أول وآخرخطوط الانسانية...آرا سوفاليان
أول خطوط الانسانية محبة الانسان لأخيه الانسان ثم محبته لشركائه في الأرض ولا بد أن تكون محبته لبني جنسه أول ما يدور في هذا المحيط لأنه وبحسب كل الكتب السماوية فكلنا من نسل آدم وحواء وبالتالي أبناء لأب واحد وأم واحدة وتم تلقيمنا هذا الأمر في كتبنا وفي مدارسنا وفي كنائسنا وفي جوامعنا وفي كنسنا وفي جامعاتنا وقرأناه وفهمناه منذ اللحظة الأولى لانضمامنا الى الشراكة الانسانية ...واعجبنا في مرحلنا الأولى بكل القصص التي تشير الى نشوء الانسان واحببنا الجنة وآدم وحواء وكل قصص الأنبياء وسمعنا قصة قايين وهابيل عندما ارتعدت الأرض وما عليها بعد حدوث أول جريمة قتل فيها.
وكنا صغاراً وعلى الراحلات في صفوفنا نستمع الى قصة الجريمة الاولى وترتعد فرائصنا إشفاقنا على الضحية وهو شقيقنا الأكبر في الانسانية، ونعاهد انفسنا ونعاهد الله بأن لا نقع في هذه المعصية ويبقى وقع الجريمة الأولى يسيطر على نفوسنا البريئة ويقض مضجعنا في كل مرة يسرح فيها خيالنا لتذكر هذه الجريمة الشنعاء... وفي مرحلة من مراحل مسيرة العمر يسارع البعض الى نقض العهد ويجدون المتعة في مخالفة شرع الله والانصياع لفتاوى البشر.
قال الله تعالى في كتابه العزيز ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء:93)
و " مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً " صدق الله العظيم.
ـ أليس المقصود في الآية الكريمة من قتل نفساً واحدة؟ والمفخخة الغادرة لا تقتل نفس واحدة بل المئات إن قتل النفس الواحدة يعادل بحسب كتاب الله قتل الناس جميعاً فما حكم قتل مئات الناس؟ من المؤمنين أو من غير المؤمنين، أو من المؤمنين بأديان أخرى، فأي أنفسٍ قتلوا، بعضهم أو كلهم، وأي فساد في الأرض اقترفوا وبعضهم أطفال رضّع؟ لينالوا على يد أخوتهم في الانسانية ما أزمعوا أن ينيلوهم إياه وأي جهاد هذا وأي شرع غير الجهاد في سبيل معصية الله.
احببت من كل كتب اليهود التي لا أعرف عددها ولا فصولها ولا كلماتها التي تفوق مئات الألوف ولا عباراتها ولا أناشيدها ولا أدعيتها ولا ادعاءاتها ولا تعاليها ولا عنصريتها ولا الفاحشة وزنى المحارم فيها ولا احتكارها لرحمة الله ومحبته ولا تفردها بوصف أصحابها على أنهم شعب الله المختار هذا التوصيف الذي يشغل بالي في كل مرة بالسؤال الآتي: لطالما اننا كلنا ابناء رجل واحد هو آدم وإمرأة واحدة هي حواء فنحن جميعاً شعب واحد لأننا أخوة وكلنا بالمجمل شعب الله الواحد المختار...وبالتالي ماذا أفعل بمقولة شعب الله المختار...وأين أضعها؟ وكيف أعربها؟ أحببت من كل كتب اليهود هذه الكلمات القليلة لأنها من لدن عرش الرحمن جلَّ جلاله... وهي وصايا الله العشرة ـ" أنا هو الرب إلهك، لا يكن لك إله غيري ـ لا تحلف باسم الله بالباطل ـ احفظ يوم الرب ـ اكرم اباك وامك ـ لا تقتل ـ لا تزن ـ لا تسرق ـ لا تشهد بالزور ـ لا تشته امرأة قريبك ـ لا تشته مقتنى غيرك" وتمنيت دوماً أن يأخذ أصحاب هذه الكتب كتبهم ويتركون لي هذه الوصايا التي تلخص كل ما كتب وسيكتب في كل مجلدات وكتب الأرض مجتمعة...وكنت ولا أزال أحار في الوصية الخامسة وهي "لا تقتل" وأرى فيها دوماً الجزم والحزم والحسم خاصة وانها تتألف من ستة أحرف ولكنها مجتمعة لها وقع انشقاق الأرض وتداعي الجبال...وكان غضب الله عظيماً بعد حادثة القتل الأولى على الأرض...فما هي حالنا اليوم حيث تتم استباحة هذه الوصايا مجتمعة؟...والانسان يتمتع بالقتل ثم القتل ثم القتل والترويع وبعده التمثيل والتمثيل كالقتل صبراً وغدراً بالمفخخات وهو أكبر الكبائر؟ والانسان حيوان متفرد في كل شيء وحتى في الوحشية، فالملفت ان الحيوان لا يقتل بني جنسه فالذئب لا يقتل الذئب والحمل لا يقتل الحمل والتيس لا يقتل التيس والفيل لا يقتل الفيل والأسد لا يقتل الأسد والنمر لا يقتل النمر والأفعى لا تقتل الأفعى ولأي سبب كان حتى النزاع على الأنثى حيث ينسحب المهزوم معترفاً بهزيمته فلا يقتله غريمه، أما الانسان فيسارع لقتل أخيه الانسان وغالباً بلا سبب ومن أجل لا شيء فهناك من انواع القتل، القتل في سبيل التسلية، والقتل من أجل التدرب على القتل، وهناك قتل آخر وهو القتل في سبيل الرهان، عندما تم قتل النساء الأرمنيات في العام 1915من الحوامل وتم بقر بطونهم تنفيذاً لرهان سخيف يتعلق بجنس االجنين وبالتالي تتم مخالفة الوصية الخامسة من وصايا الله العشرة لمرتين متتاليتين حيث يتم قتل الأم وجنينها من أجل رهان سخيف...وبالتالي فمن الظلم إطلاق صفة الوحش على الحيوان لأن الانسان هو أكثر الكائنات استحقاقاً لحمل هذه الصفة والعدو بها...أما الحيوان فهو إن اضطر للقتل فهو يقتل بسبب الجوع وتلبية لغريزة البقاء وبعد ذلك أستغرب أن يدّعي الانسان انه خليفة الله على الأرض...لتنكشف الحقيقة الساطعة وهي أن هذه المقولة في وادي وان كل الذي جرى ويجري...في واد آخر...لأن أول خطوط الانسانية محبة الانسان لأخيه الانسان ثم محبته لشركائه في الأرض وآخر خطوط الانسانية هي القتل.
آرا سوفاليان
كاتب انساني وباحث في الشأن الأرمني
دمشق 26 10 2012
arasouvalian@gmail.com