الاعلام ولغة الاستهلاك


محمد غازي التدمري


الاعلام ..رسالة توصيل وايصال معلومات عن طريق وسائله المختلفة الى الآخرين ، حتى يكونوا على اطلاع على ما يجري في الساحتين الداخلية والخارجية.
ولا تقتصر مهمة الاعلام على ايصال معلومات سياسية أواجرائية لأنه معني بكل امور الحياة وقضايا المجتمع ، ولذلك يأخذ الاعلام الثقافي والتربوي ، حيزاً كبيراً في خطة الاعلام العام، ولعل من اهم صفات الاعلام الناجح، قدرته على ايصال المعلومة المفيدة بالاسلوب القادر على جذب الآخر ولهذا كان بأمس الحاجة الى لغة اعلامية ثقافية سليمة لأن وسائله تدخل الى كل بيت مما يجعلنا خاضعين لكل ما يبثه او يكتبه العاملون في هذا الحقل .
الا ان المتابع لوسائل الاعلام المختلفة يلاحظ ان اللغة المستخدمة لا تنأى عن مدار الاستهلاك العادي ليس بقصد تفعيل غريزة الادهاش، وتحقيق عنصر المفاجأة وانما لعجز في نقل المعلومة بلغتها المؤثرة ، وهذا ما نراه في لغة الاعلانات التي تسوق المنتجات بأسلوب استهلاكي لا يهدف لغير خداع المشاهد، وحثه على اقتناء ذلك المنتج ، فهذا العطر يجعلك اكثر اناقة ، وهذا المنتج الغذائي يمدك بطاقة ولا طاقة شمشون، وذلك الشامبو يجعل شعرك انعم من الحرير والمعجون الفلاني يحافظ على اسنانك ويجعلها اكثر بياضاً، والمسحوق العجيب يزيل اصعب البقع المستعصية والسيارة الفلانية سيارة العائلة والرفاهية.
صور مختلفة لاعلانات استهلاكية واخبار ثقافية لا اعرف كيف ينسجونها، فهذا يجعل المدينة تودع ملتقى شعرياً كأنه فلتة من فلتات الزمان، وهذا يبشر بولادة شواعر وادباء نص كم، صور اعلامية، وتمريرات اعلانية تحاول ان تضحك على ذقون الناس الذين يظنهم مؤلفو هذه التمريرات بمنتهى الغباء او الجهل ، مع ان نظرة معمقة تثبت ان توليف الاخبار بصور غير منطقية هو الجهل نفسه والغباء عينه ولا هم لهم سوى اثارة المشاهد ، والجري وراء الفنانة فلانة، وتوليف اخبار زواجها او طلاقها او تخيل علاقة حب بين دلوعة المسارح، ولهلوبة البارات الراقصة فلانة مع رجل الاعمال الفلاني وان روتانا دفعت خمسة مليون دولار لتتحف المشاهدين بسيرة حياة ذلك الممثل المشهور وكأن سيرة حياته لا تطاولها حياة بلزاك او غاندي او اي رجل في العالم.
اغنيات هابطة وكلمات مكرورة قائمة على استغلال معاني الحب العظيمة، فلا شيء غير الهيام والحرمان والنواح وسهر الليالي، وعد النجوم ومذيعات يرفعن المفعول به ، وينصبن الخبر ويجررن الصفة يتحدثون بلغة غريبة عن ثقافتك.
نقاشات فكرية واضحة واحاديث فنية الى جانب لوحات راقصة برنامج يدعو الى ترشيد الاستهلاك وآخر يدعو الى الاستهلاك إرشادات مرورية وتوجيهات للسائقين وآلاف الحوادث وجمعيات معنية بقضايا السير وحوادث الطرق مجرد كلام على الورق الى جانب اعلانات عن اشهر السيارات واكثرها سرعة ومقاومة للطرق، اعلان عن مهرجان شعري هابط يتلكأ الشعراء فيه، ومهرجان للقصة لاشيء فيه غير عبق العطور الرخيصة، اعلانات تحذر من التدخين ، وأخرى تدعوك الى تدخين افضل ما انتجته معامل السجائر الاوروبية، نصائح طبية وممارسات مرضية تسويق مبدعي الدرجة العاشرة وانزواء الأصلاء بين جدران منازلهم فقط لأن العملة الرديئة تطرد من السوق العملة الاصيلة ، ونتيجة هذا الاستهلاك انه انعكس على اطفالنا، فالطفل الصغير يسأل عن المسلسل الفلاني ، ويعرف مواعيد المباريات الرياضية اكثر من معرفته لاسم مدرسته وآنساته، المراهقة تذكر لك اسماء عشرات المطربين والمطربات والراقصين والراقصات، والممثلين والممثلات، وتعجز عن ذكر ثلاثة من ادباء الوطن او شهدائه الابرار فهذه ترى حنا مينه ممثلاً وأخرى تجد محمود درويش رساماً، والفضل بذلك كله الى ذلك الاستهلاك الاعلاني غير المدروس الذي يجر شبابنا الى مزالق الحضارة الغربية التي شوهت كل أصيل وجميل في تراثنا وموروثنا وحولت ذلك الى مادة استهلاكية جعلت الناس يعيشون التناقض بين ما يصل اليهم وما توارثوه من قيم ومبادىء.
وعن طريق هذا الاستهلاك يمر الغزو الثقافي ويصل الى عقول اجيالنا فيجرون خلفه دون ان يدركوا خطره على صحتهم ووطنهم ولذلك فإن كنا مخلصين لتراثنا اوفياء لأمتنا تشرئب عيوننا الى مستقبل اطفالنا ، علينا ان نضع حداً لهذا الاستهلاك الاعلاني وان نولي اهتماماً خاصاً بأجيالنا لأنهم صناعة المستقبل ولنحاول ان نسأل انفسنا صباح كل يوم وقبل ان نفتح جريدة او تلفازاً او نسمع اخباراً ملفقة من فضائيات قائمة على مبدأ زرع الشك من خلال ذلك الاستهلاك الرخيص علينا ان نسأل انفسنا: ماذا نقدم لأجيالنا ،وكيف نقدم لهم ذلك ، وكيف ندفعهم الى متابعة الرسالة الاعلامية المفيدة التي نوصلها اليهم بأسلوب تربوي يحفز لديهم اقانيم الخير والحب والجمال والعدالة والانتماء للوطن.

جريدة البعث السورية