بمناسبة مرور الذكرى السادسة والأربعين لحرب حزيران العدوانية عام 1967
الدور الأميركي في عدوان حزيران وتداعياته على قضية فلسطين

د. غازي حسين
اشتركت أميركا مع العدو الإسرائيلي في حرب حزيران العدوانية، ودافعت ولاتزال تدافع عن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية داخل الأمم المتحدة وخارجها ومع محور من اسمتهم رايس بالمعتدلين العرب وجامعة الدول العربية.
وتزوده بأحدث أنواع الأسلحة وبالمساعدات الاقتصادية الضخمة للمحافظة على تفوقه العسكري لتحقيق المشروع الصهيوني في الوطن العربي وتصفية قضية فلسطين وتهويد القدس مدينة الإسراء والمعراج، وتعتبر الإدارات الأميركية أن أمن «إسرائيل» من أمن أميركا ورفعه الرئيس أوباما إلى مستوى القداسة (الدينية والسياسية).‏
وتثبت الوثائق أن الأمير فهد الذي ترأس الجانب السعودي في اللجنة الأميركية- السعودية المشتركة التي كانت تدير الحرب في اليمن ضد القوات التي أرسلها القائد العربي جمال عبد الناصر لتدافع عن الجمهورية اليمنية الوليدة قد طلب في اجتماع اللجنة في شهر كانون الأول 1966 أن توعز واشنطن لحليفتها «إسرائيل» القيام بهجوم كبير على قطاع غزة أو على سورية فإما أن يتصدى الرئيس عبد الناصر للهجوم وتوجه له «إسرائيل» ضربة قوية وإما أن يلتزم الصمت وبالتالي يخسر الكثير من شعبيته في تحقيق أحد الاحتمالين.‏
وبالفعل اتفق أشكول رئيس وزراء العدو الإسرائيلي آنذاك مع الرئيس آريك جونسون في أيار 1967 على تحقيق المطلب السعودي خدمة لمصلحة إسرائيل وأميركا والاستراتيجية السعودية في اليمن وفلسطين.‏
وانطلاقاً من الوثائق التي نشرها حسنين هيكل اطلق جونسون وأشكول على العملية أي على حرب حزيران عملية اصطياد «الديك الرومي».‏
وهكذا ساهم النظام السعودي الحليف الاستراتيجي لأميركا في المنطقة ببيع فلسطين والقدس لليهود، واحتلال الجولان وتدمير النظام العربي في العصر الحديث، لمصلحة الاستراتيجية الأميركية -الصهيونية والرجعية العربية في الوطن العربي.‏
ساهمت السعودية وجامعة الدول العربية ومحور المعتدلين العرب وعلى رأسهم الرئيس المخلوع حسني مبارك بمبادرة الأمير فهد في مؤتمر القمة العربية في فاس عام 1982 وفي مشروع المبادرة العربية التي طرحها الصحفي الأميركي اليهودي توماس فريدمان وأعطاها لسمو الأمير عبد الله وأدخل عليها بعض التعديلات وطرحها الأمير السعودي في مؤتمر القمة العربي في بيروت عام 2002 بعد تفجيرات 11 أيلول في أميركا، وأصبحت تعرف بالمبادرة العربية لبيع فلسطين والقدس لليهود أعداء الله والأنبياء والوطن والمواطن والعروبة والإسلام والإنسانية جمعاء.‏
احتلت «إسرائيل» بالإضافة إلى قطاع غزة وسيناء والجولان وأجزاء أخرى من لبنان ووادي عربة مدينة القدس الشرقية، وضمتها في نهاية حزيران مباشرة إلى القدس المحتلة عام 1948.‏
وأعلنت القدس العربية بشطريها المحتلين عاصمة «إسرائيل» الأبدية، واعترف الكونغرس الأميركي بضم القدس واعتبارها عاصمة الكيان الصهيوني مما جسد أخطر الانتهاكات لقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومؤتمرات القمة العربية ومؤتمرات منظمة الدول الإسلامية، وتحدياً عدوانياً وحقيراً لمشاعر العرب (مسلمين ومسحيين) والمسلمين في جميع أنحاء العالم.‏
ووصلت وقاحة دهاقنة الاستعمار الاستيطاني اليهودي حداً طالب فيه الرئيس الإسرائيلي أبو مفاعل ديمونا الذري وسفاح قانا بجعل القدس العربية بشطريها المحتلين عاصمة للعالم.‏
ورأى السفاحون بيغن وشارون ونتنياهو إن حرب حزيران العدوانية قد حققت لليهود الاستعمار الاستيطاني الذي رسخه كتبة التوراة والتلمود عن أرض الآباء والأجداد أرض الميعاد المزعومة.‏
واعتبروا أن سيناء جزء من هذه الأرض التي عادت إليهم، وأن يهودا والسامرة أراض محررة وليست محتلة، وذلك خلافاً للحقائق والوقائع التاريخية والقانونية وخلافاً لقرارات مجلس الأمن الدولي ومبادئ القانون الدولي واتفاقات جنيف الأربع لعام 1949 والتي أصبحت جزءاً لايتجزأ من القانون الدولي.‏
ولكن في حقيقة الأمر جلب الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والجولان وبقية الأراضي العربية المحتلة كارثة عظمى لإسرائيل و الصهيونية العالمية لأنها أقنعت العرب والمسلمين استحالة التعايش مع الكيان الصهيوني وأن مصيره ككيان استعماري استيطاني وعنصري وإرهابي إلى الزوال.‏
وبالتالي حملت الحرب العدوانية التي أشعلها العدو في طياتها بذور زوال «إسرائيل» في المستقبل القريب أو البعيد، إن عاجلاً أو آجلاً واستحالة التعايش معها أو القبول بوجودها في قلب الوطن العربي.‏
وأخذ العدو الصهيوني يتمسك باحتلاله للأراضي العربية لكسر الإرادات العربية والفلسطينية الرسمية وتحقيق الأكاذيب والأطماع التي رسخها كتبة التوراة والتلمود ويقول إن الحرب أحدثت تغيرات جوهرية لقضايا بقيت مفتوحة بعد حرب عام 1948 التي اشعتلها أيضاً العصابات اليهودية الإرهابية المسلحة وهي: الصلح والاعتراف والأمن والحدود والقدس والتشطيب على حق عودة اللاجئين إلى ديارهم والاعتراف بيهودية الدولة، واعتقد العدو أنه أضاف أيضاً أملاكاً يستطيع أن يستبدل بها اتفاقات (اذعان) على غرار اتفاقيات كامب ديفيد وهذا ما حصل بالفعل بتوقيع اتفاق الاذعان في أوسلو بتاريخ 19/9/1993.‏
ويقول الإسرائيليون إن حرب 1948 منحت «إسرائيل» شرعية دولية وأزالت حدود التقسيم أي قضت على إقامة الدولة الفلسطينية بموجب قرار الأمم المتحدة رقم 181 المعروف بقرار التقسيم.‏
واقتسمت «إسرائيل» عملياً أراضي الدولة الفلسطينية مع الملك عبد الله الذي اعترف بقرار التقسيم وأجبر الجيوش العربية على الالتزام به، بصفته القائد الأعلى للقوات التي دخلت فلسطين لحماية الفلسطينيين من المذابح اليهودية، واكتفىبضم 22٪ من فلسطين أي الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.‏
وتقول «إسرائيل» إن العالم اعترف باحتلالها للأراضي الفلسطينية عام 1984 ويرفض الاعتراف باحتلالها للأراضي الفلسطينية عام 1967، أي برأيها اعتراف العالم بحدود 1949 مقابل إعادة الأراضي المحتلة عام 1967 وهي خططت وتريد تكرار تجربتها في حرب 1948 أي ابتلاع الأراضي المحتلة عام 1967 عن طريق الاستعمار الاستيطاني المستمر حتى اليوم.‏
وتعتقد «إسرائيل» أيضاً أن الدول العربية غيرت مصالحها ومواقفها في الصراع معها، حيث كانت مصالحها تنحصر في إعادة أراضيها التي احتلها «إسرائيل» وأدى هذا التغير في مواقفها إلى توقيع اتفاقيتي الاذعان في كامب ديفيد وتوقيع الأردن لاتفاق الاذعان في وادي عربة.‏
وبالفعل قايض أنور السادات عودة سيناء المنقوصة السيادة على حساب القدس وفلسطين والجولان وجنوب لبنان، ويعتقد قادة الكيان الصهيوني أن نتائج حرب حزيران العدوانية غيرت المواجهة العسكرية والسياسية، فلم تعد المواجهة بين «إسرائيل» والدول العربية بل بينها وبين الفلسطينيين وتخلت قيادة منظمة التحرير عن المقاومة المسلحة واستبدلتها بالنضال السياسي من أجل جزء من فلسطين، وبالتالي نشأ حسب قولهم احتمال إنشاء دولة فلسطينية (كمصلحة إسرائيلية وأميركية) في إطار القرار 242، أي أنها ستقوم على نحو أقل من 22٪ مقابل الاعتراف فبإسرائيل والتعايش معها أي في نحو 80٪ من مساحة فلسطين العربية.‏
واستبدل المجتمع اليهودي في «إسرائيل» ممثلاً بحزب العمل وتكتل الليكود وحزب كاديما «إسرائيل الكبرى» الجغرافية «بإسرائيل العظمى» الاقتصادية عن طريق مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي طرحه بيرس وتبنيه إدارة بوش وحكومة أردوغان.‏
وترى «إسرائيل» من جراء ذلك ليس فقط الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط وإنما أيضاً حمل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وجامعة الدول العربية بقيادة محور المعتدلين العرب الاعتراف بيهودية الدولة أي بدولة يهودية عنصرية نقية، لترحيل عرب الأراضي المحتلة عام 1948 إلى دولتهم الفلسطينية والتشطيب على حق عودة اللاجئين إلى ديارهم.‏
ويزعم الصهاينة أيضاً أن حرب حزيران العدوانية حققت التصور الذي وضعه الزعيم الصهيوني جابوتنسكي في مقالته «سور الحديد» أو السور الفولاذي عام 1923 حيث طالب بإقامة جدار حديدي لإدخال اليأس في نفوس الجماعات المتطرفة العربية وينتقل التأثير والفعل إلى المجموعات المعتدلة.‏
ويأتي هؤلاء المعتدلون بحسب رأي الإرهابي جابوتنسكي ومعهم اقتراحات لتنازلات متبادلة، تماماً كما يفعل عباس اليوم في مفاوضاته العبثية، وبرأيه بعد أن يتنازل الفلسطينيون عن أكثرية فلسطين التاريخية يستطيع الشعبان أن يتعايشا جنباً إلى جنب بسلام.‏
وتعتقد اليوم أوساط واسعة في الكيان الصهيوني بعد مرور 64 عاماً على تأسيس الكيان الصهيوني ومرور 45 عاماً على حرب حزيران العدوانية بأن تأجيل حكومة نتنياهو اتخاذ القرار الحاسم المطلوب بإعادة المناطق المحتلة عام 1967 مقابل اتفاق دائم يعرض للخطر الانجازات السياسية المهمة التي حققتها «إسرائيل» في اتفاقياتها مع مصر والأردن والحلف الاستراتيجي مع تركيا.‏
وكان من أهم الانجازات التي حققها العدو الإسرائيلي جراء حرب حزيران العدوانية بالإضافة إلى اتفاقات الإذعان في كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة تهويد القدس الشرقية بما فيها البلدة القديمة، وتهويد المسجد الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم ومقام الشيخ يوسف في نابلس وانتقال محور المعتدلين العرب بقيادة الرئيس المخلوع حسني مبارك وقطر والسعودية من الخندق العربي إلى الخندق الإسرائيلي وتبنيهم المشروع الأميركي والتسوية السياسية لبيع فلسطين.‏
وهكذا أدى اشتراك أميركا مع العدو الإسرائيلي في حرب حزيران العدوانية عام 1967 ودفاعاً عن الاحتلال الإسرائيلي للقدس وبقية الأراضي العربية المحتلة داخل الأمم المتحدة وخارجها، وتزويدها للعدو بأحدث الطائرات والصواريخ والمعدات العسكرية الأميركية إلى كسر معظم الإرادات الرسمية العربية والفلسطينية وتوطيد التحالف الإمبريالي والصهيوني والرجعي لتصفية قضية فلسطين وحركات التحرر الوطني العربية وإنجاح المشروع الصهيوني.‏
أثبت التاريخ البشري أن ما أخذ بالقوة لايسترد إلا بالقوة، وأن العدو الصهيوني لايعرف إلا لغة القوة، لذلك أرى من الواجبات الوطنية والقومية والدينية والقانونية والإنسانية التمسك بخيار المقاومة المسلحة لاجتثاث الاستعمار الاستيطاني اليهودي من فلسطين والجولان وجنوب لبنان، والقضاء على الكيان الصهيوني ككيان استعمار استيطاني وآخر نظام عنصري في العالم، كما تم القضاء على النازية في ألمانيا، والاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر والعنصرية في روديسيا والبرتغال، ونظام الأبارتايد في جنوب إفريقيا.‏
v