البورصة والعولمة تصيبان السعوديين بالاكتئاب

وائل كردي




خسائر البورصة أصابت السعوديين بالاكتئاب والتوتر
يمر المجتمع السعودي بحالة متناقضة ما بين الانطواء على الذات والانفتاح على الآخر، تلك الحالة التي سببت نوعا من الازدواجية في الشخصية السعودية، خاصة بين الشباب ورجال الأعمال الذين تدفعهم ظروفهم إلى التعاطي مع آليات جديدة في التعامل والعيش داخل المجتمع، ربما تكون بدوافع مادية.

وربما تعود تلك الازدواجية إلى مداهمة قيم الانفتاح للمجتمع السعودي المعروف بمحافظته وانغلاقه الشديدين، لنجد أن قطاعًا عريضًا من السعوديين وجد نفسه في مساحة وسطى بين ذلك وذاك، تحت ضغط التأقلم مع ضروريات الحياة أو بسبب رغبته في الانفتاح على العالم الجديد، والمحافظة في نفس الوقت على نمط الحياة السعودية المحافظة.

ويؤكد عدد من المختصين في علم النفس والاجتماع أن الاكتئاب النفسي والقلق والتوتر والفصام الذهني والوسواس القهري تعد من الأمراض النفسية الأكثر شيوعا في المملكة، موضحين أنه يوجد ما بين مليون ومليون ونصف المليون سعودي يعانون من الاكتئاب، كضريبة للحداثة والمدنية والعولمة.

اللهاث خلف الثراء

يقول الإخصائي النفسي عبد الرحمن الحازمي، مدرب التنمية الذاتية والبرمجة اللغوية العصبية بجدة: إن من أبرز المشاكل النفسية التي يعاني منها المجتمع السعودي القلق والاكتئاب، وذلك نتاج لعدة عوامل سواء أكانت مادية أو اجتماعية أو اقتصادية أو حتى سياسية.

وبيَّن أن أبرز مسببات المشاكل النفسية في المجتمع السعودي هو اللهاث وراء الثراء السريع، فما حدث قبل أشهر من انخفاض حاد في البورصة السعودية خلف وراءه أكواما من المحبطين، ودفع بالكثيرين إلى الخروج عن طورهم، وأورثهم حالات نفسية صعبة للغاية.

ويضيف الحازمي: لا أستطيع أن ألقي باللوم على الأسهم والبورصة، فهي ليست المشكلة، وإنما المشكلة تكمن في البحث عن الثراء السريع، والأمثلة في ذلك كثيرة، منها مشكلة المساهمة في البطاقات الهاتفية المسبقة الدفع، والمشاريع العقارية الوهمية التي تسبح بالمستثمرين في خيالات الثراء السريع، ويكتشفون بعدها أنها أوهام وأحلام زائفة.

ومن الظواهر الاجتماعية التي تقود إلى مشاكل نفسية، رغبة بعض السعوديين في العيش فوق إمكانياتهم، بمعنى أنك تجد البعض يصرف أكثر من دخله، ويركب سيارة فاخرة، ويتمتع بالكماليات، وهو في الحقيقة يعيش في وضع مادي صعب، بل تجد البعض يعتمد على القروض، سواء من البنوك، أو من أصدقائه وأقاربه. فهذا الواقع الاجتماعي يزيد من المشاكل النفسية.

ومن الأسباب التي يذكرها الحازمي كذلك غياب الحوار بين عناصر المجتمع السعودي، سواء في البيت أو العمل أو المدرسة، وما يستتبع ذلك من حدوث حالات الكبت والهروب من الواقع والقلق والاكتئاب والرهاب الاجتماعي والخوف المرضي.

تزايد عدد المنتحرين

ومن ناحيته يرى الباحث في علم النفس، جميل محمد كتبي، أن الأمراض النفسية تنتشر في المملكة شأنها في ذلك شأن كثير من دول العالم، ويرجع ذلك إلى أمرين:

الأول: الضغوط الحياتية التي تعد ضريبة المدنية المعاصرة. والسبب الثاني: هو ضعف الإيمان بالله عز وجل.

وأوضح أنه رغم عدم وجود إحصاءات رسمية حول نسبة وطبيعة المرض النفسي في السعودية، فإن تزايد أعداد المنتحرين -برغم غياب الإحصاءات الرسمية في ذلك- تعد دلالة على الحالة النفسية التي يعيشها السعودي، فالانتحار عبارة عن خلل نفسي يؤدي بصاحبه إلى قتل نفسه.

ويؤكد أن المشكلة عند البعض أنهم يعتبرون المرض النفسي عارا يجب إخفاؤه، وكارثة يجب التستر عليها. فتكون النتيجة أن يتضاعف المرض عند المريض بما يؤدي إلى قيامه بأعمال لا تحمد عقباها مثل الإدمان أو الطلاق أو الانتحار.

يقول الدكتور إبراهيم أبو خمسين، استشاري الطب النفسي في مستشفى المانع بمدينة الخبر (شرق السعودية): هناك العديد من الأمراض والمشاكل النفسية المنتشرة في المجتمع السعودي، منها: القلق والوسواس القهري والفصام العقلي واضطراب الشك لدى الزوجين، خاصة لدى الرجال.

ومن تلك الأمراض أيضًا، الهوس والاكتئاب، حيث إن العالم يصنف مرض الاكتئاب بأنه السبب الثاني من أسباب الإعاقة في العالم، وأن التوقعات تشير إلى أنه خلال الـ20 سنة المقبلة قد يكون السبب الأول للإعاقة كعدم القدرة على الذهاب إلى العمل، وعدم القدرة على الحياة مع الآخرين أو الاختلاط بهم.

وهناك أيضًا مرض الرهاب الاجتماعي الذي تزيد نسبته في المجتمع السعودي عن 10 بالمائة، وتصاب به جميع فئات المجتمع دون استثناء، لا فرق في ذلك بين رجل وامرأة، أو مثقف وجاهل.

ويبين أبو خمسين، أن مريض الرهاب الاجتماعي قد يرفض حضور المناسبات الاجتماعية التي يحبها، كما أنه قد يرفض الترقيات الوظيفية خوفا من اختلاطه بزملاء جدد، أو الانتقال إلى أماكن معيشية جديدة.

أمراض عضوية مصاحبة

يشير استشاري طب العائلة في مستشفى الملك فهد بالحرس الوطني بالرياض الدكتور خالد الجابر، إلى أهم الأعراض التي يمكن أن تكون إشارة لوجود مرض نفسي لدى الأشخاص بقوله: تختلف أعراض الأمراض النفسية باختلاف المرض، فأحيانا يصاب الشخص بالحزن والضيق وعدم الاستمتاع بالحياة، وأحيانا يصاب بالخوف والرعب والتوتر، أو يتوهم أنه مصاب بأمراض عضوية.

هناك أيضًا الخوف من الاجتماع بالناس والخروج للأماكن العامة والتحدث أمام الآخرين، وأحيانا تختلط الأشياء على الشخص فيعيش في عالم منعزل من الأصوات والصور.

ومن المهم التأكيد على أن كثيرا من الأمراض النفسية يصاحبها وجود أعراض عضوية بالجسم، مثل قلة النوم والخمول والضعف وزيادة نبضات القلب وآلام الصدر والظهر وآلام البطن والدوار والصداع، وغير ذلك كثير.

أما بالنسبة لأسباب الإصابة بالأمراض النفسية، فيوضح الدكتور الجابر أن الأمراض النفسية ليست وحيدة السبب، بل هي نتاج تفاعل مجموعة من العوامل، بالإمكان تقسيم الأسباب إلى أنواع تنشأ بسبب وقوع أحداث مهمة وكبيرة في حياة الإنسان، كموت عزيز أو حدوث مصيبة أو انتقال من مرحلة عمرية إلى أخرى، وربما تنشأ من تتابع ضغوط نفسية بشكل متواصل في الأسرة أو في المدرسة أو في العمل أو الزواج أو النواحي المالية.

كما أن هناك أنواعا من الأمراض النفسية تنشأ بسبب وجود مرض عضوي في الغدد أو غيرها، بالإضافة لذلك توجد أنواع من الأمراض النفسية تحدث دون سبب واضح، ويحدث فيها تغير في نسبة المواد الكيميائية الموجودة في الدماغ، كما أن للعوامل الوراثية دورا مهما في هذا الجانب.

وبالنسبة للمجتمع السعودي تعد حالة التشوش الناجمة عن الانفتاح المفاجئ على العالم الخارجي ونمط الثقافة الغربية، خاصة لدى الأجيال الشابة ورجال الأعمال، من أكثر مسببات المرض النفسي في المملكة.

وبين الجابر أن الإخصائيين النفسيين يختلفون في كيفية تعاملهم مع الأدوية النفسية، فهناك من يتساهل في وصفها للمرضى لما لها من أهمية في المساعدة على العلاج النفسي، وهناك من يجعلها آخر الحلول، ويرى أن العلاج يكمن في فهم الشخص لمسببات مرضه.

وعلى هذا الأساس يختلف المرضى أنفسهم في تجاوبهم مع العلاج بالأدوية لمرض لا يشعرون معه بالآلام الحسية ويخافون من إدمان تلك الأدوية التي يعتمد معظمها على تسكين وشل النشاط الدماغي.

وأوضح أن معظم الأدوية النفسية لا تسبب الإدمان وإن كان بعضها يحتاج لأن يأخذه المريض لمدة طويلة نسبيا، وهناك أنواع من الأدوية النفسية قد تسبب الإدمان إذا ما أسيء استخدامها بتعاطيها بشكل مختلف عما يوصي به الطبيب.

سميرة الغامدي مديرة العلاقات العامة والتثقيف الصحي بمستشفى الصحة النفسية بجدة، تذكر أنه لا بد من إدراك الفارق بين المرض النفسي والجنون، أو بمعنى آخر بين المرض العصبي والمرض الذهني.

فالمرض العصبي هو المرض النفسي العادي، كالتوتر والاكتئاب والقلق والوسواس، وكلنا معرضون لها؛ لأنها تظل فترة طالت أو قصرت ثم تزول، ولكن النسبة تختلف حسب الضغط الذي نتعرض إليه والتوترات التي تمر بنا، وكذلك يختلف الأثر من شخصية إلى أخرى.

الدين وسيلة للعلاج

وبينت سميرة الغامدي أن الدين له دور كبير في الحماية من الإصابة بالمرض النفسي. ومن الممكن أن يسهم بدور كبير في العلاج، بتقوية الباعث الإيماني، ودفع الإنسان إلى الركون إلى الله ـ سبحانه وتعالى- والاستعانة بالصبر والصلاة، ونحن نوقن من كلام ربنا أن القران فيه شفاء للناس: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا)[الإسراء:82].

كما يؤكد المدرب والإخصائي النفسي عبد الرحمن الحازمي على أن العالم يعج اليوم بآلاف النظريات النفسية والاجتماعية مع وجود الأمراض بمختلف فئاتها وتصنيفاتها التي بلغت المئات، ولكن في الوقت نفسه تتزايد حالات الضغوط النفسية والاكتئاب والقلق والمشاكل الأسرية والاجتماعية، إضافة إلى إدمان المخدرات والتدخين مع تزايد المدنية التي تسعى في الأساس إلى بسط الرفاهية والراحة لبني البشر.

وأضاف أن الناظر للمتغيرات اليوم يدرك تماما حاجتنا للعودة إلى ثوابت الحياة، وهي سنن الله عز وجل، حيث إن الاطمئنان النفسي والهدوء الاجتماعي لا يمكن أن يكون إلا بوجود هذه الثوابت، والتي لا يمكن أن تأخذ فقط من النظريات والتجارب المعملية وأعمال الفكر وفلسفات الحياة، وإنما ممن أبدع هذا الكون ووضع قوانينه وسير أموره وخلق كل شيء فقدره تقديرا، عملا بالأسباب واتكالا عليه تعالى.

عيادات إلكترونية

وحول المراكز والجهات التي تقدم الاستشارات والعلاج النفسي في السعودية بين الحازمي أنه يوجد في السعودية في الوقت الحالي عشرات المراكز الأهلية المتخصصة في علاج الأمراض النفسية، كما يوجد مراكز تقوم بالعلاج والتدريب باستخدام تقنيات البرمجة اللغوية العصبية، وإن كانت تواجه صعوبات بسبب التراخيص الرسمية إلا أنها تلاقي إقبالا كبيرا من قبل مختلف فئات المجتمع؛ لأنها أثبتت نجاحها لكونها خليط من العلوم الإنسانية، ولكونها تهتم بذات الإنسان، وتسعى لتغيير حالته بتحفيز قدراته وإمكانياته الكامنة.

وكذلك توجد عيادات تقدم الاستشارات عبر الهاتف، وعيادات إلكترونية عبر الإنترنت، والتي تلقى رواجا كبيرا لدى المرضى النفسيين في السعودية.

أما الطب النفسي البحت فالكثير من السعوديين يتخوفون منه بسبب الصورة النمطية المأخوذة عنه بأنه خاص بالمتخلفين عقليا، وأنه يقدم العلاج في كثير من الأحيان بالعقاقير الطبية .



--------------------------------------------------------------------------------

منسق شبكة إسلام أون لاين . نت في السعودية، ويمكنكم التواصل معه عبر البريد الخاص بالصفحة holol@iolteam.com.