شيء عن النقد الإسلامي والحداثة - د. عماد الدين خليل



تنطَوِي الحَداثة عبر مُعظَم تيَّاراتها المتدفِّقة التي
يَضرِب بعضُها بعضًا، ويُقصِي بعضُها بعضًا - على بُعْدٍ تخريبِي، يَسعَى
إلى تَدمِير الثوابت، والجري وراءَ المتغيِّرات، حتى ولو ارتَطمَتْ
بالمُعطَى الحضاري المتَّفَق عليه، بل إنَّها تَمضِي إلى ما هو أبعد من ذلك
وأكثر خصوصية؛ إلى الأجناس الأدبيَّة نفسها؛ لكي تمسَخَها وتستلَّ روحها،
وتلغي مَكاسِبها الفنيَّة التي سهرت على نسجها أجيالٌ من الأُدَباء عبر
القرون، فإذا بالقصَّة تفقد عقدتها، وإذا بالقصيدة تُلغَى أوزانها، وإذا
بالرواية تُجرَّد من شخوصها وزمنها، وإذا بالمسرحيَّة تمضي باتِّجاه تجريدٍ
يمتصُّ نسجها الدرامي ويُفقِدها الحياة.

ثم إنَّ الحداثة المنحَرِفة في بُعدِها النقدي، تُمارِس خطيئتين:

إحداهما: أنها تضَع بين النصِّ والمتلقِّي سَدًّا، من خِلال دخولها
(البوليس) - إذا صحَّ التعبير - على النص، ومنع التعامُل معه وتذوُّقه
إلاَّ لِمَن يَحمِل جواز سفر، هي التي تمنَحُه، والذي ينطَوِي على شبكةٍ من
الاشتِراطات التي تندَفِع أحيانًا باتِّجاه (المختبرية)، فتقتل القارئ
والمؤلف والنص معًا.

وثانيهما: أنَّ هذه المعايير النقديَّة لا تستقرُّ على حال؛ إذ سرعان ما
تَظهَر على يد أحد عرَّابيهم نظريَّة نقديَّة جديدة تلغي سابقتَها
وتُخرِجها من الساحة، وما يَلبَث القارئ أنْ يَحارَ فيما يأخُذ وما يدَع،
بعد أنْ أرغمَتْه الإكليروسيَّة النقديَّة على الإذعان لمقولاتها،
واحتَكرَتْ بأيديها صكوك الدُّخول والخروج.


فها هي ذي التفكيكيَّة - على سبيل المثال - تلغي البنيويَّة، وها هي ذي
نظريَّة (النص المفتوح) تخرج نظريَّة (النص المقفل) من الساحة، وها هي ذي
(عقيدة) مُشارَكة المتلقِّي تَنفِي عقيدة إلغائه من الحساب.


ومع ذلك، فإنَّ هذا كلَّه لا يعني أنَّ تيَّارات الحداثة بِمُعطَياتها كافَّة لا تنطَوِي على أيِّ بُعدٍ إيجابي.


فثمَّة في أنشطتها النقديَّة (الحرفيَّة) - وليس في خلفيَّاتها المؤدلجة -
كشوفٌ في غايَة الأهميَّة، تُعِين - ولا ريب - على فهْم أعمق للنص وأكثر
انضِباطًا، وتبعد بالناقد عن "الذاتيَّة"، التي طالَما هَيْمنت على النقد
في عقودٍ مَضَتْ.


كما أنَّ الحداثة في مُعطَياتها الإبداعيَّة، ورغْم نُزُوعِها التغييري
الذي يبلغ أحيانًا حدَّ التخريب والإلغاء، تقدِّم في محاولاتها التجريبيَّة
المُتَواصِلة إضافاتٍ نوعيَّةً ذات قيمة بالغة لهذا الجنس الأدبي أو ذاك،
وبخاصَّة في مجال القصة والرواية.


إنَّ على الأُدَباء الإسلاميين ألاَّ يَندَفِعوا بردِّ فعلٍ غير مدروس إلى
الطرف النقيض الآخَر، إلى رفض التعامُل مع تيَّارات الحَداثَة وكشوفها
ومناهجها، التي تنطَوِي - ولا ريب - على قِيَمٍ في المعرفة النقديَّة ذات
أهميَّة وفاعليَّة بالغة، إنهم بهذا يفرطون في فرصة جيدة للتوظيف، للإضاءة،
لتعميق المسيرة الأدبية في جناحَيْها الإبداعي، والنقدي الدراسي.


بالتأكيد هناك أشياء كثيرة يمكن أنْ تُقال عن موقف الشُّعَراء والنقَّاد
والأدباء الحداثيين، أو المحسوبين على اليَسار كما كانوا يُسمُّون أنفسهم
يومًا في الساحة العربيَّة، ولكنَّ الأهمَّ من هذا ألاَّ نشغل أنفسنا بهم،
وألاَّ يعيقنا اندِفاعهم الزائد باتِّجاه الحداثة، عن التبصُّر الجاد فيما
يُقدِّمه العقل الغربي من كشوفٍ ومُعطَيات.


إنَّ أحد المطالب الأساسيَّة للَّحظة الراهنة هو مُحاوَلة سَبْرِ هذه
التيَّارات، وإدراك نِقاط الإيجاب والسَّلب فيها، إنَّ هذا سيَمنَح الأدبَ
الإسلامي فرصةً جيِّدة لكي يكسب عمقًا إضافيًّا هو بأمسِّ الحاجة إليه،
فضلاً عن أنَّه سيُعِين هذا الأدب على أنْ يكون في قلب العصر، وعلى أنْ
يُطعِّم خطابه الإبداعي والنقدي بالمفردات التي يَتعامَل بها مثقَّف العقد
الأخير من القرن المنصرم ومَطلَع القرن الحادي والعشرين.


إنَّ اعتبار كلِّ ما يجيئنا من الغرب شرًّا، إنما هو رؤية خاطئة وقَع في
إسارها الكثيرون عبر القرنين الأخيرين، فقادَتْهم إلى مزيدٍ من العزلة
وتضييع الفرص المُناسِبة للتوظيف.

************
أتمنى ممن لديه الكتاب الكترونيا ان يتحفنا به للاهمية
وشكرا
http://albahito.alafdal.net/t313-topic