غزة ومصر العشق الأسود/ مصطفى إبراهيم
5/2/2017


ليس جديد على كثير من السياسيين والمثقفين والكتاب المصريين ومثلهم بعض الفلسطينيين، ربما جهلهم وعدم معرفتهم ودرايتهم أو دراستهم سيسيولوجيا غزة وأهلها، وعلاقتها بمصر فيما يتعلق بمجمل تفاصيل الحياة فيها، وربما يعلمون عنها أكثر من بعض المصريين أنفسهم. فغزة ليست ذلك المخزون الإستراتيجي والكم المهمل من البشر، أو المستسلم لظروفه المعيشية البائسة والقاسية، وأطراف عديدة تريد له أن يكون كذلك، فهي رافعة للمشروع الوطني كانت ولا تزال.
فالشعب الفلسطيني في غزة يمتلك طاقة حيوية متفجرة، وإن غُيب عمداً عن المشاركة في الحياة السياسية، ويراد له أن يبقى بين الغرق والعوم، وبين الحياة والموت.
وبالعودة لعلاقة الفلسطينيين في غزة بمصر وذلك العشق الأسود الممنوع، برغم الآلام وعشر سنوات من الحصار لا تخلو منه شبهة أن مصر جزء فيه، وإن تفهم الفلسطينيون في غزة الظروف الأمنية المصرية وطبيعة النظام السابق والحالي، وعلاقته بغزة والتي كانت ولا تزال تحكمها العقلية الأمنية قبل أن تسيطر حركة حماس على غزة وتتولى مقاليد الحكم وإزدادت مع وجود حماس في الحكم. ودائما كانت العلاقة بين مصر وغزة تتحكم فيها الأجهزة الامنية وسوء المعاملة المصرية للفلسطينيين في غزة على المعابر وفي مطار القاهرة مستمرة، والأيام الأخيرة من فتح معبر رفح يتحدث الناس عن أمور لا تطاق من المعاملة اللاإنسانية التي تعرض لها الغزيين المسافرين لمصر والعائدين لغزة على الحواجز العسكرية المصرية، وكان ولا يزال الغزيين يتعرضون لصنوف من الإهانة والمعاملة القاسية والحاطة بالكرامة لا تليق بالفلسطينيين في غزة وإحترام أدميتهم.
دائما تطلع الفلسطينيون لمصر على أنها المخلص وأنها الأم الحنون للفلسطينيين في غزة فهم لم يعرفوا طريق للخروج من غزة غيرها، فهي العمق الإستراتيجي والقومي العربي والإسلامي ومصر جمال عبد الناصر، والمناهج المصرية التي درسناها طوال فترة الحكم الإداري المصري لغزة، وحتى في زمن الإحتلال لغاية قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، والتعليم المجاني والإنفتاح الإقتصادي والعمل وحرية التنقل والسفر والإقامة في مصر، حتى فترة الرئيس المعزول محمد مرسي يتحسر عليها الغزيين.
فهم يحزنون لحزنها ويفرحون لفرحها ويتابعون تفاصيل التفاصيل في مصر والتردي الإقتصادي والفقر والبطالة وغيرها من القضايا المعيشية التي تثقل كاهل المصريين. فالعشق الغزي المصري هو ذلك العشق الأسود، وليس مجرد تعلق الفلسطينيين في غزة بمصر كروياً وعشقهم للأهلي والزمالك والمنتخب المصري، إنما هو إرتباط وجداني عاطفي غير مفهوم في أحيان كثيرة، وربما يراه البعض مبالغ فيه.
وبرغم كل ذلك لا يزال الفلسطينيين في غزة ينظرون لمصر بزاوية مختلفة غير تلك التي يراها الكتاب والمثقفين والإعلاميين المصريين الغرقى بكراهية غزة وأهلها وتشويه صورتها في أذهان المصريين.
في تعليق صديقي الدائم على وضع مصر المتردي، يقول مصر لو كانت جثة هامدة تبقى قوية وتخيف الأخرين وتستطيع أن تنهض، والغزيين يتمنون لمصر أن تفيق من كبوتها، وفي الوقت ذاته ينظرون للتعامل معها بإحترام، والتوقف عن التعامل معها بطريقة أمنية وتشويه صورتها وأهلها.
وما نخشاه دائماً هو أن هناك جيل جديد يكبر ولم يتعرف على طبيعة العلاقة التي كانت سائدة بين مصر وغزة ويسمع عنها ولم يتبقى من ذاكرته شيء جميل تجاه مصر، وهم منذ سنوات يرون تلك العلاقة الأمنية الفظة والقاسية تجاههم على معبر رفح، فالفرح الذي سيطر ولا يزال على فوز المنتخب المصري في مباراته الأخيرة هو إمتداد لفرح سابق لبطولات سابقة ويتمنون من قلوبهم ان تفوز مصر بالبطولة الأفريقية.
غير انهم لا يزالوا يشعرون بغصة وحزن شديد على عدم قيام مصر بخطوات جريئة وإيجابية والوعود التي أطلقتها بفتح معبر رفح وتغيير المعاملة معهم على المعابر، وهم يدركون حجم الأزمة الأمنية في سيناء، وأن إسرائيل هي من تحاصر غزة، لكن هم لا يزالوا ينتظرون دور أكبر لمصر لم يأتي بعد، بحجم فرحهم ليس لفوز المنتخب المصري لكرة القدم إنما بفرح المصريين بتحسن أحوالهم والنهوض من الكبوة التي تعيشها مصر.