منتديات فرسان الثقافة - Powered by vBulletin

banner
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: المنسية

  1. #1

    المنسية

    المنسية
    بقلم عبد القادر كعبان
    -1-
    دخلت إلى منزلي بعد وجع روتيني قاتل بتلك المؤسسة.. عقارب الساعة الجدارية تقف على تمام التاسعة.. عواء بطني دفعني للتسلل إلى المطبخ كهرة جائعة.. فتحت الثلاجة.. شبه فارغة.. حبات بيض وجبنة و عصير للفواكه.. فجأة شعرت بعطش شديد.. أخرجت مشروب الفاكهة وعدت لأبحث عن كأس زجاجي.. دون انتباه وقع الكأس مني متناثرا على أرضية المطبخ.. فزع شديد أنساني شبح الجوع.. شعرت بحرارة شديدة بالمكان.. خطوت نحو النافذة لأفتح الزجاج.. نسمات من الهواء العليل تداعب خصلات من شعري دفعتني لأرى ذلك السكون المخيم على ذلك الحي.. وقفت لدقائق.. سمعت صوتا منبعثا من قريب.. كأنه صوت امرأة تستغيث.. تساءلت بيني وبين نفسي:
    - من تراها صاحبة ذلك الصوت؟!
    للحظات.. إختفى ذلك الأنين الأنثوي.. عدت و أغلقت النافذة متناسية الزجاج المكسور على الأرضية.. تواصلت درجات الحرارة بالارتفاع.. أسرعت للاستحمام متناسية همومي اليومية..
    -2-
    أيقظني رنين المنبه كعادته.. تمام السادسة و النصف.. يوم جديد ينتظرني بالمؤسسة.. أسرعت بالدخول إلى الحمام.. أقبلت على حمل فرشاة الأسنان بداخل ذلك الكأس الزجاجي.. فاجأتني المرآة لتذكرني بتلك الصورة الواقعية.. كأس من زجاج مكسور على الأرضية وذلك الأنين المنبعث من وسط الحي.. أسرعت إلى المطبخ متناسية الفرشاة.. الزجاج لا يزال موجودا بمكانه.. استوقفتني الذاكرة للحظات تذكرني بذلك الصوت.. فتحت النافذة.. وقفت من جديد متسائلة:
    - من تكون صاحبة ذلك الصوت؟!.. من تراها تلك المنسية؟!
    فاجأني صوت داخلي يستهتر بي قائلا:
    - أظنك أنك أنت هي المنسية وسط حي يتخبط سكانه في انشغالاتهم الروتينية.. بل بات يطاردهم شبح الرغيف اليومي.. وجدتني أعمل على جمع زجاج الكأس المكسور دون مبالاة متناهية.. للحظة تذكرت أنه علي الإسراع إلى مقر العمل فاليوم سيعقد اجتماع مهم.. أسرعت إلى غرفتي.. لبست ثيابي و إنتعلت الكعب العالي.. حملت حقيبة يدي.. قبل مغادرتي تذكرته.. عطري المفضل "ورود حمراء".. عدت لأضعه ثم خرجت أعدو مسرعة..
    -3-
    وجوه و أجساد متعبة متناثرة هنا و هناك بحي يلبس ثوب النسيان.. أسرعت الخطى على أمل أن أجد تاكسي.. أوقفت أحدهم بصعوبة.. استوقفتني تلك العجوز الشقراء تبتسم لي بشفتيها المغلفة بالاحمرار..
    جلست بجانبها.. نظرت من خلف زجاج السيارة و أحسست بشعور غريب.. عدت و استدرت نحوها مبتسمة.. بدت لي الصور الواقعية غير مفهومة.. كأس زجاجي مكسور.. أنين امرأة منسية.. عجوز شقراء مبتسمة.. بدت تلك الأحداث غير مفهومة لي.. كما لو أنني كنت أحلم.. عدت لأنظر إلى ساعة يدي.. تنهدت فور انتباهي أن الوقت لا يزال مبكرا على انعقاد الاجتماع.. استعرضت بخيالي وجوه ذلك الحي المنسية.. لكن سرعان ما تراجعت خوفا من أن أسمع ذلك الأنين مجددا.. قاطعت شرودي تلك العجوز و هي تقول:
    - باتت الحياة كجسد يحمل ذاكرة موجوعة.. روح تعيش وسط فوضى من الحواس.. بل الكل صار يعبر جسر الحياة كجسد و روح ممد على السرير كفنه النسيان..
    دون شعور مني قلت:
    - آه! إنك على صواب..
    وقبل أن أضيف كلمة توقف التاكسي فجأة.. نزلت وهي تبتسم برقة متناهية.. لم تدعني أقول شيئا.. غادرت و تركتني متقلبة الأحاسيس.. واصل التاكسي طريقه متناسيا تلك العجوز المبتسمة..
    وقفت لأفكر في تلك الجملة الغامضة (باتت الحياة كجسد يحمل ذاكرة موجوعة..).. موجة من الأحاسيس الغريبة عصفت بروحي.. ذكرتني بذلك الأنين الذي سمعته البارحة.. تساؤل عجيب انفلت من أعماقي:
    أيعقل أن يكون ذلك الأنين مصدر جسد يحمل ذاكرة موجوعة؟.. أيمكن أن تكون تلك المرأة (صاحبة الأنين) تحتضر كفراشة منسية وسط ذلك الحي؟.. تذبذبت مشاعري لعدم وصولي إلى جواب عن تلك الأسئلة..
    وصلت أخيرا إلى نفس المكان الذي أرتاده يوميا.. سلمت الأجرة لصاحب التاكسي.. نزلت مسرعة تقودني خطواتي..
    -4-
    دخلت مسرعة إلى مكتبي.. نسيت إلقاء التحية على الجميع.. نظرات غريبة ترمقني من بعيد.. جلست لأفكر فيما يحدث من حولي.. كنت بحاجة لشرب القهوة.. رفعت السماعة لأطلب فنجانا.. قاطعتني السيكريتيرة:
    - هاي.. رئيس القسم ينتظر الأوراق قبل البدء بالإجماع..
    تنشقت بعمق رائحة عطرها الأجنبي.. غادرت مكتبي وهي تخطو بكعبها كالمتحررة.. أسرعت لفتح حقيبتي متناسية طلب فنجان القهوة.. انتفضت فجأة عن الكرسي.. تمتمت:
    - الأوراق باتت هي الأخرى منسية..
    لم تبق لدي أي رغبة في العمل.. تساءلت بيني و بين نفسي:
    - ماذا سأقول لرئيس القسم؟!
    للحظات أوقفتني الذاكرة أمام صورة تلك العجوز المبتسمة و هي تقول:
    ( باتت الحياة.. روح تعيش وسط فوضى من الحواس..)
    أيقنت في أعماقي أنها محقة.. كنت فعلا أعيش حالة فوضى من الحواس.. بل تائهة المشاعر بين تلك الصور الواقعية..
    عاد الصوت الداخلي مستهترا من جديد:
    - تناسيت طلب فنجان القهوة هذه المرة أيضا..
    تأوهت دون أن أشعر:
    - آآآه..
    فاجأني رئيس القسم يقف أمامي غاضبا:
    - لا زلت أنتظر حضرتك..
    أجبته بكلام غير مفهوم:
    - الكل صار يعبر جسر الحياة كجسد وروح ممد على السرير كفنه النسيان..
    كانت هي آخر ما ختمت به تلك العجوز التي جمعتني بها الصدفة اليوم.. ولكن ما أثار انتباهي هو ما حدث للرئيس.. أحسست بتغير نظراته الغاضبة.. خيل إلي أنه يرى فيها تلك العجوز الشقراء المبتسمة.. وددت لو أسأله عن السبب الذي دفعني لأتفوه بتلك الكلمات.. استأنف كلامه بعد برهة صمت:
    - سيلغى الاجتماع إلى حين عودتك بالأوراق المنسية..
    هوى قلبي من إثارة تلك الكلمات.. حملت حقيبة يدي مسرعة.. خرجت مندفعة متناسية من جديد تقديم الاعتذار.. علا صوتي:
    - سأرجع بعد إحضار تلك المنسية..
    صوت أشبه بأنين انبعث من حنجرته استوقفني للحظة:
    - كنت محقة.. ما قلته عن حياتنا اليوم بات صحيحا..
    عدت و ابتسمت في وجهه ابتسامة بارقة كتلك العجوز، ثم غادرت و تركته متقلب الأحاسيس مثلي..
    انتهت..


  2. #2
    قاص ومترجم
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    الدولة
    المغرب
    المشاركات
    1,153

    رد: المنسية

    نص ممتع وجميل
    سرد سلس بلا تكلف وبناء فني متماسك
    شكرا

  3. #3

    رد: المنسية

    السلام عليكم
    حقيقة بات لك مسار في عالم القصة مميز ورائع
    اتمنى لك التوفيق دوما
    تحيتي لك وتقديري
    [align=center]

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    ( ليس عليك أن يقنع الناس برأيك ،، لكن عليك أن تقول للناس ما تعتقد أنه حق )
    [/align]

    يارب: إذا اعطيتني قوة فلاتأخذ عقلي
    وإذا أعطيتني مالا فلا تأخذ سعادتي
    وإذا أعطيتني جاها فلا تأخذ تواضعي
    *******
    لم يكن لقطعة الفأس أن تنال شيئا ً من جذع الشجرة ِ لولا أن غصنا ً منها تبرع أن يكون مقبضا ً للفأس .

المواضيع المتشابهه

  1. الأنسجة الرابطة Connective Tissues
    بواسطة ندى نحلاوي في المنتدى فرسان الطبي العام .
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 10-11-2014, 04:09 AM
  2. مجزرة الدوايمة المنسية
    بواسطة د.غازي حسين في المنتدى الدراسات الاسرائيلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 11-06-2013, 10:29 PM
  3. مجزرة مخيم برج الشمالي المنسية
    بواسطة د.غازي حسين في المنتدى الدراسات الاسرائيلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 10-18-2012, 03:27 PM
  4. مجزرة مخيم برج الشمالي المنسية
    بواسطة د.غازي حسين في المنتدى الدراسات الاسرائيلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 10-17-2012, 08:45 AM
  5. جزر الأندلس المنسية
    بواسطة أسعد الأطرش في المنتدى فرسان الإسلام العام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 09-12-2010, 06:16 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •