«الوحل»
وقائع حياتية وعاطفية في مسار واحد
والنهوض بالعمل الحزبي والنضال في مسار آخر!!


/ الوحل/... رواية جديدة للكاتب /د. اسكندر لوقا/ صادرة عن دار طلاس 2006- جاءت بـ/112/ صفحةً من القطع المتوسط... تظهر فيها سمات الرواية وخصائصها بكل جزئياتها... ابتداءً من الموضوع الى العرض...المعنى... الشخصيات- الاسلوب- النهاية... جمعت بين الرواية الاجتماعية والسيرة الذاتية لبطل الرواية ، الذي جمعته مع الكاتب صداقة حميمة، عمرها سنوات، لذلك كانت هذه الرواية واقعيةً بكل ما فيها من تشابكات الاحداث وذروة العقدة، اتصفت بالصدق والشفافية والايحاء والاثارة، وبدا عنصر التشويق واضحاً، وقد جاء في النهاية متزامناً مع تلاشي العقدة ، والكشف عن تفاقم الحدث واقتحامه مجريات الاحداث مع الشخصية الرئيسية ( سمير)....
بدأ الكاتب الرواية بعرض النهاية عبْر « الخطف السامي »، ثم تسلسلت الاحداث تباعاً ضمن تنوّع المراحل الزمنية، وتزامنها مع التنوّع المكاني الذي تابع مسار الرواية، وتنقُل الشخصيات ، وبغض النظر عن معنى الرواية او مغزاها، فهي رواية توثيقية لمرحلة زمنية هامة من تاريخ سورية الحديث ، وتطوّر الحياة العملية فيها، فوّظف الكاتب بداية النهوض بالعمل الحزبي واشراك البطل فيه مع الكاتب، خطّت سطورها وصفاً لدمشق ، وكيفية الحركة فيها من خلال حيوية الشخصيات وحركتهم المتتالية ، التي لازمتهم عبر المغامرة الحدثية.... وقد وظّف الكاتب نهج / العقاد/ في تصوير نفسية البطل « وانتقاء صور من مخيلته لحوادث مؤثرة في حياته لعرض الشخصية بكل دقائقها وخطوطها وتموجاتها عبر مداخلات المونولوج الداخلي « واللجوء الى النجوى وحديث الذات لاتخاذ القرارات المصيرية الهامة تميّزت الرواية بتجسيد الشخصيات الرئيسية و(البطل - الأب- الأم) واضهار الشخصيات الثانوية التي أدت دوراً هاماً بتشكيل الاحداث وتصويرها مثل شخصية الصديق أحمد والحبيبة ربيعة، إضافةً ًالى وجود شخصيات هامشية لم يكن لها اثر كبير في الاحداث مثل العمة وابنتها كلارا ، وإنما وُجدت لاستكمال الحدث ....
اعتمد الكاتب على العرض التقليدي في المجريات ، وكانت لغة الحوار واضحةً لاسيما في مرحلة الاستجواب ، وغدت عنصراً فعّالاً في نقل المشاهد التي بدأت بالتمهيد ثم العقدة.. النهاية... لكن في هذه الرواية كُشف السر وبقي الحل غامضاً، عودةً الى المقدمة لاستنباط النهاية الحزينة، تميّز الكاتب ببساطة العرض والبعد عن الاستطرادات واسلوب المواعظ، وبتخيّر الألفاظ المناسبة ، أما لغة الرواية فكانت قويةً صحيحةً ، نُسجت تراكيبها باحكام وتسلسل متين، تهاست احياناً مع رقة الحدث وشفافيته، وعادت متجانسة معه في مواقف أخرى... نقرأ بين سطورها الجرأة بطرح الموضوع الاساسي ،وهو الخيانة الزوجية وانعكاسها على الأبناء ... ونقرأ الحب والصداقة والاندفاع الشبابي ، وقد تجلت الجرأة باظهار التسلق الوظيفي، والنجاح بالوساطة واسقاط المحسوبيات على الحياة الواقعية.... والشيء الهام وجود الكاتب خلف الستار كقاعدة اساسية للاحداث تتدخل وقت اللزوم... وبناءً على ما يفرضه الحدث... بدأت سطور الرواية بقراءة الكاتب نبأ وفاة البطل سمير في احدى الصحف « منذ بضعة اشهر فقط قرأتُ نبأ في صحيفة محلية آلمني جداً، بنبىء بوفاة سمير عن عمر يناهز الخامسة والسبعين..» ص7 ثم توالى تسلسل الاحداث من صوت ضمير المتكلم للبطل ، طفل صغير يعيش مع أمه وأبيه الذي يشرب حتى الثمالة، يكتشف خيانة أمه لأبيه مع رجل غريب يأتي الى المنزل خلسةً في غياب الأب ، يواجهها بالحقيقة ، فتطلب منه ألا يُخبر أباه، يُفاجَأ بعودة الأب وبكائه على سرير ها عندما يكتشف موتها منتحرةً في اليوم التالي ربما حدث ذلك خوفاً من مواجهة ابنها... او خشيةً من معرفة الأب... وقد تكون فعلت هذا لاعترافها داخلياً بالاثم والتكفير عنه ....« في تلك الليلة عاد والدي من عمله في ساعة متأخرة نسبياً ، وكنتُ يقظاً في سريري ، انتظر قدومه...كنت أخشى حدوث شيء مما اشارت اليه والدتي ، اذا هي قالت شيئاً يتعلق بعلاقتها مع الرجل الغريب .... تطلعت من ثقب الباب ...ورأسه الوسادة قريباً من رأس والدتي ، كان قد وجدها ميتةً...» ص8-19، ثم تُظهر السطور المتتالية محبة الاب للأم وتعلقه الشديد بها، وحزنه عليها لدرجة انه لم يعد يفكر بالزواج ثانيةً وامتنع عن الشراب ، وفرّغ نفسه لتربية ابنه الاوحد، وزرع في اعماقه محبة العلم والاخلاق الحميدة ، تناوبت حياة سمير بين ابيه وعمته وابنتها في القامشلي والمدرسة الداخلية ، وكانت دائماً تراوده صورة الخيانة محاولاً الاستفسار عن معناها من عمته « عمتي ما هي الخيانة؟؟» كيف يخون انسان انساناً آخر أحبه...» ص27 ، وانقطع عن زيارة قبر والدته ، دون معرفة والده السبب ، أُصيب البطل بصدمات داخلية عندما فاز زميله بالمرتبة الاولى عوضعاً عنه بسبب مكانة ابيه، ونجاح صديقه سميح بمقرر التاريخ بالوساطة الذي تسلق فيما بعد وتبوأ مكاناً مرموقاً.... « لم يكن هذا الحدث شيئاً لا معنى له في حياتي ، كنتُ اتصوّر أن المدرسة قطعة من ارض الوطن غير ملوّثة » ص46 ، فيما بعد تجاوب سمير مع النوازع الوطنية وانخرط بالمظاهرات ضد الاحتلال الفرنسي ، وتوزيع المنشورات رغم معارضة والده وخوفه الشديد عليه:« كنتُ اتابع المشهد من حولي بشغف وبحماسة ورغم تنبيه ابي المتكرر لي بأن ابقى بعيداً عن المشاكل ..كما كان يسمّي مثل هذه الاحداث ، الا أنني لم أفارق مكاني ...» ص49 وبعد الاستقلال خطّت الاحداث مرحلة زمنية جديدة من تاريخ سورية، مرحلة تأسيس الحزب ... لم يكد يمضي شهران او ثلاثة اشهر على انتسابي الى الحزب حتى بدأتُ اسمع بأن الحزب يعارض الحكومة...» ص60 ... وفي احدى المظاهرات ألقي القبض على سمير وتم استجوابه وسُجِن بالغرفة الافرادية ، لكنه كان صامداً قوياً رغم كل شيء...
« ما خطب هذا الزمن ؟ لماذا تشتمه؟
لأنه اوصلنا الى ما نحن عليه اليوم؟؟
نحن من ؟ من تعني؟؟
نحن نريد معرفة ما يتعلق بجماعتك؟؟ ص67
وفي السجن تعرّف الى نديم ، واستمرت بينهما المناقشات حول اهداف الحزب وقيمه ومبادئه، مما انشأ صداقةً جعلت نديماً يحدثه عن حبيبته هند، وهنا تدخل الكاتب ليبيّن جذور العقدة المتأصلة في نفسية سمير واقتناعه بخيانة المرأة ، فزرع بذور الشك عند نديم تجاه حبيبته وغدا يفاجئه بأسئلة متلاحقة « ماذا تعرف عنها؟ وضحّ كلامك
ما دمتُ لا اعرف عنها شيئاً .، فماذا أوضح ؟؟؟ ص72
ثم خرج سمير من المعتقل... وتابع دراسته وحصل على اجازة في الحقوق فطلب منه والده البحث عن شريكة حياته ، فعادت الى ذاكرته صورة ربيعة الطالبة في قسم اللغة الفرنسية ، واتخذت الرواية منحىً آخر، اكثر رومانسيةً وشفافيةً في اللغة والاسلوب ، ورفرف جناح الحب وحطّ على اسطرها... فغدت اكثر دفئاً واكثر جمالاً... « ابتسمت كأن القمر أضاء السماء فجأةً وهي ملبدة بغيومها البيضاء.... كان الثلج ينهمر بغزارة في الخارج، وكانت حباته الكبيرة تصطدم بزجاج النوافذ، وتنزلق عليها ، كأنها في مشهد سيرك او مهرجان...» ص 79، ثم توالت اللقاءات الافرادية بين سمير وربيعة دون علم أحمد، وأحسّ سمير بعاطفة جامحة تشده اليها مما جعل احمد يشعر بهذه العاطفة، ويلاحظ خيط الحب المتنامي بين سمير وربيعة، وهو الذي عرفهما الى بعضهما كأصدقاء، فتتشابك الاحداث ، وتتنامى عندما يرسم القدر المثلث العاطفي لهم فيقطع احمد علاقته بسمير نهائياً ، ويترك سمير العنان لعواطفه تسرقه وتأخذه الى عالم الحب ، يحلق به بعيداً عن فضاء حياته... لكن هذا الحب اصطدم بتاريخ حياته وذكرياته « كما التاريخ هو التاريخ ، المرأة هي المرأة ....» ص 89 ، فقطع علاقته بربيعة رغم محاولاتها المتكررة... إلا ان فقدت الامل منه وقرأ ذات يوم خبر زواجها من أحمد ، الذي لم يستطع مقاومة الحب الطاغي الذي يسير بالانسان الى حيث لا يدري ... « كنتُ واثقاً من أنني لستُ سوى عابر سبيل في صحراء حياتها ، يبحث عن ذاته بين الرمال وحول كثبان هضابها المتحركة، ولستُ ادري لماذا ارتسمت تلك الصورة في ذاكرتي البصرية...» ص 99 وتلوح بين السطور صورة النهاية غير المتوقعة وتتلاشى العقدة ليخبو بريقها عندما يعترف الاب لسمير بأنه ليس ابنهما الحقيقي ، وأنه من ملجأ الايتام احضراه لعدم قدرة الام على الانجاب ، وهنا يتغير الحدث عندما يُصعق البطل بالخبر ويدور الحوار الشائق بينه وبين الأب اثر تصميم سمير معرفة الاجابة من الأب «لماذا لا يوجد لي أخ او أخت...».
« احس الآن بأنني انسان ضائع ...انسان بلا ماضٍ ولا حاضر ولا مستقبل...انسان وُجد على سطح الكون بطريق الخطأ...» ص105
هذه النهاية عمّقت العقدة المتجذرة في نفسية سمير الذي بقي وحيداً لم يتزوج ، مات وحيداً...ولم يستطع اخماد الذكريات المؤلمة.. حملت الرواية ملامح الشخصيات الايجابية والسلبية في آنٍ واحدٍ... وتشاركت في تطوّر الاحداث ، وبدت المرأة بصورة سلبية رغم تكرار صورها وادوارها ... وبقي البطل المحور الاساسي للعمل موضع اللغز والاستفسار.. فربما اراد الكاتب بعنوان الوحل الغرق بالوحل ... الغرق بالمشكلة ، او الغرق بالمتاهات والمشاعر التي تودي الى التهلكة ...رواية الوحل حزينة من معناها العام ، لكنها غنية بالتجارب والمؤثرات من نواحٍ متعددة ، حزينة برسم معالم الحبّ والخداع والخيانة بكل اشكالها.. وعميقة برسم الحلم الذي يصبج هاجساً للشخصيات ...وكذلك اوحى الغلاف بلونه الترابي ورسمه صورة امرأة بعيدة ترمق الاحداث، وصورة مئات المناضلين بتداخلات الاحداث وغنى المعاني والافكار ودائرة الحزن المغلقة.....

ملدا شويكاني-جريدة البعث السورية