جمعتكم أخلاق وقيم ومروءة

هدية هذه الجمعة: صفحات من كتابي الجديد

الإيثار في عالم نذل

أتمنى أن تجدوا فيها شيئًا من الفائدة

محبكم في الله: عبد السلام البسيوني
***************



أخلاق معرضة للانقراض: 3:
الإيثار في عالم نَذْل


مقدمة
لا يخفى أننا - تحت وطأة تغول المادة، والتغرب، والانسلاخ من الدين، وهول راجمات القصف الإعلامي، الدائب على تسطيحنا، وسلبنا هويتنا وأصالتنا - بدأنا نخسر جملة من سماتنا وخصائصنا الشريفة، التي هي من صلب ديننا، وقيمنا وثوابتنا الأخلاقية، حتى بات بعضها على وشك الانقراض والزوال: كالعفة، والغيرة، والمروءة، والإيثار، والأمانة، وما أشبه من صفات بها يكون المرء مرضيًّا عند الله تبارك وتعالى، وعند عباد الله..
وقد سبق أن كتبت من هذه سلسلتي عن الأخلاق التي توشك أن تنقرض كتابين: الغيرة: خلق المؤمن النبيل، و: العفة وأهل العفاف؛ لأدق الأجراس، وأنبه الناس، وأبرئ الذمة، وأحذر الأمة، وأعذر نفسي أمام رب العالمين تبارك وتعالى..
وهذا هو الكتاب الثالث من كتب هذه السلسلة التي تذكر بالمكارم التي جاء الإسلام ليمكن لها، ويوطئ السبيل، والتي تأتي – ولا تزال - تترى هجمات السلخ والمسخ والتشويه لتجردنا منها، وتحيلنا إلى كائنات شائهة، بلا خير، ولا بركة، ولا قيم، ولا مروءات، وتنشر فينا قيم الأنانية، و(التكويش) والاستئثار، والاستباحة، وبيع كل شيء في سبيل إرضاء الضمائر البشعة الجشعة الجهنمية التي لا يملؤها إلا التراب، والتي تهتف بسعار: هل من مزيد!؟
فاللهم أعدنا إلى أنفسنا، وإلى قيمنا، وإلى ديننا ومروءاتنا، ولا تجعلنا جُعلانًا لا تشم إلا القذر، وتدهده الروث بأنوفها؛ ظانة أنه أعطر العطر، وأهنأ العيش..
اللهم آمين، وصل وسلم وبارك على سيدي رسول الله وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
عبد السلام البسيوني
رجب 1433
مايو 2012
تمهيد واقعي:
هي لا شك أدبيات (شيطانية) اجتاحتنا، وملأت حياتنا، وتحاصرنا من كل اتجاه: أخلاق الاستحواذ (والتكويش) والاستهلاك، والقفز فوق القيم، والاقتناء بأي شكل، ولو بضرب الآخرين، ودوسهم، وتحطيمهم: من الحلال والحرام، القانوني والمتجاوز، المعقول والمدهش/ الكريم والوضيع.. المهم: نفسي نفسي/ أنا هاستفيد إيه؟/ العمولة/ النسبة/ الفائدة/ البورصة/ الأسهم/ البونَص/ أنا ما لي وما للناس؟/ اللي يطق يطق/ الناس هاينفعونا بإيه؟/ الآخرون هم الجحيم/ ما يروحوا في داهية!
وهذه الأدبيات لم تعد فردية ولا في منطقة دون غيرها..
بل صارت كالأنفلونزا، في كل صقع من أصقاع الأرض، ضاربة بأطنابها، مُزَوبعة بسَمومها؛ وأصبحنا نعاني الأمرين من أنانية رئيس، أو استحواذ حزب، أو نذالة تيار، أو استئثار جماعة، أو استعلاء عرق..
بل صارت هذه الخصلة الشيطانية (الأثرة والنذالة والاستحواذ) بلاء أمميًّا تمارسه دول مجرمة متطرفة، يهمها أن تستأثر بخيرات البشر، وتسرقها جهارًا نهارًا، ومن قال (كلمة) سحقته بجيوشها ودباباتها وإعلامها ونذالتها؛ دون أدنى رحمة، ولا خشية من شرائع ربانية، ولا قوانين دولية..
بل أدمنت دول ذلك حتى إنها تعيش من قرون طويل على مص الدماء، واستباحة الأرواح، وانتهاك القيم! ولا يخفى على بصير أننا نعيش زمن الدولة التي تجيع مليارات وقارات لتستهلكأ وتترفّه، وتتجبر، وتمكِّن لنفسها من الأرض كلها..
إننا نعيش – بامتياز - زمن إيثار الأنا على إرضاء الله تعالى:

  • زمن إيثار الحياة الدنيا على الآخرة..
  • زمن إيثار الشهوة على الروح..
  • زمن: (إن خِرِب بيت أبوك خُد لك منه قالب)..
  • زمن (معرفكش)..
  • زمن (أعلى ما ف خيلك اركبه)..
  • زمن (هاخُد كام)!

لقد كنا نعيش على فكرة العطاء بلا حدود، والإيثار المطلق، وإنكار الذات:

  • الشمس التي تنير كل صباح ولا تقول: أعطوني الثمن..
  • النخلة التي لا تتخلف موسمًا واحدًا عن العطاء، ولا تبالي بما يرميها الصغار من الحجارة..
  • الشمعة التي تحرق نفسها مبددة الظلام، دون انتظار كلمة ثناء
  • العالِم الذي يعيش عمره في التعليم والدعوة ولا يبالي أوجد وجبة في اليوم أم طوى ليلته جائعًا..
  • الأبوان اللذان يبذلان نور العين ومهجة القلب دون انتظار جزاء ولا شكور..

انتقلنا إلى مرحلة (قُرادية) ليس فيها إلا طفيليات تعيش على دماء الآخرين، وتسلبهم حيواتهم/ زمن الفِطر أو المشروم الذي يغتذي من كل شيء حوله/ زمن (العُلّيق) الذي يكبر على النباتات الأخرى/ زمن فيروس الإيدز الذي ينمو في الجسم محطمًا كل الخلايا الصحيحة، مدمرًا إياها؛ حتى يقضي على الجسم كله..
إننا نعيش زمن الأثرة/ الأنانية/ النذالة/ الأنا.. التي يفلسفها أقوامٌ أنذال بامتياز، حقيرون باقتدار، خسيسون قساة بحرفية، ويرون ذلك عقلاً ومنطقًا وصوابًا لا يبالون بما سواه... إنه زمن الفامبايرز Vampires الذين يعيشون على دماء الناس!
وما بهذا أرسل الله المرسلين، ولا بحت أصوات المصلحين، ولا من أجله طويت حيوات أهل المعالي والمكارم من البشر الكرام الطيبين..
فلنبدأ رحلتنا في لُجة الإيثار – ولو فرادى – نرفع بهذه القيمة أعناقنا، ونتبناها قيمة، ونحتذيها أنموذجًا، ونتقلدها وسامًا على الصدر، ونترسمها سبيلاً من المهد إلى القبر..
فهيا معي يا سادتي:


المعرضين عن الخنا ، فإذا علا


صوت يقول : "إلى المكارم" أقدموا

الفاعلين الخير.. لا لطماعةٍ


في مغنمٍ.. إنّ الجميل المغنَمُ

أنت الغنيّ إذا ظفرت
بصاحب


منهم وعندك للعواطف منجم



رفعوا لدينهمُ لواءً عاليًا


ولهم لواءٌ في المكارم.. مُعْلَم



إن حاز بعض النّاس سهما في العلا


فلهم ضروبٌ لا تعدّ.. وأسهم



لا فضل لي إن رحت أعلن فضلهم


بقصائدي؛ إنّ الضحى لا يكتم



إن حاز بعض النّاس سهمًا في العلا


فلهم ضروبٌ لا تعدّ.. وأسهم
ُ


أحبابنا: ما أجمل الدنيا بكم


لا تقبح الدّنيا.. وفيها
أنتمُ









مدخل نصوصي:
ورد جذر (آثر) في المصحف الشريف خمس مرات، هي على الترتيب:

  • ما ورد على لسان إخوة يوسف عليه السلام، معترفين بإيثار الله تعالى أخاهم النقي يوسف عليه السلام عليهم، مقرين بكونهم خاطئين: (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ) يوسف:91.
  • ما ورد على لسان سحرة فرعون رضي الله عنهم، الذين آثروا الله تعالى على فرعون، على ما يصيبهم من البلوى، متحدين جبروت فرعون وبطشه: (قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ، وَالَّذِي فَطَرَنَا؛ فاقض ما أنت قاض) طه:72.
  • وصفه تبارك وتعالى للأنصار بالجود والإيثار؛ على ما هم عليه من الحاجة والجهد: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ؛ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ) الحشر:9.
  • حديثه سبحانه عن مصير بعض من طغى من الخلق، وإيثارهم الدنيا على الآخرة، ومصيرهم الأربد الذي يتنظرهم: (فأما من طغى* وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* فإن الجحيم هي المأوى) النازعات:38-40
  • حديثه سبحانه عن بعض ما جاء في صحف إبراهيم وموسى، وطبيعة بعض البشر الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، ويصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجًا: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* والآخرة خير وأبقى) الأعلى:16.



الإيثار في اللغة:
الإيثار - عكس الأثرة أو الأنانية – هو العطاء دون مقابلٍ، أو جائزة، أو منفعة أخرى/ أن يقدم الإنسان حاجة غيره من الناس على حاجته؛ رغم احتياجه لما يبذله؛ فقد يجوع ليشبع غيره، ويعطش ليروي سواه.
وفي اللسان: المأثرة مفعلة من هذا يعني المكرمة، وآثره: أكرمه.
ورجل أثير: مكين مكرم، والجمع أثراء والأنثى أثيرة.
وآثره عليه: فضله. وفي التنزيل( لقد آثرك الله علينا) وأثر أن يفعل كذا أثرًا وأثر وآثر - كله -: فضل وقدم، وآثرت فلانًا على نفسي: من الإيثار.. وفلان أثير عند فلان، وذو أثرة: إذا كان خاصًّا.
ويقال: قد أخذه بلا أثرة، وبلا إثرة، وبلا استئثار؛ أي: لم يستأثر على غيره ولم يأخذ الأجود؛ وقال الحطيئة يمدح عمر رضي الله عنه:
ما آثروك بها إذا قدموك لها لكن لأنفسهم كانت بها الإثر
أي: الخيرة والإيثار.
واستأثر بالشيء على غيره: خص به نفسه، واستبد به؛ قال الأعشى:
استأثر الله بالوفاء وبال عدل وولى الملامة الرجلا
وفي المستطرف: (في الجود والسخاء والكرم ومكارم الأخلاق واصطناع المعروف وذكر الأمجاد وأحاديث الأجواد):
قيل إن الجود والسخاء والإيثار بمعنى واحد. وقيل:
من أعطي البعض وأمسك البعض فهو صاحب سخاء..
ومن بذل الأكثر فهو صاحب جود..
ومن آثر غيره بالحاضر وبقي هو في مقاساة الضرر فهو صاحب إيثار..
وأصل السخاء هو السماحة.. وقد يكون المعطى بخيلاً إذا صعب عليه البذل، والممسك حيًّا إذا كان لا يستصعب العطاء.
وفي المستطرف أيضًا: سأل معاوية الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهم عن الكرم، فقال: هو التبرع بالمعروف قبل السؤال، والرأفة بالسائل مع البذل.




[IMG]file:///C:%5CUsers%5Cpc%5CAppData%5CLocal%5CTemp%5Cmsohtml clip1%5C02%5Cclip_image009.jpg[/IMG]

الإيثار والأثرة
[IMG]file:///C:%5CUsers%5Cpc%5CAppData%5CLocal%5CTemp%5Cmsohtml clip1%5C02%5Cclip_image010.jpg[/IMG] وعكس الإيثار: الأثرة، أو كما يقال: الأنانية: وهي حب النفس، وتفضيلها على الآخرين، وهي التي تجعل الإنسان لا يعرف إلا نفسه، ولا يرى إلا ذاته، ولا يعرف إلا مصالحه!
بل قد يدخل في حالة يرى نفسه فيها فوق البشر ككثير من المتفرعنين المتجبرين، الذين اعتادوا أن يؤمروا فيطاعوا، كالقادة والرؤساء ,اصحاب الأموال، وكذلك الذي قال متباهيًا:


الخيل والليل والبيداء تعرفني



والحرب والضرب والقرطاس والقلم


أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي


وأسمعت كلماتي من به صمم



أنام ملء جفوني عن شواردها


ويسهر الخلق جرّاها.. ويختصمُ

بل قد يتمادى، فيصير هواه معبودًا له: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه، أفأنت تكون عليه وكيلا!؟)
بل قد يدخل في دور من النرجسية وعشق الذات لمرحلة متطرفة، كما قال نزار:



أنا عاجز عن عشق أية نملة



أو غيمة.. عن عشق أي حصاةِ




جربت ألف عبادة وعبادة



فوجدت أفضلها عبادة ذاتي

والإيثار (في معجم علوم النفس) مذهب يرمي إلى تفضيل خير الآخرين على الخير الشخصيّ، وعكسه الأَثَرة/ أو هو اتِّجاه اهتمام الإنسان وميول الحبّ فيه نحو غيره وقبل ذاته، سواء أكان هذا عن فطرة أم عن اكتساب.
يقول الشيخ أبو زهرة رحمه الله في مقال له عن الإيثار والأثرة في الرأي واتباع الهوى المحادّ للصواب الظاهر (بتصرف واختصار):
وإن العصور التي تجد فيها الشح المطاع، والهوى المتبع، وتعصب كل امرئ لرأيه فاعلم أنها الأثرة، تسير رافعة رأسها بين رجال الفكر، وذوي الرأي، وعندئذٍ تكون الفتن؛ فإن من الناس من تدفعهم أثرتهم إلى الاستمساك بما يبدو لهم - ولو كان خطأ - لأن تعصبه لفكرة تحت سيطرة الأثرة المقيتة يجعله لا يتنزل عن فكره، ولو كان محض الباطل، ومهما تكن حجة من يخالفه واضحة بيِّنة فإنه لا يترك فكره، ويحسب أنه تنازل عن شخصه، ونقص في تفكيره، ويحمله على أن يكون من الذين قال الله تعالى فيهم، وقد رأوا الآيات واضحة، فقد قال فيهم: (وَجَحَدُوا بِهَا؛ وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ) النمل:14.
وإنك إذا تتبعت أسباب كفر الكافرين، وتعنُّت المستكبرين، وجنوح الأكثرين إلى الباطل، بعد أن تظهر ظلماته، لوجدت الأثرة هي التي سيطرت فاختفى الإيثار، وسيطر حب الذات.
وإن الأثرة تختم على القلب فلا يشرق فيه نور، وتعمى الأبصار فلا ترى، وتجعل في الآذان وقرًا فلا تستمع، فلا يعنو لحق ولا يصغى لصوته، ويكون ممن يقول الله تعالى فيه: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ: اتَّقِ اللهَ، أَخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإِثْمِ؛ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ، وَلَبِئْسَ المِهَادُ) البقرة:206.
وإن أي عمل لا يمكن أن يستقيم إلا كان الإيثار باعثه، ورغبة النفع هي الدافع.
[IMG]file:///C:%5CUsers%5Cpc%5CAppData%5CLocal%5CTemp%5Cmsohtml clip1%5C02%5Cclip_image012.jpg[/IMG]
عطاء الله تعالى للمؤثرين:
للمؤثرين من الله تعالى – ومن عباده – خير عميم وثواب جزيل، يتجلى فيما يأتي:

  • يحبهم الله تعالى، ويرضى عنهم، ويفرح بهم: ففي مسلم عن الزوجين اللذين آثرا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة)!
  • يجنبهم الله تعالى شح النفس، وكزازة الطبع، وينالون الفلاح في الدارين؛ يقول الله تبارك وتعالى: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الحشر:9.


  • يكونون أصحاب موقف، لا إمّعات، ولا ذائبين في فاقدي الملامح والقيم، كما فعل المؤمنون من سحرة فرعون الذين (قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ، وَالَّذِي فَطَرَنَا) طه:72.
  • يؤثرهم الله تعالى كما آثروا هم غيرهم بالخير: (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ) يوسف:91.
  • ينالون خير الآخرة الأبقى، غير المقطوع ولا الممنوع: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* والآخرة خير وأبقى) الأعلى:16-17.
  • يبدلهم الله تعالى خيرًا مما تركوا، ففي حلية الأولياء لأبي نعيم، وغبره، عن سيدي عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما بسند غريب من حديث الزهري، وصحح الألباني نحوه في حجاب المرأة: (ما ترك عبد شيئًا لله تعالى، لا يتركه إلا له، إلا عوضه الله منه ما هو خير له في دينه ودنياه).
  • يطيب الله حالهم، ويرفع ذكرهم في الدنيا والآخرة: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)!؟ الرحمن:60
  • يكونون من البررة المشهود لهم بالصدق والتقوى، قال الله تبارك وتعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالْكِتَابِ، وَالنَّبِيِّينَ، وَآتَى الْمَالَ - عَلَى حُبِّهِ - ذَوِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينَ، وَابْنَ السَّبِيلِ، وَالسَّائِلِينَ، وَفِي الرِّقَابِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ؛ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَالترغيب والحث على الإيثار من القرآن الكريم:يعتبر الإيثار من محاسن الأخلاق الإسلامية, فهو مرتبة راقية من مراتب) البقرة: 177. ا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرا ؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت ال
  • ينعمون في الجنة، ويجنون من الخير في الآخرة ما يتشوف إليه كل مؤمن صالح، بعد أن نالوا شهادة منه عز وجل بأنهم متجردون، يخافون ربهم من فوقهم؛ قال تعالى: (إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا* عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ، يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا* يُوفُونَ بِالنَّذْرِ، وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا* وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ - عَلَى حُبِّهِ - مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا* إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ؛ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) ا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرا ؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت ال الإنسان:6– 9. رِيرًا مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا[الإنسان: 6 – 9]قال
  • إيثارهم برهان على اختيارهم الآخرة على الدنيا، ففي صحيح الترغيب والترهيب عن سيدي أبي موسى رضي الله تعالى عنه مرفوعًا، بسند صحيح لغيره: (من أحب دنياه؛ أضر بآخرته، ومن أحب آخرته؛ أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى).
  • يتصفون بالخيرية، لنفعهم للناس: ففي الجامع الصغير، بسند حسن، عن سيدي جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مرفوعًا: (خير الناس أنفعهم للناس) .

وفي الترغيب والترهيب وغيرهما عن سيدي ابن عمرو رضي الله عنه بسند صحيح مرفوعًا (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره).
وفي صحيح الترغيب والترهيب عن سيدي ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عزوجل سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن اعتكف في هذا المسجد يعني مسجد المدينة شهرًا، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه؛ ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له؛ ثبت الله قدميه يوم تزول الأقدام).

  • يكونون من أهل المعالي والمكارم؛ فقد قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيما رواه سيدنا سعد رضي الله عنه في صحيح الجامع وغيره: (إن الله كريم يحب الكرماء، جواد يحب الجودة، يحب معالى الأخلاق، ويكره سفسافها).





مفاهيم حول الإيثار
آثرنا ولا تؤثر علينا!
كان صلى الله عليه وسلم يدعو ربه تعالى، ويعلمنا أن ندعو بأن يؤثرنا تبارك وتعالى؛ إحسانًا منه سبحانه ومنًّا:
ففي الجامع الصغير بسند صحيح عن سيدي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، مرفوعًا: (اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا).
وروى البغوي في شرح السنة، وابن العربي في أحكام القرآن، بسند حسن، عن سيدي عمر بن الخطاب: كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي نسمع عند وجهه كدوي النحل، فمكثنا ساعة، فاستقبل صلى الله عليه وسلم القبلة ورفع يديه، فقال:
اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا ولا تحرمنا، وآثرنا، ولا تؤثر علينا، وارض عنا، ثم قال: لقد أنزل علينا عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ {قد أفلح المؤمنون} حتى ختم عشر آيات.
الله تعالى يحب المؤْثرين:
في مسلم وغيره عن سيدي أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود. فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء!
فقال صلى الله عليه وسلم: (من يضيف هذا، الليلة، رحمه الله) فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله! فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا؛ إلا قوت صبياني..
قال: فعلليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه.
قال: فقعدوا وأكل الضيف. فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: (قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة)..
ونزل فيه قول الله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} الحشر: 9 والخصاصة: شدة الحاجة.
الإيثار بالمتاح خير:
في البخاري عن سيدي أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: كنت ألزم النبي صلى الله عليه وسلم لشبع بطني، حين لا آكل الخمير ولا ألبس الحرير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة، وألصق بطني بالحصباء، وأستقرئ الرجل الآية وهي معي؛ كي ينقلب بي فيطعمني!
وخير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب: ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة ليس فيها شيء، فنشتقها، فنلعق ما فيها).
أعلى الإيثار المبادرة على كل حال:
ففي الصحيحين عن سيدي أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا؟
قال صلى الله عليه وسلم: أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان).
أعلى الإثار ألا تحوج أخاك للسؤال أو الاعتذار:
في المستطرف: قصد رجل إلى صديق له، فدق عليه الباب، فخرج إليه، وسأله عن حاجته، فقال: علي دين كذا وكذا..
فدخل الدار وأخرج إليه ما كان عليه، ثم دخل الدار باكيًا، فقالت له زوجته:
هلا تعللت حيث شقت عليك الإجابة!
فقال: إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلي أن يسألَني.
الإسلام يحرض على الإيثار
في مسلم عن سيدي أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي اللَّهُ عنه قال: بينَمَا نَحْنُ في سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِذ جَاءَ رَجُلٌ على رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصْرفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالاً، فَقَال رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: (مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهرٍ فَليَعُدْ بِهِ عَلى مَنْ لا ظَهْرَ لَهُ، وَمَن كانَ لَهُ فَضْلٌ مِن زَادٍ فَليَعُدْ بِهِ على مَن لا زَادَ لَهُ)..
فَذكر من أصناف المال ما ذكر حتَّى رأينا أنه لا حق لأحد مّنا في فضل!
تقديم الخلق على النفس

  • وقال بعضهم: الإيثار لا يكون عن اختيار، إنما الإيثار أن تقدم حقوق الخلق أجمع على حقك، ولا تميز في ذلك بين أخ وصاحب ذي معرفة.

الأشياء كلها للحق

  • وفي تفسير حقي (روح البيان) قال يوسف بن الحسين: من رأى لنفسه ملكًا لا يصح منه الإيثار، لأنه يرى نفسه أحق بالشيء برؤية ملكه..

إنما الإيثار ممن يرى الأشياء كلها للحق؛ فمن وصل إليه فهو أحق به، فإذا وصل شيء من ذلك إليه يرى نفسه ويده فيه يد أمانة يوصلها إلى صاحبها أو يؤديها إليه.
البيعة على الإيثار:
في البخاري عن سيدي عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه:
دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، قلنا: أصلحك الله، حدث بحديث ينفعك الله به، سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحًا، عندكم من الله فيه برهان.
ونصه في صحيح سنن النسائي: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق حيثما كان، لا نخاف في الله لومة لائم..
الواجب إذا عمت الأثرة:
في البخاري، عن سيدي ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، عنه صلى الله عليه وسلم: (ستكون أثرة وأمور تنكرونها) قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: (تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم).
وفي مسلم عن سيدي أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: (عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك).
وفي مسلم عن سيدي أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنه: أن رجلا من الأنصار خلا برسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ألا تستعملني كما استعملت فلانا؟ فقال (إنكم ستلقون بعدي أثرة؛ فاصبروا حتى تلقوني على الحوض).
متى الإيثار ومتى النهمة!؟
في الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح المقدسي:
....وقال ابن عقيل في الفنون: لَا تُوَاكِلَنَّ جَائِعًا إلا بِالإِيثَارِ، وَلا تُوَاكِلَنَّ غَنِيًّا إلا بِالأدَبِ، وَلا تُوَاكِلَنَّ ضَيْفًا إلا بِالنَّهْمَةِ وَالانْبِسَاطِ..
أوثر بالدنيا كلها!لإيثار أن تقدم حقوق الخلق أجمع على حقك، ولا تميز في ذلك بين أخ وصاحب ذي معرفة.- وقال يوسف بن الحسين: من رأى لأوثر بالدنيا كلها:
- وفي: موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين/ كتاب آداب الألفة والأخوة والصحبة: قال أبو سليمان الدارني: لو أن الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له.
أجد طعمها!
- وفي قوت القلوب، قال سليمان الدارني أيضًا: إني لألقم اللقمة أخًا من إخواني فأجد طعمها في حلقي!
ن وصل إليه فهو أحق به، فإذا وصل شيء من ذلك إليه يرى نفسه ويده فيه يد أمانة يوصلها إلى صاحبها أو يؤديها إليهحظوظ الإخوان!
- قال أبو حفص: الإيثار هو أن يقدم حظوظ الإخوان على حظوظه في أمر الدنيا والآخرة.
لست أحق بالدينار من أخي

  • في الطبراني بأسانيد بعضها حسن، عن سيدي ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: أتى علينا زمان وما يرى أحد منا أنه أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم، ثم أتى علينا زمان الدينار والدرهم أحب إلينا من أخينا المسلم!

إيثار العشيرة:
في مسلم عن إبراهيم بن محمد بن طلحة رضي الله عنه قال: سمعت أبا أسيد خطيبًا عند ابن عتبة، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خير دور الأنصار دار بني النجار، ودار بني عبدالأشهل، ودار بني الحارث بن الخزرج، ودار بني ساعدة". والله! لو كنت مؤثرا بها أحدًا لآثرت بها عشيرتي.
الصلاة أم أمي!؟
في صحيح الأدب المفرد عن سيدي أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
ما تكلم مولود من الناس في مهد إلا عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم وصاحب جريج.. قيل: يا نبى الله! وما صاحب جريج؟
قال صلى الله عليه وسلم: فإن جريجًا كان رجلا راهبًا في صومعة له، و كان راعى بقر يأوي إلى أسفل صومعته، و كانت امرأة من أهل القرية تختلف إلى الراعي، فأتت أمه يومًا فقالت: يا جريج! وهو يصلي، فقال في نفسه، وهو يصلي: أمي وصلاتي؟
فرأى أن يؤثر صلاته، ثم صرخت به الثانية فقال في نفسه: أمي وصلاتي؟
فرأى أن يؤثر صلاته، ثم صرخت به الثالثة، فقال: أمي وصلاتي؟
فرأى أن يؤثر صلاته، فلما لم يجبها قالت: لا أماتك الله يا جريج حتى تنظر في وجه المومسات، ثم انصرفت.
فأتى الملك بتلك المرأة ولدت، فقال: ممن؟ قالت: من جريج، قال: أصاحب الصومعة؟ قالت: نعم ، قال: اهدموا صومعته وأتوني به، فضربوا صومعته بالفؤوس حتى وقعت، فجعلوا يده إلى عنقه بحبل إليه في الناس..
فقال الملك: ما تزعم هذه؟ قال: تزعم أن ولدها منك..
قال: أنت تزعمين؟ قالت: نعم، قال: أين هذا الصغير؟
قالوا: هو ذا في حجرها ، فأقبل عليه فقال: من أبوك؟ قال: راعى البقر!
قال الملك: أنجعل صومعتك من ذهب؟ قال: لا، قال: من فضة؟ قال: لا، قال: فما نجعلها؟ قال: ردوها كما كانت، قال: فما الذي تبسمت؟ قال أمرا عرفته، أدركتني دعوة أمي، ثم أخبرهم!