بسم اللَّهِ الرحمن الرحيم أحمد الله مولي النعم، ومقدرها في القدم، الموصوف بالعطاء منا منه والكرم. وصلواته على محمد النهاية في العظم، وخاتم الرسل إلى الخلائق والأمم،وعلى آله المخصوصين بأحسن الشيم وأحكم الحكم، وصحبه ناصري الإسلام ومظهريه في العرب والعجم.السلام عليكم و رحمة الله وبركاته
بقلم وليد مهدي
قد لا يبدو على الفيزياء ، كعلم مستقل ٍ متخصص ، أي ملامح تخلف أو تراجع خصوصاً لدينا نحن في دول العالم النامي ( الثالث ) ، إذ لا نرى أي قصورٍ في جانب مهم وحيوي منها وهو الجانب النظري .
ففي الفترة التي تقع بعد انتصاف القرن العشرين وبداية القرن الحالي ، ومقارنة مع تطور النظريات في القرون الأربعة الماضية ، يظهر التطور التكنولوجي ( التقني ) وقد غطى على تراجع كبير في الفيزياء النظرية ، فالشعور العالمي السائد هذه الأيام أن العلم في وتيرة تطور صاعد ، وهذا صحيح في جانب معين ، وهو جانب الاستفادة من تطبيقات الفيزياء النظرية التي أنجزت في القرن التاسع عشر فيما يتعلق بالكهرومغناطيسيات وما أنجز في مطلع القرن العشرين بالنسبة للعلوم الذرية وما تحت الذرية ، لكن في الجانب الآخر، الفيزياء النظرية تراوح مكانها منذ نظرية الكم Quantum Theory في الثلاثينيات من القرن الماضي ..!

الفيزياء ، تستبطن مشاكل " إجرائية " مستعصية ، لكنها مهما تعاظمت تبقى بعيدة عن مسرح حياتنا اليومية ، كونها لا تمثل " ثقافة " يمكن لعموم المجتمع تحصيلها ، خصوصاً في عالمنا العربي و الإسلامي ..

ما نريد الحديث عنه عبر هذا الموضوع هو الإشارة إلى حقيقة وجود خطين متعامدين للتطور العلمي عبر كل مراحل التاريخ :

الأول : المعرفة النظرية للقوانين التي تحكم الطبيعة
الثاني : التطبيقات التقنية لهذه القوانين

فالنوع الثاني من التطور العلمي يعتمد بوجوده على الأول ، الأزمة الخفية في الفيزياء تتمثل في توقف تطور النظريات المعرفية منذ خمسينيات القرن العشرين تقريباً ...!
فآخر نظريات الفيزياء التي تعتمد عليها تقنيات الحاضر هي نظرية الكم Quantum Theory
وهي نظرية تكاد أن تكون مقفلة منذ ذلك التاريخ ، يمكن اختزال " المعرفة Knowledge " و " التقنية Technique " بمخطط ، فتكون المعرفة بشكل السهم العمودي في تطوره مع الزمن ( سهم صاعد للاعلى) وقد توقف في حدود تفسير المجال والفضاء زمن Space Time منذ العام 1916 م ، والذي فسرته النظرية النسبية على إنه يمثل الثقالة ( قوة الجاذبية Gravitation Force ) التي أضحت تشوهاً هندسياً في هذا المتصل رباعي الأبعاد الذي يشكل الأساس الذي خلقت منه الطبيعة ..

لكن ، التقنيات ، السهم الأفقي في تطوره مع الزمن أيضا ً ورغم تطورها الكبير والذي لم يتوقف كسابقه إلا إنها تمثل نمواً في بعد ٍ واحد للعلم ، فالمنحنى السابق ، بين العمودين يمثل العلم بكليته النظرية والتطبيقية ، يمكن متابعة توقف مساره العمودي ومحافظته على التنامي الأفقي فقط مع الزمن من تطور تكنولوجيا المعادن والمحركات و الكومبيوتر والليزر و النانو وكلها حقول تطويرية في العلم ، لكنها ليست " روح " العلم الجوهرية :

المعرفـــة
و التي تمثل تنامي السهم العمودي وتوقفه في حدود دراسة المجال.

التطور الأفقي للعلوم كانت دوافعه في الغالب حربية تسليحية لدى الدول العظمى خصوصاً بريطانيا و ألمانيا النازية والاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة .. واليوم وبعد نهاية الحرب الباردة ، أصبحت دوافع العلم تجارية صرفة ، ما يبرر نزوع المؤسسات البحثية للتفكير بالثروة عبر تطوير تقنيات الأجهزة والمعدات لتحقيق مكاسب مالية .

آخر نظرية مطروحة الآن للمناقشة في الفيزياء هي نظرية الخيوط الفائقة Super String ، فيما يتعلق بمكونات القسيمات الأولية للعالم دون الذري باعتبارها كمات من الطاقة المتذبذبة في الفراغ والبنية الهيكلية الكونية ، وهي امتداد لنظرية الكم وتحاول توحيد القوى الطبيعية الأربع في صياغة واحدة ، وكذلك توجد أبحاث ودراسات متعددة حول الثقالة الفائقة ( الجاذبية الفائقة Super Gravity ) وسيناريوهات التضخم الكوني Inflatory cosmos التي تحاول احتلال مكانة نظرية الدوي العظيم Big Bang التي فسرت نشوء الكون ، وهي كلها لا ترقى إلى التجارب المخبرية الناجحة التي عادة ما تعطي الضوء الأخضر في تسارع تطور التقنية في شكل غير مسبوق مثلما حدث مطلع القرن العشرين ..
فنظرية النسبية العامة هي أساس استغلال الطاقة النووية ، ونظرية الكم هي أساس تطور العلوم الإلكترونية والليزر والاتصالات و الرقميات والكيمياء..
فتطور التقنيات الهائل الذي يساعد على إجراء التجارب في ظروف مختلفة يخفي تحت معطفه البراق عجزاً عن معرفة ماهية " الطاقة Energy " وإمكانيات التحكم بها حتى اللحظة..!

فهل تدرك حكومات العالم حقيقة أن صرعة تطور العلوم في بعد واحد ، التي فتن بهرجها البشر ، هو تطور لا يتناسب مع توقف الفيزياء النظرية وغموض العالم الكمي Quantic World الزاخر بالطاقة ؟
فمسألة ماهية الطاقة التي يحملها " المجال " مثل المجالين الكهربائي و الثقالي ( الجذبي ) ، وكذلك حوادث الفضاء زمن رباعية الأبعاد ، وظاهرة الثقوب السوداء ولغز الشحنة الكهربائية و الأقطاب المغناطيسية لا تزال عصية على الفهم الموضوعي العملي ، ولو أمكن فهمها ودراستها بدوافع " أخلاقية " كما كان يفعل العلماء في السابق لكان العالم مختلف تماما ً ..

قد يغيب عن الكثيرين أن المجال المغناطيسي ورغم وجود قوانين عامة عن كيفية استخدامه معظمها من منجزات القرن التاسع عشر ، إنما نستخدمها اليوم دون ان نعرف ماهية هذا المجال وعلاقته مع مجال الجاذبية ..؟؟!
فالمجال الكهربائي هو الأساس في توليده الذي يسبب المغنطة في المعادن ، وهذه الأخيرة تولد الكهرباء والموجات الكهرومغناطيسية وبالتالي ، المجال الكهربائي يعد الأساس في توليد الطاقة التي تسيـّـر عجلة الحضارة في هذا الزمن ، مع ذلك ، ورغم كل التطورات الأفقية الكبيرة في التقنيات أو ما نسميه شيوعاً " التكنولوجيا " فإن هذا المجال لغز لم تفك أسراره بعد ، وحصولنا عليه إنما يعتمد على تحريك الشحنات الحاملة له بواسطة الطاقة المتولدة من الوقود الاحفوري في الغالب ، خصوصاً البترول .

فالعالم المشغول بالحروب من أجل البترول الذي يزود آلاتنا الهيدروليكية والكهربائية بالطاقة ، يتغاضى في نفس الوقت عن حقيقة أن إكمال طريق المعرفة النظرية بتبسيط المعرفة لا تعقيدها هو الأساس في توليد الطاقة ، وان الجشع المادي ، وربما الرفاهية ونعومة الحياة وتعقيدها في الغرب هي التي أدت إلى " توقف " الزمن المعرفي وتحول علماء الفيزياء في الغرب إلى مجرد تقنيين وفلاسفة منظرين لنظريات المجال الموحد والقوة العظمى والخيوط الفائقة وغيرها من نظريات معقدة غير قابلة للاختبار أو التجريب مطلقا ً ، وربما يكون هذا طبيعياً ، وقد تكون هذه سنة الذين خلوا من قبل ، فكلما تعقد الواقع و أصبح مادياً ، كلما زاد التعقيد في تفكير علماء الغرب واتجهوا اتجاهات مادية ..!

على سبيل المثال ، النظرية النسبية العامة ، و التي جعلتنا نتحكم في الطاقة النووية تقول :

طاقة الجسم المتحررة من كتلته تساوي هذه الكتلة مضروبة بمربع سرعة الضوء ...!

E = M.C^2

فيما نظرية الخيوط الفائقة Super string Theory اليوم تتمثل بمئات الصفحات التي تحتوي على تكاملات واشتقاقات رياضية لتفسير علاقات القوى الأربع في أحد عشر بعداً منها أربعة هي أبعاد المكان والزمان !
هل يمكن مقارنة تعقيدها مع بساطة معادلة الطاقة ..؟؟

ربما كانت الحاجة هي أم الاختراع ، وحاجة البشر في القرون الماضية كانت محدودة ، وكان هناك من العلماء من كان يدرس العلم لأجل العلم لا لأجل المال مثل نيوتن واينشتاين وماكسويل ، أو ربما كانت لديهم طموحات الثراء والشهرة إلا إنها لم تطغى على حساب المعرفة .

فالنظرية النسبية العامة لم تظهر في عصر الرفاهية ولا حتى ضوء الكهرباء كان منتشراً ، وكذلك معادلات ماكسويل وقوانين كولوم وقوانين الجاذبية لنيوتن ، كانت تنجز من قبل أولئك العباقرة الذين أنجزوا المكتشفات الجبارة على ضوء المصابيح الزيتية والشموع ، ليدفعوا بالبشرية إلى عصر الفضاء والانترنت ..
أما عباقرة اليوم في أميركا وأوربا ..
فرغم تطور التكنولوجيا الهائل الذي أنجزوه لزيادة رفاهيتهم ورفاهيتنا ، لكنهم لم يتقدموا على ماكسويل واينشتاين و شردنجر و هيزنبرك خطوة واحدة ..!
لا يزالون تلاميذاً في مدرسة هؤلاء العظماء ، و الأمر من هذا ، بدلاً من ان يقودوا البشرية نحو الكشف في أغوار المادة والفضاء عن حقيقة الطاقة وسبل السيطرة عليها ، وظفوا إمكاناتهم لدعم الحروب الغربية ، وطموحات المجد الشخصي ، و التي أسهمت في تطوير التقنيات بشكلها الأفقي في عالم اليوم .

فالحرب العالمية الأولى كانت البداية لتطور علوم الطيران والرادار والاتصالات والتي حققت قفزات عملاقة في الحرب العالمية الثانية ، وهنا نلاحظ بداية تراجع المعرفة وحلول التكنولوجيا محلها ، فلولا الحرب الباردة في القرن المنصرم على سبيل المثال لما ظهر " الإنترنت " الذي كانت تستخدمه المخابرات الأمريكية ..
ولا ندعي أن هذه المنجزات ، وجلها أنجزت لأغراض عسكرية تحولت فيما بعد للخدمة المدنية إنها غير ذات نفع ، ولكن ، هناك أزمة جوهرية في الفيزياء كانت السبب وراء كل الأزمات التي تلف العالم وكانت السبب في وقوع البشرية بمشاكل عديدة و أهمها :

• الحروب التي تقودها أميركا في سبيل السيطرة على موارد الطاقة
• الأزمات الاقتصادية
• مشكلة التلوث المناخي ...

قد لا يبدو واضحاً ، أن تطور الحضارة لا يمكن ان يسير دون تطور المعرفة ببعدها العمودي النظري ، لكن تدقيق وتتبع طرق الحصول على مصادر الطاقة يجعلنا ندرك أن تطور الفيزياء بوجه التحديد هو المفتاح لكل مشاكل العالم ، ولا يمكن أن يستمر هذا التطور في الخط الأفقي التطبيقي العسكري بالدرجة الأساس والتجاري بدرجة ثانوية.. لابد من حدوث وثبة جديدة في المجال النظري لحل مشاكل الطاقة والتلوث و إلا فالبشرية مقبلة على مشاكل لا حصر لها يؤدي تراكمها إلى كوارث غير محسوبة العواقب .
المصدر
http://www.startimes.com/f.aspx?t=22413834