لأجواء وأفعال تحركها لتطيح بواقعها الذليل وتتحرر من جبنها وأنظمتها قبل أن تحرر فلسطين، لأن الجبان والعبد والمرتزق لا يحرر وطن، وتحريرها مسئولية الطليعة في فلسطين التي بحركتها تحرك الأمة نحو مشروع التحرر والوحدة والنهضة والتحرير؟! ...يتبع للحوار بقية التاريخ: 6/10/2018

  2. رد: مع المفاوضات وضد التنازلات

    مقال مهم، ولو أنه جاء متاخرا، كم مرة جلس الفلسطينيين على طاولة المفاوضات؟، ومن هو الذي يطلب المفاوضات في قوانين الحرب؟ المنتصر أم الخاسر؟.
    ولكن عندما تكرس المفاوضات خسائر جديدة، فعلى المخططونن دراسة الوضع تماما كلعبة الشطرنج، يتراجع قليلا ليندفع بشكل أقوى واكثر نجاحا واستراتيجية.
    والمهم السؤال: من هم هؤلاء الذي يمسكون بدفة الأمور؟
    متابع .
    حياك الله أستاذ مصطفى.

  3. رد: مع المفاوضات وضد التنازلات

    حياك الله أخي أسامة
    المقالة سبق أن نشرتها والمقالة التالية وختمتها بمقالة بعنوان "الدولة الفلسطينية الوهم"، وذلك في كانون الثاني وشباط/ 2002، كانت نتيجتها قيام االسفارة بالتوجيه إلى وزراة التربية هنا بإلغاء عقدي وكانت أول سنة أتعاقد فيها لأعمل شهادتي الجامعية، وإلغاء إقامتي وترحيلي من البلد، ورفعوا دعوى قضائية ضدي وضد الصحيفة ...
    رأيت إعادة نشرها في هذه المرحلة الحرجة التي لا يستثنى منها إلا ما رحم ربي
    بلارك الله فيك وشكراً لمرورك الكريم
    تحياتي

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •