فجأة، تكتشف دار النشر اليهودية (عام عوفيد) علاقة بين رواية (حمائم في ترافلجار) للكاتب اليهودي سامي ميخائيل، وبين رواية (عائد إلى حيفا) التي كتبها الأديب الفلسطيني غسّان كنفاني وصدرت في العام 1969.. أي قبل صدور رواية ميخائيل بسنوات.


(سامي ميخائيل هذا، أديب يهودي، من مواليد 1926 ولد بإحدى ضواحي بغداد، شيوعي هاجر إلى (إسرائيل) عام 1949 وأقام في ضاحية وادي النسناس في مدينة حيفا وتخرّج في جامعتها قسم علم النفس والأدب العربي، أصدر العديد من الروايات نشرت أولها في عام 1974 وحصد الكثير من الجوائز العالمية، والمرشح إلى جائزة نوبل).
رواية ميخائيل "حمائم في ترافلجار" تقوم في أساسها على رواية غسان كنفاني عائد إلى حيفا, حتى في بعض التفاصيل الصغيرة "كما أوردتها دار النشر التي أعلنت عن عملية السرقة بالصورة والتوثيق"، لكن رواية الـ حمائم، وتماشياً مع التوجّه العنصري الإسرائيلي أهملت المعنى والهدف الأساس الذي رمز إليه غسان. ونحتت صوراً أخرى، كما يقول ميخائيل في حوار طويل أجرته معه الصحفية "داليا كاربل" ونشر في صحيفة هآرتس اليهودية بعد فضيحة سرقته أفكار غسّان.
وفي متابعة لمقتطفات من ذلك الحوار أورد بعض ما يفيد موضوعنا:
سؤال: ما الذي غيّرته في رواية غسان كنفاني الأصلية.؟
جواب: (الصراع عند كنفاني صراع رجولي، فهناك رجلان يدخلان في مواجهة في حين أن الأمهات يتصرفن بنوع من البلاهة، ولا توجد في روايته ولو بقية من الحب من جانب الأم تجاه الابن، في حين أنني كتبت روايتي عن الأمومة، لقد انحزت إلى الأم في الرواية.. انتهى).
وقد تفتق ذهن الكاتب سامي ميخائيل في تعريف التضحية التي قامت بها الأم اليهودية التي تبنّت الطفل الفلسطيني في رواية غسّان من خلال هذا الشرح الإشكالي الذي ربما يعطينا الصورة الأوضح لتوجّه الأدب الصهيوني برمته، فيقول بعد أن تسأله الصحفية: لماذا أقحم موضوع الكارثة النازية في روايته؟
ـ (كنفاني أملى عليّ ذلك، الأم اليهودية التي تقوم بالتبني في روايتي كانت جميلة للغاية وتناوب الجميع على مضاجعتها رغماً عنها في معسكر الاعتقال "الهولوكوست"، وجعلوا منها عاقراً، والطفل المُتبنى أعطى حياتها مذاقاً كي تستطيع العيش بصورة طبيعية.)
ـ أي نوع من الحوار أجريته مع كنفاني في روايتك.؟
ـ (لم أقم حواراً معه، ولم أدخل إلى المشكلة الكبرى والمؤلمة لكلا الشعبين، لم أتبنَ مواقف كنفاني الذي يرى في نفسه المتضرر الوحيد في النزاع.!)
ـ ولماذا لا تُرجع الفضل لأصحابه.؟
ـ (إن كنفاني لم يكتب روايته بصورة جيدة.! وأنا لا أحكي قصة كنفاني، ولم يطرأ في ذهني أنه من الواجب الإشارة إليه في كتابي، واكتفيت بذكر ذلك في مقابلاتي الصحفية.!)
إن هذه الأخبار التي تصلنا تباعاً، وغالباً عن طريق المصادفة تفرض على مؤسساتنا "الفلسطينية والعربية" الثقافية والإعلامية، الرسمية والخاصّة، وعلى الأدباء والباحثين والمترجمين الحذر والعمل على ترجمة أي نتاج أدبي لنكون على مستوى الحدث والقدرة على التصدي وتبيان الحقائق.
إن هذا السطو البيّن على الفكر الفلسطيني هو في الحقيقة تأصيل للتوجّه الصهيوني في السعي لتبرير وجود وتحقيق هوية وإعلان انتماء لا يحمل أيّ مشروعية لا بد يضرّ بمصالحنا الوطنية والقومية العربية التي تعاني الآن من تغييب وإلغاء.