عنوان المقال: العولمة، المدلول والمبررات، قراءة نقدية.
الدكتور جيلالي بوبكر
الرتبة: أستاذ محاضر قسم "ب"
قسم العوم الإنسانية والاجتماعية
كلية الآداب واللغات الأجنبية والعلوم الإنسانية
جامعة حسيبة بن بوعلي بالشلف،الجزائر.
*الهاتف: 07.79.54.80.26
*البريد الإلكتروني: boubakerdjilali @ yahoo.fr
الملخص باللغة العربية:

















عنوان المقال: العولمة، المدلول والمبررات، قراءة نقدية
مدلول العولمة:
* ارتبط مفهوم العولمة في الفكر المعاصر بالتطور الحضاري العلمي والتكنولوجي الهائل الذي ميّز العصرين الحديث والحاضر وانتشاره عبر مختلف أقطار العالم، ولفظ عولمة يشير إلى لفظGLOBALIZATION المشتق من الكوكب بالانجليزية لذلك تُترجم إلى كوكبية، ويشير إلى لفظ MONDIALISAION المشتق من لفظ MONDE بالفرنسية أي العالم، كما تمثل العولمة أو الكوكبة أو الكونية كما يحلو للبعض أن يسميها أبرز تحوّل تأثّر به عصرنا، وتعني أن العالم البشري أجمع صار كتلة ووحدة واحدة يتأثر أدناه بأقصاه بسبل سهلة وظروف يسيرة، أي تعميم استعمال نمط حضاري إيديولوجي وثقافي واقتصادي وسياسي على كافة شعوب العالم، والنمط يكون للبلد الأقوى حضاريا يُصدّره بمختلف السبل والوسائل، حتى بقوة الحديد والنار، وعلى الشعوب الأخرى أن ترضى في أنظمتها السياسية والاقتصادية وفي نظمها الأخلاقية وكافة أنماط حياتها وسلوكياتها، والعولمة بهذا المدلول يُراد بها اختراق الدول وشعوبها في كافة مجالات حياتها ولا يُستثنى أيّ مجال، ويكون ذلك كله لفائدة الجهة التي تصدر نمطها الحضاري، ويؤدي إلى انصهار الهويات والثقافات والديانات وغيرها في الجهة المصدرة، فينتهي الأمر بضياع الثقافات والهويات والسيادة والاستقلال، ويؤثر ذلك في المستقبل الذي أصبح محكوما بالعولمة، ولا يتطور المجتمع من منظور العولمة ولا تقوم له جهود الحداثة والتحديث إلا بالارتكاز على توجهها، وضمن هذا المعنى داخل التعدد والتنوع في ضبط مفهوم العولمة وفي تقييمها وتقدير تداعياتها، تراوحت النعوت والأوصاف بين نعت يعتبرها محاولة هيمنة وتسلط فيها الكثير من التحريف والتزييف المغرض لصالح العالم المتقدم المهيمن على الساحة العامة، المالك للقوة العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والمالية والعسكرية وصاحب الحل والعقد وله سلطة القرار في التشريع والتخطيط والتنفيذ لسير حركة العالم على حساب مصالح وأغراض ومصائر الآخرين، ويوجد نعت آخر يعدّها حقيقة مشروعة تستمد شرعيتها وقيمتها من التطور العلمي والتكنولوجي والاقتصادي والاجتماعي وفي جميع ميادين الحياة -خاصة في مجال الاتصال- ومن إيجابيات التطور الحديث والمعاصر للحضارة وهي كثيرة جدّا، الإيجابيات التي ينبغي أن تُعمم على كافة شعوب العالم لتنعم بها وتتطور، وهو أمر تقتضيه مطالب وحاجات هذه الشعوب والأمم ولا يتعارض مع هويّاتها وقيّمها التاريخية، لأنّ العولمة هي محاولة توسيع نطاق استعمال منتجات الحضارة الحديثة والمعاصرة في جميع مستويات الحياة الفردية والاجتماعية ثقافيا وفكريا وعلميا وتكنولوجيا وكذلك بالنسبة لنظام الحكم وإدارة المجتمع، ليشمل هذا الاستعمال كل سكان الكرة الأرضية، فيصبح العالم يشبه القرية أو أيّة مؤسسة في المجتمع خاضعة لمنجمنت معين يقودها ويدير شؤونها.
* والعولمة لا تعني الانفتاح على ثقافات الشعوب الأخرى والتواصل معها في حوار وتأثير متبادل سعيا وراء جوّ الإبداع والتطور، وبعيدا عن محاولات طمس هذه الثقافات والنيل من شعوبها، فهذا ضرب من العالمية لا العولمة، لأن العولمة أبرز ما تتميز به لدى الوصف الأول هو أنّ طابعها مهيمن وتوجهها أحادي يفرض نفسه ويمارس التسلط والتعسف على ما هو ذاتي خاص يحرص على إقصائه بدعوى الانفتاح والتكيّف مع ما هو جديد ومع ما تتطلبه حاجات ومصالح العالم وبدعوى أنّ مصلحة أيّة جهة من الجهات مرتبطة بمصالح العالم ككل المحكوم بمنجمنت الأقوياء، وفي هذا التعميم للإنتاج الثقافي والحضاري الحديث والمعاصر من أتمتة وتوجّه تقاني في المال والأعمال وفي الإعلام والاتصال وفي السياسة والاقتصاد وغيرها على كافة أقطار العالم وبالكيفية المتسلطة المتعسفة اختراق لكثير من الثقافات ولقيّم الشعوب وخصوصياتها، على الرغم من اتجاه العالم صوب الانفتاح الثقافي المبني على الحوار والتسامح والداعي إلى احترام حقوق الإنسان بما في ذلك الحريات والحقوق الثقافية، وهي مطالب مدونة في مواثيق ودساتير الهيئات والمنظمات الدولية والإقليمية، الأمر الذي يعكس النوايا والمقاصد وراء محاولات عولمة الفكر والثقافة والسلوك في الغرب الأوربي والأمريكي وعولمة منتجات التقدم الحضاري الحديث والمعاصر، مما يؤكد إرادة الهيمنة والتسلط ونفي الآخر من خلال نفي خصوصياته الثقافية والتاريخية، ومن خلال فرض النمطية الأحادية الثابتة، النمطية الأوربية الأمريكية الغربية الصهيونية، إلاّ أنّ ما تطمح إليه شعوب العالم هو الارتقاء بثقافاتها وقيّمها الخاصة من الخصوصية الضيقة إلى العالمية الرحبة، وممارسة التلاقح بين خصوصيات عدة للارتقاء بها في درجات سلم الحوار والإبداع والتواصل والتعاون والأخذ والعطاء وغيرها نحو ما هو كوني عالمي عام، لأنّ الإسلام أكّد على الحكمة من وجود التعدد الثقافي وتنوع الأجناس والاختلاف بين الشعوب والقبائل في الكثير من الجوانب، وهي حكمة الغاية منها التعارف والتواصل والتعاون لا التباعد والتنافر والتناحر والاقتتال، وبقيّم التعارف والتواصل والتعاون تستقيم حياة الناس وتتحقق الغاية القصوى التي لأجلها خلق الله الإنسان وكرّمه أيّما تكريم وفضّله على كثير من مخلوقاته، غاية العبادة والتعبد.
* لكن طموح الشعوب في الانتقال من المحلية إلى العالمية غير مشروع في ظل العولمة المتوحشة، التي تقف في وجه أيّة محاولة تقوم في أيّة جهة تخرج عن نمطية الغرب الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية وعن نموذجها الثقافي والحضاري الذي تقوده مصالح البلدان المتقدمة والذي لا يبالي بغير مصالح هذه البلدان، ويمارس الاختراقية على النماذج الثقافية والحياتية الأخرى متعاليا على كل ما هو مُشرق في ثقافة الآخرين وفي حياتهم، متباهيا بما لديه بعيدا عن الموضوعية والحياد، الأمر الذي يجعل الآخر يستجيب وينفعل سلبا في وجه توحش العولمة وشراستها ويطالب بأنسنتها، ليحتل هو الآخر مكانته في العالم ويكون محل تقدير واحترام ويتسنى له الإسهام الإيجابي في مجريات الأحداث المختلفة والمساهمة في البناء الحضاري، لأنّ ظاهرة الاحتكار الحضاري تعسفية تسلطية تتنافى تماما مع روح وجوهر الحضارة والتحضر، وسنن التحضر ذاتها تقصي كل محاولة لاحتكار الحضارة، ومحاولة جعل الحضارة حكرا على جهة ما هو بداية لإقصاء سنن التحضر ولانهيار الحضارة، الحضارة التي لا تقوم إلاّ على اكتمال شروط البناء الحضاري وأهمها الطابع العالمي الأممي للتحضر في نشأته وفي مشاركة التعدد الثقافي والتنوع الفكري في ذلك واستفادة الجميع من منتجاته بعيدا عن الاحتكار والهيمنة التي يمارسها توجه العولمة المعاصر من حيث احتكاره للتقدم العلمي والتكنولوجي ولسائر التقنيات المعاصرة المستخدمة في كل مجالات الحياة، مستغلا ضعف الآخر ومستخدما هذه التقنيات في تكريس تبعية هذا الآخر له واستغلال طاقاته البشرية ونهب ممتلكاته وخيراته بدون هوادة ومن غير مشفقة، هذا الأسلوب في توجه العولمة يعكس بجلاء خط العولمة الذي لا يراعي البتة أدنى مبادئ وقيّم الإنسانية من عدل ومساواة وتعاون وغيرها، وهو ضرب من العنف والتعانف لا يجلب سوى العنف المضاد ولا يصنع سوى منظومات فكرية تكون وراء منظمات وتنظيمات تنطبع بالعنف والتعانف، وهو حال الواقع الإنساني في العالم المعاصر الذي تهيمن عليه العولمة المتوحشة الشرسة، واقع مليء بالظلم والاستبداد وبالحروب التي تفتك بالأفراد والجماعات، وهذا ناتج عن تصور العولمة وممارستها في الفكر الغربي وهو الفكر الذي ظهر في الغرب وانتشر بعد ذلك خارج الغرب.
* إنّ التصور المعاصر للعولمة في الغرب الأوربي وفي الولايات المتحدة الأمريكية ولدى كل من يسير في خطهما يتعدد ويتنوع من جهة إلى أخرى و من اتجاه فكري إلى آخر ومن مفكر إلى آخر، كما يختلف عن تصورها في العام العربي والإسلامي، فمفهوم العولمة ليس واحدا لدى الغرب والعرب لأن الغرب هو المنتج والمصدر للعولمة أما العرب فهم المستورد والمتأثر، وشتان بين المنتج وقوّته وتحكّمه في زمام الأمور وسلطته في اتخاذ القرار، وبين المغلوب وتبعيته للغالب طوعا أوكرها، يقوم الفكر الغربي بربط العولمة بالاقتصاد وبالإنتاج ووسائل الإنتاج وبعلاقات الإنتاج وبالسوق والتبادل وسائر القطاعات الاقتصادية التي عرفت وتعرف تطورا كبيرا نتيجة التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل، وارتبط ذلك بالتوجه الليبرالي اقتصاديا وسياسيا وبالصراع بين الجماعات التي تعيش على الهجرة والجماعات المستقرة، كما ارتبط بالأبعاد الثقافية والإيديولوجية القائمة أو تلك الناتجة عن تحولات العصر وتحدياته، كل هذا كان وراء العولمة باعتبارها التحول الأكثر بروزا في العصر، ويؤكد العديد من المفكرين في الغرب بأن العولمة مرتبطة أصلا وأساسا بأصول دافعة وغائية مرتبطة بالسياسة والتكنولوجيا وبالتعاون الاقتصادي والمالي وبالعامل السيكولوجي، هذه الدوافع هي التي تضفي على العولمة مشروعيتها وتبرر ضرورتها وحاجة العالم أجمع إلى دورها، فهي الأسلوب الوحيد والأساسي الذي يسمح بتكثيف جهود الأفراد والجماعات وتكثيف وتنويع الإنتاج وتكثيف تقديم الخدمات وتكثيف إنتاج التكنولوجيا وتطويرها ونشرها وانتشارها لتعم جميع أقطار العالم، ومن جهة أخرى فإنّ العولمة في الفكر الغربي لا تقتصر على تعميم استغلال منتجات الحضارة الحديثة والمعاصرة لتشمل العالم كلّه، بل تمثل الوسيلة التي تعطي الفرصة لتوحيد مصدر الأحداث الكبرى والقرارات المصيرية والأنشطة التي توجه الحياة في العالم وتقودها، ولها تأثير مباشر على حياة الأفراد والجماعات، هذا المصدر الذي ينبغي أن يمتلك منظومة العالم القيمية والسياسية والعلمية التي تعتني بما هو خاص بالشعوب والأمم في سياق منظومة التفاعل على المستوى المحلي والقطري والإقليمي والعالمي، والانطلاق من منظور أساسه الواقع وخصوصياته وحاجاته يعتبر العولمة حقيقة لا مردّ لها وواقع لا يمكن تجاهله وإغفاله، فهي ليست مسعى أراده الإنسان المعاصر من بين عدة بدائل وخيارات وإنّما هي أمر واقع، وواقعة يعيشها الإنسان في حياته اليومية ليل نهار في غذائه وفي لباسه وفي أثاثه المنزلي وفي وسائل الإعلام والاتصال وفي مناهج ووسائل التعليم والتثقيف والمثاقفة وفي وسائل التسلية والترفيه، وفي الاستهلاك الذوقي والجمالي وفي كل وسائل العمل والإنتاج، هذه الظاهرة أدّت إلى توحّد الفكر والممارسة بين أفراد بني البشر، وتوحّد الاهتمامات والانشغالات لديهم، وأصبح كل إنسان معني بالعولمة ينظر إلى ذاته ووجوده وهو يعتبر الآخر ويعتبر ثقافته، هذا التوحيد الثقافي والفكري والنفسي هو عين العولمة الثقافية بالإضافة إلى العولمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية عامة، هذا مفهوم العولمة من المنظور الغربي الذي جعل منها واقعا وضرورة ومكسبا للإنسان في العالم المعاصر.
* إنّ ما اعتبره التوجّه الغربي للعولمة بأنّها واقع وضرورة ومكسب، واقع فرضه تنامي التقدم العلمي وتعاظم التكنولوجيا ودورها وكثرة الإنتاج والمبيعات واختزال المسافات بين أقطار العالم المتباعدة والحاجة إلى نظام عالمي يقود العالم وينظم الحياة فيه، وضرورة ملحة لجمع كل أطراف العالم ومكوناته تحت لواء واحد ونظام واحد بعيدا عن التفرق والتشتت، ومكسب لكونها سبيل تعميم التكنولوجيا والمعرفة العلمية والديمقراطية وحقوق الإنسان على جميع شعوب العالم، هذا الذي تعتبره الكثير من الاتجاهات الفكرية والدينية في العالم العربي والإسلامي المعاصر منتهى الظلم والتسلط وهيمنة متوحشة شرسة في أقصى مداها، وهو وضع يعبر عن حقبة تاريخية تميزت بتحوّل جذري انقلابي نوعي وعميق للإنسانية من خلال التحوّل الليبرالي الاقتصادي والسياسي المرتبط بالتحوّل الفكري والثقافي وتحوّل العمل ووسائله وعلاقاته، حقبة عرفت هيمنة المركز على الأطراف، وسيطرة نظام عالمي عام للتبادل التجاري وتنظيم اقتصاد عدة أطراف ليس بينها تكافؤ لنفوذ إرادة هيمنه المركز أو القطب الواحد الذي هو الولايات المتحدة الأمريكية بالمرتبة الأولى وحلفائها في الغرب الأوربي الدرجة الثانية، مما يدل بجلاء على ارتباط العولمة وتوجهها في النشأة والتكوين بالحياة الاقتصادية وازدهارها وبتطور التبادل التجاري وتطور وسائل النقل وتكنولوجيا الإعلام والاتصال والإشهار.
* العولمة من منظور مفكري العروبة والإسلام فكر وفلسفة ومنهج ممارسة من وحي وإنتاج القطبية الأحادية في العالم تعني توسيع دائرة الحداثة والتحديث وتعميم التوجه الليبرالي الرأسمالي وفرض النمط الحضاري والنموذج الأمريكي ونفوذه على جميع شعوب العالم، هذا من الجانب السياسي والاقتصادي والجغرافي، أما من جانب ارتباط العولمة بتاريخ الإنسان وبتاريخ حضارته فإنّها تمثل حلقة في سلسلة الحضارات التي عرفها تاريخ الإنسانية حتى الآن، كُتب لها أن تكون بيد أمريكا والغرب الأوربي وهي تتكون في الحاضر ومرتبطة بالمستقبل وتصنعه وتؤثر عليه، وإذا كانت العولمة انعكاسا للحداثة والتحديث وصورة للتوجه الليبرالي اقتصاديا وجيوسياسيا وفكريا ومرآة للنفوذ الأمريكي وهيمنته على العالم، فإنّها تعبر عن توجّه حقيقي يهدد بقوة هويّات الشعوب وثوابتها التاريخية والثقافية، خاصة الشعوب التاريخية التراثية ومنها الشعوب العربية والإسلامية، إنّ التوجه الحداثي الليبرالي يقوم على الثورة في وجه التراث القديم بحجة أنّه أعاق التقدم والتحضر طوال قرون عديدة، ويعمم هذا الحكم على كل أنماط التراث القديم، كما يقوم على العقلانية المفرطة التي تنبذ كل ما هو غير عقلاني، وعلى ما يقرره العلم وتمّ التوصل إليه بالمناهج العلمية وبالأساليب والوسائل التقنية الحديثة والمعاصرة، وهي مناهج ووسائل علمانية ذات طابع مادي تجريبي عملي آلي أداتي براغماتي يبعد كل مل هو مقدس في الأخلاق والدين سائر المعتقدات، ويقوم على الحرية والديمقراطية والتعددية وعلى الفردية المطلقة وعلى إبعاد الدولة وكل ما يعيق النشاط الفردي ويفرض عليه التوجيه في كافة ميادين الحياة، التوجه الحداثي الليبرالي العلماني بهذه المبادئ لا يهدد قيم وتراث وثقافات الناس بالفناء فحسب بل يحرص كل الحرص على إعادة بنائها وصياغتها وتشكيلها بذريعة تطويرها وبمبرر تكييفها مع تحولات العصر الحضارية، وهي حجة واهية مكشوفة يبدو أنّها تنمّ عن نظرة تتميز بالتفاؤل والإيمان بضرورة تحديث العالم أجمع، لكنها نظرة تنطوي على محاولات بسط إرادة الهيمنة والتسلط على جميع شعوب العالم التي تمثل الأطراف من قبل القطب الأمريكي الأوربي الواحد في العالم الذي يمثل المركز والنواة.
* إنّ الذي يطبع تصور العولمة في المنظور الفكري العربي والإسلامي في أغلبه هو الامتعاض والسلبية والتشاؤم ، واعتبار توجه العولمة أداة قهر وظلم استغلال واستعباد في يد الجلاد، يستعملها باسم تعميم الحداثة والتحديث فيفرض هيمنته بالقوة العسكرية إن عجزت القوى الأخرى الاقتصادية والسياسية وغيرها عن تحقيق نفوذه الذي يتنامى ويتضاعف باستمرار كلّما اتسع مجال العولمة وسيطر نفوذها، ازدادت مع ذلك درجة قهر المقهورين وضعف الضعفاء وظلم المظلومين في العالم وما أكثرهم، وتنامى معها التفوق الغربي والأمريكي عدّة وعتادا وفي تقديس مصالحه المادية والثقافية على الرغم من أنّ التوجه الليبرالي لا تعنيه الحياة الروحية والدينية فهي متروكة لحرية الأفراد، وكثر المروجون لقيم العولمة في كل بلدان العالم على الرغم ما تحمله من نوايا فاسدة ومخاطر على حياة الدول الأطراف وشعوبها، ودول العالم العربي والإسلامي جزء من الأطراف في مواجهة المركز، يستمد الفكر في هذا الجزء منظوره السلبي للعولمة ولقيّمها ولتوجّهاتها من معطيات وظروف تاريخية وواقعية حديثة ومعاصرة ومن تداعيات وآثار هذه المعطيات والظروف، ومن التواصل والاحتكاك مع الجهات التي تمثل المركز والقطبية الأحادية، قبل عقود ارتبطت الشعوب العربية والإسلامية ببلدان الغرب الأوربي عن طريق الاستعمار- ومازال بعضها مرتبطا به بشكل مباشر وبعضها الآخر مرتبطا به بشكل غير مباشر إلى اليوم كما ازداد نفوذه وتعددت صوره وأساليبه وأبرزها العولمة- الذي لا يزال وسيبقى محفورا في الذاكرة الجماعية لدى هذه الشعوب، ولا يمكن أن تنسى ما فعله من إجرام كبرت بشاعته وتعددت أشكاله إلى درجة لا يمكن وصفه، ومثل ذلك ما فعله الاستعمار الفرنسي في الجزائر شعبا وأرضا ودينا ولغة وثقافة وتاريخا، وهكذا مع جميع الشعوب العربية والإسلامية وغيرها التي تعرضت للاستعمار ونال منها كيفما شاء، ومن جهة أخرى لا ينسى العالم والسكان الأصليين في العالم الجديد بعد اكتشافه ما فعله الدخلاء من البيض وغيرهم من جرائم في حق الإنسانية هي محفورة في ذاكرة التاريخ وفي الذاكرة الجماعية للهنود الحمر الأمريكان، كما نجد البلدان الاستعمارية ومن منطلق عقلية الاستعمار والنزعة الاستعمارية بكل ما تحمله من شعور بالعظمة والرغبة في التسلط وروح العداء وإرادة الهيمنة والنزوع نحو ممارسة القسوة والظلم واحتقار الآخر، نجدها تمارس الوصاية بمختلف السبل والوسائل على الشعوب التي استعمرتها وعلى أنظمة الحكم فيها لكونها دولا موجودة في المركز لا في الأطراف ومستغلة الوضع المتخلف والمتردي الذي تعيشه مستعمراتها التاريخية فتريد أن تكون وصايتها دائمة ومن دون منازع على الرغم من التحولات المعاصرة التي غيّرت المواقع والموازين والمعايير في العالم، الظروف والتوجهات المعاصرة ومخلّفاتها السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية ومنها فرض التوجه الديمقراطي ونظام الإنتاج والتبادل العالمي والسوق الحرة وطغيان ثقافة الاستهلاك والترفيه والتسلية وسيادة سياسة الحلف العسكري الأطلسي الذي يبسط قواعده ويحمي مصالح بلدانه في كل نقطة من نقاط العالم كما يسيطر على كل بؤرة من بؤر التوتر والنزاع في العالم ويديرها بما يتفق مع سياسته ومصالح شعوبه وبلدانه، كل هذا جعل الأطراف تابعة للمركز الذي يتعامل معها بأساليب استعمارية في صورها الجديدة وفي صورها القديمة معا، لتبقى تحت نفوذه، هذا النفوذ الذي تعززه العولمة باعتبارها أحد التحولات الكبرى في عصرنا وأحد التحديات العظمى التي تواجه الأطراف في مواجهة المركز.
* العولمة سواء من المنظور الغربي وهو منظور ابتهاجي لأنّه في مركز القوّة والثقل أو من المنظور العربي وهو منظور امتعاضي لأنّه في مركز ضعف وهوان فهي تؤكد حقائق الوضع القائم لشعوب العالم وتوزيعها على مركز وأطراف، وتجاوز الثقافة والنظم والمشكلات والخبرات وسائر الأفكار لحدود المحلية الضيقة جغرافيا وسياسيا وانتشارها عبر مختلف جهات العالم، لأنّ العولمة في جوهرها لا تعير أدنى اهتمام للمحلية والخصوصية في حياة أيّة جماعة بشرية، لا قيمة لتراث وقيّم وتاريخ الإنسانية إلاّ بما ينسجم مع قيّم العولمة وتطلعاتها، ولا تسمح للقيم الذاتية بمختلف أنواعها بالتدخل في تكوين حياة الأفراد والجماعات والدول فقط بما هو صالح للمشاركة في المساهمة فيما هو دولي شمولي وعام، وتتحمل العولمة المسئولية في نقل ما يراد نقله وبوتيرة سريعة جدّا وفي ظل تقدم علمي وتكنولوجي هائل خاصة تكنولوجيا النقل وتقنية الإعلام والاتصال والإشهار، ومما تمّ ويتمّ نقله الاستعمار والاحتلال، التهجير، التفقير والتجويع، التخدير والظلم والاستبداد، والحروب والقتل والجرائم الإنسانية، كل هذا يحدث بواسطة العولمة وفي إطار نظام دولي عام وفي سياق عالمية جديدة منفتحة وباسم مجلس الأمن وحماية الديمقراطية والأقليات وصون حقوق الإنسان وتعميم دائرة الحداثة والتحديث، فالعولمة لا تبث على مدلول واحد في الفكر الغربي أو في الفكر العربي الإسلامي أو في أي نمط من أنماك الفكر الإنساني المعاصر، لأنّها ذات دلالات وقيّم مرتبطة بالظروف والأوضاع التي صدر عنها هذا التوجّه الفكري أو ذاك، وما أكثر التوجّهات الفكرية المتعارضة بتعارض المصالح والمتصارعة بتصارع القوى لأجل احتلال الصدارة في المركز والسيطرة على الأطراف، ففي الفكر الغربي تسيطر الدعوة القائلة بأنّ العولمة أمر واقع وضرورة ومكسب وهي أبرز مظاهر التحضر التي حققتها الإنسانية الحديثة المعاصرة، أما في الفكر العربي وفي غيره لدى المجتمعات المستضعفة التي تجد قوّتها في ارتكاز حياتها على تاريخها وتراثها وماضيها وفي صبرها وفي تحمّلها آثار وانعكاسات العولمة المتوحشة الشرسة المنافية لكل القيّم والأعراف الإنسانية، فالعولمة تمثل قناعا تلبسه بلدان المركز لاستغلال الآخرين، وذريعة لفرض التوجّه الليبرالي الرأسمالي على كافة شعوب العالم بهدف إذلالها وتركعها واستغلال طاقاتها البشرية والطبيعية، ومطية للاختراق الثقافي والفكري والديني، وسبيلا للقضاء على الخصوصية القومية والوطنية بإعادة تشكيلها وإذابتها في الكوكبية التي تريد أن تصنع من العالم قرية أو مؤسسة صغيرة تسهل إدارتها والتحكم فيها، هذه هي العولمة التي تحكم حاضر العالم وتتهيأ للمستقبل وتؤثر فيه ولا نعرف مصير العالم في ظلها ومتى يتوقف نفوذها ويزول خطرها.
* لما ارتبطت العولمة بتعدد وتنوع في الرؤى إليها من حيث ظروف وعوامل ظهورها وأسسها وآلياتها وتداعياتها نجد من الصعوبة إيجاد مدلول دقيق ومضبوط لها، ولأنّها ترتبط بآراء الباحثين والمفكرين وبانتماءاتهم الفكرية والدينية والسياسية وغيرها مما زاد الأمر تعقيدا، حتى أنّنا نجد من الباحثين في الموضوع من يعتبرها ظاهرة مازالت قيد التشكل والنّماء والتكوين، وبالتالي فهي تحت الوصف والتحليل من جهة وهي موطن دراسة في جانب منها تنديد بها وإدانتها وفي جانب آخر إشادة وتنويه بها من جهة ثانية، ومهما يكن من إشادة وتنويه أو تنديد وإدانة فهي ظاهرة عرفها العالم المعاصر وصارت موضع اهتمام ومحل عناية من قبل رجال السياسة والاقتصاد والمال والأعمال، ومن طرف رجال العلم والفكر والثقافة والإعلام، ومن قبل عامة المثقفين في مختلف أنحاء العالم، لذا يوجد تباين في الآراء ووجهات النظر في كل ما يخص العولمة بين لليبراليين والاشتراكيين، وبين الإسلاميين من مؤيد ومعارض، وبين دعاة العولمة ودعاة الخصوصية والدولة الوطنية، وبين أنصار النظام العالمي الجديد ومعارضيه، وداخل الاتجاه المؤيد للعولمة أو المعارض لها نجد التعدد في المواقف والتباين في التبريرات.
* هناك من يعتبرها نتيجة حتمية للتطور العلمي والتقني والثورة الصناعية على مستوى الحياة العملية التي ارتبطت باستراتيجيات وإيديولوجيات الجهات التي عرفت التقدم العلمي والتقني والصناعي، وهناك من يعدّها مرحلة من مراحل الرأسمالية عرف فيها العالم تحولا من محلية الإنتاج والتجارة والتوزيع والتسويق إلى عالمية الإنتاج، وهناك من يرى أنّ العولمة مجرد تجربة من التجارب البشرية في التاريخ من الخطأ حصرها في الحياة الاقتصادية فهي تجربة نظرية وعملية تتحكم فيها عدة عناصر الاقتصاد جزء منها، وهناك من يربطها بالقوة العسكرية واستغلال النفوذ والبحث عن المال والرفاهية وممارسة وتشجيع ثقافة الاستهلاك المادي والثقافي والإعلامي الترفيهي، ومن المفكرين المؤيدين للعولمة باعتبارها حتمية تاريخية وضرورة حضارية ومكسب إنساني هي عبارة عن تفوق كبير ونصر عزيز للتوجه لليبرالي وللحداثة، ولكل الأفكار التي تعتقدها الولايات المتحدة الأمريكية، والعولمة بالتوجّه الليبرالي السياسي والاقتصادي الأمريكي تمثل آخر حلقة من حلقات سلسلة حركة التاريخ، عندها انتهى التاريخ وتوقف، ومن دون الوقوف عند هذا الرأي ومناقشته ونقده على الرغم ما نتج عنه من مناقشات وسجالات وتحليلات بين معجب وبين معارض وبين مندهش وغيره، ولأنه رأي يجانب الحقيقة والواقع والمنطق، ويخرج تماما عن المألوف، ويعبر عن البعد الإيديولوجي الغربي للعولمة، وعن تسخير كل الإمكانيات المتاحة حتى الفكر والعلم واستغلال ضعف الضعفاء في تمرير مخططات الأمركة المتصهينة والعولمة المتوحشة الشرسة والغرب الليبرالي المتطرف، وفي تبرير الأوضاع والظروف التي تزيد في قوة الأقوياء وفي سحق المستضعفين، ومن جهة فالتاريخ مجال تتحرك فيه الأفكار والممارسات ولا يعرف التوقف والنهاية، وأيّة حركة نهضوية حضارية فهي حلقة تُضاف إلى سلسلة حلقات التاريخ من دون أن يتوقف أو ينتهي، فهو عرف الكثير من الإمبراطوريات والدول والأمم التي ظهرت ونمت وتطورت ثم انهارت وانتهت وبقي التاريخ وحركته متواصلة ومجاله مفتوحا أمام الصراع المستمر بين بني الإنسان الذي لا يتوقف عند توجه العولمة في مسار الأمركة، ونجد من ينعتها بأنّها آلية فرضتها الثورة الصناعة وهي سلاح ذو حدّين إما أن تبني وتحصد وتُريح وإما أن تهدم وتخرب وترعب، ارتبطت بالتطور الهائل في مجال الإعلام الآلي واستعمال الحاسوب وشبكة الإنترنيت وسائر وسائل الإعلام والاتصال، من دون النظر لما هو قائم في العالم من ثقافات ونظم مختلفة وحدود جغرافية وسياسية بين دول العالم وشعوبه.
* الاختلاف في ضبط مفهوم العولمة يرده البعض إلى أنّ ظاهرة العولمة مازالت أمام المفكرين والسياسيين في طور الاستكشاف، استكشاف الآليات النواميس الخفية التي تتحكم في مسيرتها، وهي لازالت مبهمة في الكثير من خصائصها وعناصرها، "بل إننا نستطيع أن نقول أن العولمة عملية مستمرة تكشف كل يوم عن وجه جديد من وجوهها المتعددة، وإذا أردنا أن نقترب من صياغة تعريف شامل للعولمة، فلابد أن نضع في الاعتبار ثلاث عمليات تكشف عن جوهرها: العملية الأولى تتعلق بانتشار المعلومات بحيث تصبح مشاعة لدى جميع الناس، والعملية الثانية تتعلق بتذويب الحدود بين الدول، والعملية الثالثة هي زيادة معدلات التشابه بين الجماعات والمجتمعات والمؤسسات. وكل هذه العمليات قد تؤدي إلى نتائج سلبية بالنسبة إلى بعض المجتمعات، وإلى نتائج إيجابية إلى بعضها الآخر. وأيّا كان الأمر، فيمكن القول إنّ جوهر عملية العولمة يتمثل في سهولة حركة الناس والمعلومات والسلع بين الدول على النطاق الكوني."[1] ومنه يمكن استنتاج أنّ العولمة تتخط حدود الدول الجغرافية والسياسية من خلال انتشار الخدمات والبضائع والأفراد والجماعات والأفكار والأموال وأنماط عدة من السلوك، ففي الأمر احتواء وانصهار، احتواء للمحلية والخصوصية من قبل الكوكبية وانصهار المحلية والخصوصية في الكوكبية، لكن هذا "لا يعني أنّ عملية العولمة تسير على النطاق القومي بغير مقاومة. فهناك صراع مستمر بين العولمة والمحلية. فالعولمة تقلل من أهمية الحدود، بينما تؤكد المحلية على الخطوط الفاصلة بين الحدود،والعولمة تني توسيع الحدود، في حين أنّ المحلية تعني تعميق الحدود، وفي المجال الثقافي والاجتماعي العولمة تعني انتقالا للأفكار والمبادئ وغيرها، بينما المحلية قد تميل إلى منع انتقال الأفكار والمبادئ."[2] ففي العالم العربي والإسلامي وشعوبه تراثية تاريخية نجدها تتخوف من العولمة، وبعض الجماعات فيها تتصدى بكل إمكانياتها وطاقاتها في وجه العولمة بمختلف جوانبها خاصة المجال الديني والفكري والثقافي.
* أمام التباين في تحديد ماهية العولمة وقيمتها نظرا لطبيعتها المركبة المعقدة وبعد الإحاطة ببعض الآراء والمواقف تنعتها وتحدد طبيعتها يمكننا أن نستنتج بأنّها توجّه ثقافي وسياسي واقتصادي واجتماعي وإعلامي وعسكري، يستمد مفاهيمه ومبادئه ومقولاته من الفكر الليبرالي الغربي والثقافة الحديثة والمعاصرة السائدة في الغرب الأوربي وفي الولايات المتحدة الأمريكية، التوجّه القائم على الديمقراطية واقتصاد السوق، والمتضمن جملة الآليات والإجراءات والتدابير والنظم العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية والإعلامية وغيرها، وسائر أشكال المعاملات والعلاقات وأنماط السلوك والعيش والحياة عامة، كل هذا يشكل منظومة واحدة تتجاوز حدود الجهوية الضيقة، وحدود الدولة الوطنية والقومية، والحدود الإقليمية وسائر الحدود الجغرافية والسياسية المتعارف عليها، فهي تبحث عن الاتحاد وتتبنىّ التشابه والتماثل بين البشر لتعميم النموذج أو النمط الأمريكي الواحد في الحياة وتمثله المنظومة الواحدة، من منطلق سياسة عالمية تربط كل بلدان العالم في كوكبة واحدة خاضعة لنظام واحد يسيطر عليه المركز وتقوده الولايات المتحدة الأمريكية.

دواعي اتجاه العالم صوب العولمة:
* ترتبط أسباب توجّه العالم المعاصر في اتجاه العولمة بنشأتها وعوامل ظهورها، يرى معظم المفكرين أنّ العولمة باعتبارها محاولة لحصر العالم في بوتقة واحدة للسيطرة عليه وإدارته ظاهرة عرفها الإنسان منذ أقدم العصور، وبالضبط منذ ظهور التجمعات الإنسانية الأولى في أشكال مختلفة وتطورت إلى أن عرفت مفاهيم عدة مثل العشير والقبيل في المجتمع العربي في الجاهلية وفي غيره، والقوم ومعه القومية والإمبراطورية مثل الإمبراطورية الصينية والرومانية والفارسية وغيرها، إلى أن استقر مفهوم التجمع البشري في اسم المجتمع والدولة والأمة وغيرها من المفاهيم السياسية الحديثة والمعاصرة، وكانت هذه الجماعات البشرية المنظمة في أشكال مختلفة كلّما تسنّت لها القوّة الاقتصادية والعسكرية حركتها إرادة الهيمنة واستخدمت قوّتها في البحث عن مواقع أخرى لبسط نفوذها عليها وفرض نظامها وحماية مصالحها، ولا يقتصر الأمر على المصالح المادية بل يتجاوزها إلى نشر ثقافتها وفكرها مثل ما حدث مع بلاد فارس حين اجتاحتها قوات الأسكندر الأكبر وكتب هذا الأخير إلى الفيلسوف أرسطو الذي كان مؤدبا له وغير راض بالاجتياح لما فيه من اختراق ثقافي للثقافة اليونانية بسبب قوّة الثقافة الشرقية الفارسية كتابا عبّر فيه عن رغبته في تعميم الثقافة اليونانية لتصير ثقافة العالم أجمع، والأمر نفسه نجده في الدولة الإسلامية الأولى التي حرصت كل الحرص على نشر عقيدة الإسلام وشريعته بكل الوسائل والسبل ليصير الإسلام دين الإنسانية جمعاء، وكان لها ذلك لما يحمله الإسلام وتحمله الثقافة الإسلامية من معاني التواصل والتضامن والتوّحد ومن دون التعارض مع خصوصيات الشعوب الدينية والثقافية في البلدان المفتوحة، الأمثلة تؤكد ارتباط العولمة كتوجه إنساني نحو العالمية بظهور التجمعات البشرية وتطورها وبظروفها المختلفة، وتختلف العولمة من حيث مدلولها وقيمتها وممارستها وتداعياتها في القديم باختلاف أوضاع المجتمعات وعلاقاتها مع بعضها البعض، كما تختلف عن العولمة بالمعنى المعاصر.
* إنّ العولمة بمعناها المعاصر يُردُّ ظهورها لدى الكثير من المفكرين إلى بداية العصر الحديث الذي هو مرجعية العصر الحاضر، فهي من جهتهم تعود إلى القرنين السادس عشر والقرن السابع عشر لأنّ في القرن الخامس عشر وقبله كان الاهتمام منصبا على الإصلاح الديني والسياسي وعلى الاجتهاد في حقل البحث العلمي والاشتغال بتطوير وسائل التأثير في الطبيعة وتطوير وسائل العمل بصفة عامة، انطلقت ظاهرة العولمة مع انطلاق الاستعمار الغربي الأوربي الذي انتشر في القارات الثلاث إفريقيا وآسيا وأمريكا، وارتبطت أساسا بالنماء والازدهار الذي عرفته الحياة الاقتصادية وبصفة خاصة قطاع التبادل التجاري فيها داخل بلدان الغرب الأوربي، الأمر الذي أدّى إلى دعم نفوذ تلك البلدان وسيطرة الاستعمار وإطالة عمره، وازداد تطور بلدان الغرب الأوربي ومعها الولايات المتحدة الأمريكية في القرون اللاحقة علميا وتكنولوجيا، فصار مصطلح العولمة أكثر انتشارا في أواخر القرن العشرين وفي بداية القرن الواحد والعشرين، وذلك لحصول ظاهرة التقارب والتوحّد بفعل جملة من الظروف الاقتصادية والسياسية وبفعل التقدم العلمي والتكنولوجي خاصة في وسائل التأثير على الطبيعة والسيطرة عليها وتسخيرها لخدمة مصالح الإنسان وفي وسائل العمل وفي مناهجه بصفة عامة، فالعولمة كظاهرة بشرية عرفها الإنسان منذ القدم تجلت في ممارسات شتى تلتقي كلها في محاولات بسط النفوذ على الآخرين وممارسة إرادة الهيمنة والتوسع وهي أحوال نابعة من كون الإنسان تتصف نفسه بحب الذات وحب التملك والسيطرة والرغبة في الهيمنة وهي رغبة لا تنقطع ولا تعرف التوقف، واستمر حال العولمة كظاهرة منذ ظهورها إلى اليوم، لكنّ العولمة كمفهوم اصطلاحي لم يقم في الثقافة والفكر حتى نهاية القرن العشرين حيث تداوله الكثير من السياسيين والمفكرين الاقتصاديين فانتشر وصار من المفاهيم التي يُحسب لها ألف حساب.
* ارتبط انتشار العولمة وازداد توجّه العالم نحوها بجملة من الظروف الاقتصادية التي لا تنفصل عن المجال الفكري والإيديولوجي التي عرفه الإنسان في العالم المعاصر، فالنجاح والتفوق الذي حققهما التيار الليبرالي في الحياة الفكرية والإيديولوجية وعلى الأرض في الغرب الأوربي وفي الولايات المتحدة الأمريكية وخارجهما خاصة في بلدان المعسكر الاشتراكي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وثبت فساد النظرية الاشتراكية وانهيار المنظومة الاشتراكية الشيوعية عامة، التفوق الذي برر اللجوء إلى النظرية الليبرالية في الحياة السياسية والاقتصادية وتبنيها كإيديولوجية وحيدة من شأنها تُتخذ كمنهج ووسيلة لتطوير المجتمعات وتحديثها، ومن صارت الحاجة ملحة لدى المجتمعات المتخلفة إلى الليبرالية للخروج من التخلف وصارت الفرصة سانحة للغرب الأوربي لنشر مبادئ وقواعد الليبرالية كنظام سياسي واقتصادي، أي عولمة الفكر الليبرالي ومن ورائه الفكر الحداثي وما تقوم عليه الحداثة من قيّم ومقولات، وفي ظل انتشار الفكر الليبرالي والنهج الليبرالي في الاقتصاد والسياسة وفي ظل ممارسة المبادلات التجارية بمقتضى اقتصاد السوق وحريته تحررت الكثير من المجتمعات والأسواق من الأنظمة الكلاسيكية الاشتراكية الشيوعية أو غيرها، وصار اقتصاد بلدان العالم ككل يتجه نحو الليبرالية وصارت السياسة فيها تتجه صوب الديمقراطية، الأمر الذي أدّى إلى توسيع مجال التبادل التجاري وسهولة نقل البضائع ورؤوس الأموال وانفتاح أسواق العالم على كل السلع من غير تمييز، وساعد على ذلك التحوّل في السياسة الاقتصادية للبلدان الاشتراكية وانفتاحها على السوق العالمية الحرة مثلما حدث في بلدان آسيا التي انتهجت سياسة الإصلاح الاقتصادي والسياسي وتحولت من الاشتراكية إلى الليبرالية التي صارت وحدها منهج التحديث والتنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي، يروج لها الساسة والمفكرون والفلاسفة والمثقفون في بلدان المركز وفي البلدان النامية خاصة تلك التي خرجت ضعيفة منهكة اقتصاديا بسبب النهج الاشتراكي لكونها تقوم على تحرير السوق وتشجيع الاستثمار وتسهيل إنتاج السلع وتسويقها، وكان لتلك البلدان التي تمسكت بالنهج الليبرالي أن تخلصت من التخلف والركود ومما كانت تعانيه من قبل داخل المنظومة الاشتراكية، وساهمت المنظمات الاقتصادية العالمية الاقتصادية والمالية في التمكين لليبرالية برفع القيود عن الإنتاج والتبادل والتسويق والاستثمار وتحرير التجارة والاقتصاد من كل ما يعيقهما.
* لما ارتبطت العولمة في ظهورها وتطور مداها بعناصر الحياة الاقتصادية وبقطاعاتها خاصة قطاع التجارة والتبادل، فكثرة الإنتاج وتنوعه خاصة بعد رفع القيود عن التبادل صار ت الحاجة ملحة إلى التسويق خاصة الفائض من الإنتاج العالمي خارج الدول المنتجة، وارتبط تطور العولمة بالسياسة التي انتهجتها الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وهي سياسة التحالف لتبرير تعاملاتها مع المشكلات والقضايا وكانت في معظمها ناجحة تكرس العولمة التي من خلالها تفرض هيمنتها على كل أقطار العالم، كما تنتهج سياسة فرض الأمر الواقع مع الجهات التي تشكل خطرا يهدد كيانها ويقلص من نفوذها، هو ما فعلته مع ألمانيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية وما فعلته وتفعله مع العراق ومع أفغانستان ومع إيران، حيث نجدها في كل مرّة تحشد التحالفات وتجمع التأييد وتلجأ إلى القوّة عندما تفشل كل الأساليب السلمية، فتقوم بشن الحرب على خصمها الذي يكون في مركز ضعف وليس له من القوة سوى تكبد نتائج الحرب من قتل ودمار وخراب، الحرب التي تُجرب فيها الأسلحة الأكثر تطورا كيماوية وبيولوجية وعنقودية فسفورية ومنها ما لم نسمع عنه، الأسلحة الأكثر فتكا بالإنسان، وإذا كانت الأسلحة المتطورة نتيجة للتقدم العلمي والتكنولوجي فإنّ العلم وتقدمه والتكنولوجيا وازدهارها أمور حيادية يمكن أن يرتقي بها الإنسان إلى أعلى الدرجات كما يمكن أن يهوي بها إلى أسفل الدركات، والحروب التي تسود العالم سواء فجّرتها الدول الكبرى أو لم تفجرها فهي من إنتاج العولمة المتوحشة التي تفترس كل شيء وتعمل بمقولة السمك الصغير له الحق في أن يسبح والسمك الكبير له الحق في أن يأكل.
* المؤكد أنّ الذي كان وراء حال العالم اليوم خاصة بالنسبة للتطور في الإنتاج وفي وسائله وفي علاقاته وفي شبكة العلاقات البشرية على المستويين المحلي والأممي، وبالنسبة للتحولات الجارية على الصعيد السياسي والعسكري والإعلامي وغيره هو التحول الذي عرفته الحياة الفكرية والثقافية منذ البدايات الأولى للنهضة الأوربية وبعدها التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل للغرب وتفوّقه الكبير في الصناعة بمختلف أنواعها التي يحتاج إليها الإنسان في كل مجالات حياته، ومع اتساع مجال الصناعة اتسعت دائرة الاستهلاك، استهلاك كل المنتجات الصناعية وهي منتجات تتجدد وتتطور باستمرار، وما زاد في تقوية هذه الوضعية تطور تقنية الإعلام والاتصال من خلال تطور الأقمار الصناعية وانتشار محطات وقنوات البث الإذاعي والتليفزيوني الأرضية والفضائية التي غطت كل جهات العالم وعززت التواصل والثقافي بين شعوبه وعملت على نقل الفكر والثقافة من جهة إلى أخرى بعيدا من غير قيود أو رقابة تُذكر، وكان لتطور وازدهار تكنولوجيا الاتصال والمعلوماتية والإعلام والإشهار الثقافي والعلمي والتقني والاقتصادي دوره الكبير في توسيع مدى اتجاه العولمة، وزاد في تعزيز هذا الوضع الدور الذي قامت به الهيئات والمنظمات العالمية السياسية والاقتصادية والثقافية في ترسيخ سياسة العولمة من خلال تثبيت دعائم المنظومة القانونية العالمية وأسس الفكر الليبرالي ومبادئ الرأسمالية والترويج للحداثة والتحديث كما هما في الفكر الغربي، واتسعت دائرة العولمة بصفة أوسع من خلال الدور الذي لعبته الشركات العالمية الكبرى المتعددة الجنسيات العابرة للقارات التي استطاعت أن تنقل رؤوس الأموال والاستثمار والإنتاج وتستخدم الإعلام الآلي وشبكة الانترنيت وتنقل كل ذلك إلى مختلف أقطار العالم بكل حرية، وانتشرت عبر جميع أقطار العالم من خلال فروعها فأصبح العالم يشبه القرية في غياب الحدود الجغرافية والسياسية والاقتصادية والثقافية بين الدول، الأمر الذي جعل الاقتصاد المحلي الوطني في الدولة الواحدة ينحسر ويتقلص معه نشاط الدولة والحكومة في التأثير على سير الاقتصاد وفي إدارته، فكان من الطبيعي تعميم ثقافة وسياسة واقتصاد العولمة والترويج لها في العالم أجمع، في مقابل وجود توجّهات إيديولوجية أخرى معارضة للعولمة كالتوجه الاشتراكي والشيوعي والتوجه الإسلامي وغيره تحرص على كشف مخاطر العولمة والجانب المتوحش فيها الشرس الذي يفترس كل شيء على الرغم من انهيار المنظومة الاشتراكية بانهيار الاتحاد السوفييتي وبقاء القطب الواحد. أي أنّ المعركة قائمة بين المؤيدين والرافضين لمسار العولمة، "هناك معركة كبرى إيديولوجية وسياسية واقتصادية وثقافية تدور حول العولمة، هناك اتجاهات رافضة بالكامل، وهي اتجاهات تقف ضد مسار التاريخ، ولن تتاح لهل النجاح. وهناك اتجاهات تقبل العولمة من دون تحفظات باعتبارها هي لغة العصر القادم، وهي اتجاهات تتجاهل السلبيات الخطيرة لبعض جوانب العولمة، وهناك اتجاهات نقدية تحاول فهم القوانين الحاكمة للعولمة، وتدرك سلفا أن العولمة عملية تاريخية حقا، ولكن ليس معنى ذلك التسليم بحتمية القيم التي تقوم عليها في الوقت الرهن، والتي تميل في الواقع إلى إنتاج نظام الهيمنة القديم وتقديمه في صورة جديدة"[3]. هذه الصورة الجديدة التي يظهر عليها نظام الهيمنة الاستعماري القديم هو الذي يعتبره مفكر ليبرالية العولمة والبيت الأبيض الأمريكي فوكوياما انبعاثا متجددا لليبرالية والديمقراطية في النموذج الأمريكي، لأنّ القيّم التي تقوم عليها العولمة والمسيرة الليبرالية نابعة من الإيديولوجية الأمريكية ثقافيا وسياسيا واقتصاديا، وتصب في مطامح وأحلام القوى العظمى المصدرة للعولمة.

* إنّ تغيّر تركيبة المنظومة الدولية البشرية والسياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها جعل اتجاه العولمة لا يعطي الأهمية لقيام الدولة أو القومية أو الوطنية أو الدين أو غيره بل اشتغل على تكريس الطابع العالمي للإنسانية سياسيا واقتصاديا وثقافيا بالمنظور الغربي الأمريكي، وظهرت الاتحادات بين الدول والتحالفات والتعاقدات الثنائية والإقليمية والأممية لتضييق دائرة الدولة الوطنية وتوسيع مجال الأممية والعولمة، وأصبح مصير كل دولة من دول العالم الخارجة عن محور العالم المتقدم المؤيد للعولمة هي وثقافتها في خطر، لكن على الرغم من الاختراقات المتكررة والضغوطات التي تمارسها العولمة ومن ورائها بلدان الغرب الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية بسبب الحاجات والمصالح والعلاقات الدولية على مجتمعات العالم ودولها لم تستطع إلغاء كيان الدولة الراسخ وإلغاء تمسكها بتراثها الثقافي والتاريخي وما تتطلع إليه، لأنّ العولمة قد تنجح نسبيا في تعميم نموذجها السياسي والاقتصادي لكنها غير قادرة على بسط نفوذها الثقافي وفرضه على شعوب العالم لأنّ التراث الثقافي ملك الشعوب وليس للحكومات أو لأنظمة الدول تأثير عليه، فهو حالّ في وجدان وشعور الجماهير يكوّن الخصوصية والهوية ويحدد الذاتية، وأي محاولة لإعادة تشكيله أو طمسه هي محاولة للقضاء على الذاتية والخصوصية والهوية وهو ما لا تقبل به الشعوب أبدا، فأكثر الحروب التي عرفتها وتعرفها الإنسانية الأهلية وغير الأهلية هي حروب إتنية ودينية وإيديولوجية، والعولمة ذاتها تعبر بجلاء عن محاولة مروجيها فرض هويتهم وخصوصيتهم ونموذجهم الاقتصادي والسياسي والفكري الخاص على العالم أجمع والقضاء على التعدد الثقافي والتنوع الديني والإيديولوجي وهذا يجري على مرأى ومسمع الجميع.
* عرفت نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين حالة من التجانس والانسجام والتوحّد بين دول العالم تحت ضغط المصالح، وتمّ ذلك بأساليب مختلفة منها انتهاج الأسلوب الليبرالي في السياسة والحكم والإدارة والاقتصاد باعتباره الأسلوب الأسلم والأنجع في التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية خاصة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية ولجوء بعض بلدان إفريقيا وآسيا وبلدان أوربا الشرقية إلى الليبرالية كسبيل للخروج من التخلف ولبلوغ التطور من خلال النهوض بالاقتصاد، وكانت هذه البلدان بما في ذلك الاتحاد السوفييتي من قبل تعيش على حداثة وتحديث الغرب الأوربي والأمريكي وعلى إنتاجه الاقتصادي مع الصعوبات التي كانت تعانيها بسبب قيود النظام الاشتراكي ومشكلاته، الأمر الذي سهّل لها التعامل بنجاح مع لليبرالية والاقتصاد الرأسمالي والانتقال باقتصادها والنهوض به من التخلف نحو التطور والازدهار، وازداد مع هذا الازدهار والتطور الاقتصادي ازدهار اجتماعي فتنامى التمسك بالليبرالية وتضاعف وازداد انتشارا في العالم وزاد في تقوية العولمة وفي توسيع مداها وآفاقها وهو مطلب العالم الغربي والأمريكي المتقدم، فبفعل تبني النهج الليبرالي من قبل دول العالم زالت الفوارق وانتفت الاختلافات بين الدول في أساليب السياسة والإدارة والحكم والاقتصاد التنمية، مما أدّى إلى تنامي نفوذ الغرب وتقوية سلطته فزاد في فرض هيمنته وإملاء شروطه الكثيرة المتعلقة بكافة مجالات الحياة والتي لا تتوقف بل تتنامى باستمرار ولا تخدم سوى مصالحه العاجلة والآجلة، وخصص لهذا الغرض العديد من مؤسسات البحث والدراسات الإستراتيجية التي تكشف عن الواقع وتعريه وتستشرف المستقبل وتخطط له، ومن تلك الشروط المفروضة مثل ضرورة الانصياع للديمقراطية والتعددية كما يفهمها الغرب، والالتزام بحرية السوق والخصخصة وبتنفيذ سياسات اتفاقية التجارة الدولية، فأصبح العالم سوقا واحدة حرّة ومفتوحة، بالإضافة إلى إنشاء الشركات المتعددة الجنسيات العابرة للقارات، هو ما جعل العالم كتلة واحدة ولم تعد هناك اختلافات جوهرية سياسيا وإداريا واقتصاديا الأمر الذي كرّس العولمة في هذه المجالات وفي العالم ككل.
* اجتمعت القوى الكبرى وتركزت في الحلف الأطلسي(الناتو) الذي أصبح الطرف العسكري والقطب الوحيد القادر على استعمال القوة واستغلال الشرعية الدولية لصالحه، هذا ما فرض وكرّس العولمة عسكريا إلى جانب هيمنتها على المجالات الأخرى السياسية والاقتصادية والثقافية وفي مجال الحكم والإدارة وتنظيم المجتمع، الأمر الذي أضعف دور الدولة وطنيا لصالح الكونية، وتمّ تسخير التفوق العلمي والتكنولوجي الذي بلغه الغرب وتعميمه لصالح الكوكبة، خاصة تكنولوجيا الإعلام والاتصال حيث تمّ إفراغ الشبكات التكنولوجية الاتصالية الإعلامية من أقمار صناعية ومحطات بث وقنوات أرضية وفضائية تماما من الرقابة المحلية أو الدولية وأصبح العالم كله شبكة واحدة يستحيل على الدولة أو أيّة جهة مراقبتها أو وضع حواجز أمامها - شبكات الهاتف الدولي، شبكات الإنترنيت، شبكات الفضائيات...الخ - وزاد في إقبال الناس على كل جديد في هذا المجال تعطشهم الإعلامي المستمر المصوّر لأحداث العالم ومجرياتها وإلى التثقيف والمثاقفة وكان ذلك يحصل بكثير من الانبهار والانتظار، الأمر الذي جعل التفاعل الدولي سياسيا واقتصاديا وعسكريا وثقافيا وإعلاميا غير محدود، وسهّل توسع العولمة وفرض هيمنتها وسيطرتها وجعل منها أمرا محتوما وقدرا مكتوبا لا مفرّ منه.
* في ظل الجوّ المشحون بالعولمة وبالاتجاهات المناوئة لها وفي ظل الصراع الدائر بين توجّه الكوكبة أو الكونية وتوجّه الذاتية والمحلية أو الخصوصية قام تساؤل أساسي"هو هل تحتاج العولمة كظاهرة إلى نظرية أو أطروحة فكرية تبرر وجودها في المحيط الدولي أم تعتمد هذه الظاهرة على فاعلية آلياتها، فالعولمة كظاهرة لها طابع كوني متجاوز النطاقات المحلية والإقليمية تستلزم بالضرورة على مستوى آخر وجود صياغات إيديولوجية متعددة وأطر منهجية لها فلسفة تقوم على دعم توجهات الأحادية القطبية في إطار تبني سياسات النموذج الأمريكي باعتبارها تُعد مرجعية ومعيار لبدائل وخيارات السياسات الأخرى"[4]. وظهر الكثير من المفكرين والباحثين الذين عايشوا الظروف والأوضاع التي صنعت العولمة في الغرب الحديث والمعاصر وفي الولايات المتحدة الأمريكية، وتعاطوا إيجابيا مع سائر الاتجاهات الفكرية والثقافية والفلسفية والنظريات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها التي أسست للعولمة داخل العالم المتقدم وفي خارجه، ومن هؤلاء المفكرين "فرنسيس فوكوياما" و"توماس فريدمان" فكتبا يشرحان الوضع العالمي المعاصر وظروفه المختلفة وحاجة كل شعوب العالم إلى الليبرالية وإلى الحداثة وإلى النموذج الأمريكي في الحياة ثقافيا وفكريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وإقصاء كل النماذج الأخرى التي تعارض النموذج الأمريكي وتخرج عنه، ودعا ضمنيا وصراحة إلى انضمام الجميع إلى أيّة معاهدة أو أيّة مؤسسة تعمل بالنظام العالمي وتنشر العولمة، يقول فوكوياما:"كلما اقتربت الإنسانية من نهاية الألف الثالثة فإنّه يُلاحظ أنّ الأزمتين المزدوجتين للتسلطية والاشتراكية لم تتركا في ساحة المعركة إلاّ إيديولوجيا واحدة محتملة ذات طابع شمولي:هي الديمقراطية الليبرالية، عقيدة الحرية الفردية والسيادة الشعبية. فبعد مائتي سنة من إطلاقها للثورتين الأمريكية والفرنسية، برهنت مبادئ الحرية والمساواة ليس فقط على أنّها دائمة، بل أيضا أنها تستطيع أن تنبعث من جديد".[5] فأطروحة فوكوياما شبيهة إلى حد بعيد بأطروحة الروح المطلق في الفكر السياسي الهيجلي، الروح المطلق الذي تجسد في المملكة البروسية وفي شخص الملك بالذات، والفرق بين الأطروحتين هو ازدهار العقلانية وسعة فضاء المثالية حتى السياسية منها تبركا بالمثالية الأفلاطونية في زمن هيجل، وتقلّص مجال العقلانية والمثالية إلى درجة كبيرة لتفسح المجال واسعا للأداتية والتجريبية والعملية في عصر فوكوياما، عصر العلم والتكنولوجيا لا الدين والفلسفة، قانون الأحوال الثلاث تحقق وتمّ واكتمل لدى مفكر الليبرالية الجديدة فوكوياما والمرحلة الوضعية عند أوجست كونت تُوجت بالليبرالية الجديدة، "ومن البديهي أن يلجأ مفكر الليبرالية الجديدة القريب من دوائر القرار الأمريكية إلى فلسفة هيجل السياسية ليصف الوضع الجديد الذي خلفه انهيار النظام الاشتراكي، باعتبار أن هذه الفلسفة من أهم ترجمة فكرية للتوجهات الرأسمالية، حتى ولو تمنع اختزال هيجل إلى مجرد مدافع عن الإيديولوجية الليبرالية. فأطروحة فوكوياما لا تقدم رؤية جديدة، أو مفاتيح معقولية لحقبة انفصمت فيها الدلالة عن الحدث،وإنّما هي أثر لأزمة نظرية متفاقمة، تحيل في ما وراء مقصده إلى أزمة انسداد آفاق المعقولية التي تنبع في سياق الحداثة من محددات الإنسانية النظرية"الذات المفكرة" والمقاييس الموضوعية في وصف الظاهرة"العلم التجريبي" و"التاريخية الغائبة "مقولة التقدم".[6]
* وزاد في انتشار الفكر الليبرالي الديمقراطي نشوة التفوق ولذة الانتصار، فأصبح النموذج الأمريكي هو أفضل النماذج على الإطلاق، وتعالت الصيحات والدعوات إلى حماية الإرث الأمريكي الحضاري المعاصر من أي عبث أو محاولة تبديد، فهو الإرث الذي شيّد الحضارة المعاصرة وصنع المدنية وحمى حقوق الإنسان وارتقى بالإنسان إلى أرقى الدرجات، هذا ما ينطوي عليه المخيال الغربي الأمريكي ويدعو إليه بقصد أو بغير قصد في الوقت الذي تعيش فيه شعوب العالم الاستعمار بكل أشكاله والاحتلال بجميع أنواعه، والانحطاط بكافة صوره والحروب الباردة والمسلحة، الأهلية وغير الأهلية، النووية والالكترونية، فأيّة دولة في العالم المعاصر هي في حالة حرب أو خرجت من الحرب أو تستعد للدخول في الحرب، وصارت الحرب وما تجرّه من تقتيل وتهجير وتدمير للشعوب هو ميزة العصر وظاهرته الطاغية، والأنظمة في جميع الدول شغلها الشاغل وهمّها الأكبر امتلاك ترسانة عسكرية وحربية ولو كان شعبها في معاناة قاسية من الجهل والجوع والمرض، كل هذا من وراء العولمة التي أعطت الفرصة للقوى المهيمنة بأن تمارس أبشع صور القهر والظلم والاستغلال على الشعوب المستضعفة، باستغلال طاقاتها البشرية ونهب خيراتها الطبيعية، والعمل على تشويه خصوصياتها التاريخية والثقافية باسم العولمة، وباسم تطبيق النظام العالمي وباسم حقوق الإنسان وغيرها من الشعارات الدعائية والمظلّلة.
* ما يحدث في فلسطين وفي العراق وفي الصومال وفي أفغانستان وفي باكستان وفي الشيشان وفي جميع بؤر التوتر ومناطق النزاع في العالم يُظهر بجلاء أنّ شعوب العالم أصبحت أمام عولمة متوحشة شرسة لا تعطي للقيّم الإنسانية الأخلاقية والدينية أيّة أهمية، من عدل وإنصاف ومساواة وتعاون وتكافل واحترام الآخر وصون حقوقه، لأنّها علمانية ذات أساس مادي دنيوي تنبذ كل ما هو مقدس إنساني أو ديني أو أخلاقي، وذات طابع أداتي وبراغماتي يرفع كل القيود عن الحرية الفردية والملكية الفردية ويطلق لهما العنان بغير ضابط أو رادع أو وازع إنساني ديني أو أخلاقي أو غيره، ولا يحفظ سوى مصالح القوى المهيمنة قوى المركز، فالعولمة جرّت على الإنسان المعاصر كل الهموم والشرور، ولا يدري مصيره في جوّها ولا يعلم متى ينتهي نفوذها ويتوقف شرّها.

* إنّ جملة الظروف والأوضاع التي هيّأت للعولمة وأسست لها كما هي في العالم المعاصر تنطوي على الوعي التاريخي الذي أفرزه عدد من العوامل مجتمعة التي كانت وراء منشأ العولمة وتكوّنها، لأنّ لكل عصر هو وحضارته وقوته ظروفه التاريخية ووعيه الحضاري الذي يحدد نمط حياته من كافة نواحيه، والنموذج الغربي والأمريكي الذي تعمل العولمة على تعميمه في العالم أجمع له ظروفه ووعيه التاريخي، لذا فالعولمة لا ترتبط بجانب محدد من جوانب الحياة كما يرى البعض، بل هي ظاهرة فكرية وثقافية لها فلسفتها وسياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية وإعلامية، ارتبط ظهورها وتطورها وتأثيرها في الغرب الأوربي الحديث والمعاصر بالإصلاح الديني والسياسي والتربوي والاجتماعي، وبالثورة العلمية والمعرفية، وبالثورة التكنولوجية والصناعية، وبالتطور الهائل في وسائل الإعلام والاتصال، وفي تطور أجهزة وتقنيات استعمال الحاسوب والإعلام الآلي والمعلوماتية، مما أدى إلى كثرة الإنتاج وتسهيل المبادلات التجارية والتسويق، فتحررت التجارة الدولية عبر الأسواق المفتوحة الخاضعة لقانون العرض والطلب والمنافسة الحرة، وازداد نشاط الاستثمار وتجمعت رؤوس الأموال لدى الشركات العالمية العابرة للقارات، وتنامى دور المؤسسات المالية، وتمّ إنشاء منظمات تجارية عالمية ومؤسسات مالية دولية مركزية مثل اتفاقية ألغات والمنظمة العالمية للتجارة وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي وغيره، في هذا الجو الاقتصادي ومن ورائه الجو العلمي والتقني والسياسي والإيديولوجي للعولمة انفتحت العديد من بلدان شرق أوربا على الغرب وأمريكا اقتصاديا وثقافيا وعسكريا، كما انفتحت العديد من دول العالم النامية بما فيها البلدان العربية على الاقتصاد العالمي وعلى النهج الديمقراطي، بعضها انظم إلى المنظمة العالمية للتجارة وبعضها ينتظر في الطابور ما تسفر عنه المفاوضات، في الجو الذي صارت فيه العولمة تنتشر بسرعة كبيرة توازي سرعة الاكتشافات العلمية والتطورات التقنية حصل تدويل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها لتأخذ بعدا دوليا مثل الفقر والتنمية والتخلف وتلوث البيئة والهجرة وحقوق الإنسان والتسلح والتسلح النووي والحروب وغيرها، وكان ذلك في ندوات ومؤتمرات دولية روجت للعولمة ودعمت الدور الأمريكي لقيادة العالم في ظلها، وارتبطت العولمة في ظل هذه الظروف برؤوس الأموال التي أخذت في تزايد كبير جدّا، وبالتطور التقني في الاتصال والإعلام والنقل بمختلف أنواعه مما اختزل بشدة الزمان والمكان، وبسهولة إنشاء شبكات الروابط الثقافية والعلاقات السياسية والتعاون الاقتصادي والعسكري، فانصب اهتمام العولمة على تعميم استعمال واستغلال الرأسمالية اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، وردّ قيادة ذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتعميم استعمال ثورة التقنية والمعلومات والاعتماد عليها في مختلف ميادين الحياة.
* لما صارت قيادة النظام العالمي الجديد بيد الولايات الأمريكية تمّ تسخير كل الإمكانيات المتاحة واستعمال كل الأساليب المشروعة وغير المشروعة لفرض الهيمنة والسيطرة على العالم، ومنها تأسيس التكتلات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، واستغلال النفوذ في توظيف الشرعية الدولية وأدواتها السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية والعسكرية، لتمرير مخططات العولمة، وللوقوف في وجه أيّة معارضة من شأنها تعيق الأمركة المتصهينة ونفوذها العالمي، كما تمّ دعم أنظمة الدول وحكوماتها التي انفتحت على العولمة والأمركة، وفرض التوقيع على المعاهدات السياسية والأمنية وكل أنواع الحصار والعقوبات على البلدان التي تعارض العولمة والأمركة والاحتلال الإسرائيلي الصهيوني للأرضي العربية الفلسطينية، واستخدام وسائل الدعاية والإعلام والاتصال المعاصرة لنشر ثقافة العولمة والأمركة، مع الانفتاح الأمريكي والغربي عامة في مجال البحث العلمي على استقبال البعثات الأجنبية وازدياد مؤسسات البحث والدراسة المخصصة لغرض توسيع دائرة فكر العولمة وثقافتها عبر مختلف أقطار العالم، وتمّ الحرص على اختراق الدولة الوطنية والقومية والحدود الإقليمية والحدود الجغرافية والسياسية المتعارف عليها، اختراق الدولة الوطنية سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعسكريا لتصبح تابعة للعولمة والأمركة المتصهينة، وذلك بتوظيف أسس الديمقراطية ومبادئ اقتصاد السوق وأدجلتها وفق مصالح وأهداف سياسة العولمة ومن ورائها مصالح وأهداف الولايات الأمريكية، من دون مراعاة مصالح بلدان العالم الأخرى خاصة البلدان النامية وبلدان العالم العربي والإسلامي التي تُسلب أراضيها وتُنهب خيراتها البشرية والطبيعية بدون مرحمة في عالم لا يعرف فيه الكبار أبدا المشفقة على الصغار.





[1]- السيد يسين: العرب والعولمة، ص 27.

[2]- المرجع السابق: ص27-28.

[3]- المرجع السابق: ص 33- 34.

[4]- محمد حسين أبو العلا: ديكتاتورية العولمة، ص 169.

[5]- فرنسيس فوكوياما: نهاية التاريخ والإنسان الأخير،ترجمة فؤاد شاهين، ص 68.

[6]- السيد ولد أباه: اتجاهات العولمة، ص 151.