جماليات التلاؤم والتنافر بين البلاغيين واللغويين
مقاربة تحليلية

بقلم أسامة عبد العزيز جاب الله



1– التلاؤم والتنافر عند البلاغيين:
يجمع البلاغيون على أن التنافر هو ما يعتري الكلمة المفردة أو الكلام المؤلف من ثِقَل يشكل عبئاً على النطق، لأنه يتطلب - تبعاً لهذا الثقل- جهداً عضلياً زائداً على اللسان الذي هو آلة النطق. والجاحظ من أوائل من تنبهوا إلى هذه المسألة لمّا جعل من اقتران الحروف مدخلاً للبحث فيها. فقد يعرض للحروف عند ائتلافها في اللفظة بعض التنافر. فالجيم لا تقارن الشين وهكذا.
أما التلاؤم فهو تعديل الحروف في التأليف. وهو أحد شروط البلاغة " لأن الكلام لا يكون بلاغة - وإن ثقفت ألفاظه كل التثقيف - إذا تنافرت حروفه. وتنافر الحروف أن تكون مخارجها متلاصقة كالجيم والشين، أو كالصاد والسين والزاي. ألا ترى أنك لو بنيت اسماً ثلاثياً من الجيم والشين والضاد على أي ترتيب أحببت أن تضعه عليه من الترتيبات الستة لم تقدر على استعماله إلا بعسر شديد. وكذلك لو بنيته من الصاد والسين والزاي على أي ترتيب وضعته عليه كان استعماله عسيراً شاقاً".
ومن فوائد التلاؤم سهولة الكلام في النطق، وحسنه في السمع، وتقبل النفس لمعناه لما يرد عليها من جماليات الصورة والدلالة.

أقسام التنافر عند البلاغيين:
يقسم التنافر عند البلاغيين قسمين هما:
أ – التنافر في اللفظ المفرد.
ب – التنافر في الكلام المؤلف.
ثم يوضع تحت كل قسم منهما أقسام أخرى نوضحها فيما يلي:

أولاً: التنافر في اللفظ المفرد:
ويقسم هذا القسم إلى:
1- تنافر شديد: وهو ناتج عن الثقل الشديد الذي يظهر عند تأليف الكلمة من حروف تعسر في النطق بسبب المخرج أو الضبط. ويمثل البلاغيون لهذا القسم بكلمة (الهُعْخُع) التي وردت في قول أحد الأعراب لما سئل عن ناقته فقال: تركتها ترعى الهعخع. وقد جعل ابن سنان هذه اللفظة دليلاً على المهمل الذي يصعب النطق به لتقارب الحروف، فلا يكاد يجيء في كلام العرب ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة لحزونة ذلك على ألسنتهم وثقله.
وينكر ابن سنان الكلمة بهذا التأليف ويعدل إلى تأليف آخر هو (الخُعْخُع) وهو الأقرب إلى تأليف العرب، لأن تأليفه على حرفين فقط، وحروف الحلق خاصة مما قل في تأليفهم من غير فصل يقع بينها. ويذكر السبكي أن ثقل هذه الكلمة ناشئ من تقارب حروفها.
ويحاول د. محمد أبو موسى أن يعلل هذا التنافر الحادث في اللفظة بأن (الهعخع) قد يكون " شجراً كريهاً مراًّّّّ لا يطاق طعمه، كأنه هذه الكلمة التي لا يطاق النطق بها، والتي تحكي صوت المتقيئ. ولم لا يكون لفظاً مخترعاً للثقل، أو لا معنى له".
ويرى د. عبد الحليم شادي أن ما ذهب إليه د. أبو موسى في تعليله لهذا الثقل قد يكون صحيحاً لأمرين هما: الأول: أن مقطعي الكلمة يحكيان صوت القيء. فالمقطع الأول (هُعْ) يحكي صوت القيء وهو مندفع من جوف الإنسان إلى حلقه. والمقطع الثاني (خُعْ) يحكي صوته وهو خارج من حلقه إلى الخارج. والثاني: أن الأشياء قد يطلق عليها أسماء أصواتها وذلك فيما قبل وضوح اللغة. فربما يكون اسم شجرة يقزز طعمها النفس إلى درجة التقيؤ، وأطلق القيء مجازاً مرسلاً علاقته المسببية بإطلاق المسبب وهو (الهُعْخُع) = (القيء) على السبب وهو ذلك النبات المقزز.
وهذا الذي ذهب إليه د. أبو موسى ود. شادي من محاولة التعليل يحمد لهما، إلا أن الأمر في جوهره يعود إلى أن ثقل هذه الكلمة ينبع منها ذاتها خاصة، ومن تأليفها (العفوي أو المقصود) على هذا النحو، وهو ما أدركه الأوائل فاكتفوا بوصفها بالثقل والتنافر الشديد.
2 – تنافر خفيف: وهو أقل وطأة من سابقه، إذ يشعر السامع في هذا النوع بشيء من الثقل الصوتي في نطق الكلمة يتبعه ثقل سمعي لدى المتلقي. أي أنه يجتمع في هذا القسم نوعان من الثقل: أولهما: ثقل نطقي يعانيه الناطق ويشعر به السامع. وثانيهما: ثقل سمعي يعانيه السامع وحده. وقد مثل البلاغيون لهذا النوع بكلمة (مستشزرات) في قول امرئ القيس:
غدائرهُ مستشزراتٌ إلى العلا
تَضِلّ المَدَارَى في مثنى ومرسلِ
إذ ردوا الثقل فيها إلى توسط (الشين) بين التاء والزاي.
ويرى الدسوقي (ت 1230 هـ) " سبب الثقل فيها راجع إلى توسط الشين المهموسة الرخوة بين التاء المهموسة الشديدة فاختلفتا (أي الشين والتاء) في الشدة والرخاوة، والثقل جاء من هذا الاختلاف. وبين الزاي المجهورة، فاختلفتا (أي الشين والزاي) في الجهر والهمس، والثقل جاء أيضاً من هذا الاختلاف. فالحاصل أن الشين اتصفت بصفتين: ضاربت بإحداهما - وهي الرخاوة - التاء الشديدة قبلها. وضاربت بالأخرى -وهي الهمس - الزاي المجهورة بعدها".فالتنافر هنا ليس لقرب المخارج، وإنما لثقل الكلمة في السمع نظراً لهذا الاختلاف في صفات الحروف المؤلَّفة منها اللفظة، وتضارب هذه الصفات.

ثانياً: التنافر في الكلام المركب
ويقصد به أن تكون الكلمات المركبة في سياق ما ثقيلة في الأداء الصوتي في صورتها المركبة والمفارقة لوضع كل كلمة في هذا التأليف في صورتها المفردة، وذلك بالرغم من كون هذه المفردات في صورتها المفردة تتميز بفصاحتها. ويقسم البلاغيون التنافر في الكلام المركب إلى:
1– تنافر شديد: ناتج عن التقاء كلمات ذات مورفيمات صوتية متشابهة في المخرج الصوتي، كما في قول الشاعر:
وقبرُ حربٍ بمكان قَفْرُ
وليس قُرْبَ قبرِ حربٍ قَبْرُ
فتركب الألفاظ في هذا البيت أدى إلى تنافره، وذلك لتقارب ألفاظه التي يعسر النطق بها من ناحية، ولتداخل حروف هذه الألفاظ مع بعضها البعض من ناحية أخرى.
2- تنافر خفيف: وهو ناتج عن تكرار وحدات صوتية (كلمات) متشابهة أو متقاربة المخارج في سياق كلامي واحد مثلما نجد في قول أبي تمام:
كريم متى أمدحه أمدحه والورى
معي وإذا ما لمته لمته وحدي
فتكرار كلمة (أمدحه) مرتين في الشطر الأول، وكلمة (لمته) مرتين في الشطر الثاني أدى إلى الثقل والعسر النطقي والسماعي معاً، فكلمة (أمدحه) احتوت على حرفي الحاء والهاء الحلقيين وهما متقاربا المخرج مما شكل نبواً في النطق لحِقَهُ كذلك ثقلاً في السمع. وهذا ما ذهب إليه القزويني.
ويخالف السبكي (ت 773هـ) ما ذهب إليه القزويني إذ يرى أن اجتماع الحاء مع الهاء فصيح لوروده في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ. كما أن وضع الحاء مع الهاء في بيت الشعر مختلف عن وضعهما الآية الكريمة، فالثقل في البيت في كلمة (أمدحه) ناتج عن اجتماع الحاء والهاء بعد الفتحة على (الدال)، وليس ذلك في الآية الكريمة. وهو تعليل جميل يقصد السبكي به تنزيه النص القرآني عما يشينه مما يلحق غيره من النصوص البشرية. ويرى ابن رشيق في هذا البيت لوناً من المعاظلة التي تقوم على تداخل الحروف وتركيبها.

تنــــويـر:
دائماً ما يثور سؤال مفاده: هل يكون التنافر فقط ناتج عن تقارب المخارج أو تباعدها ؟! والإجابة عن مثل هذا السؤال تكمن في رأي الخليل بن أحمد الذي علل هذا التنافر بالبعد الشديد أو القرب الشديد لمخارج الحروف , ونقل هذا الرأي عنه الرماني في (النكت في إعجاز القرآن). وتواتر البلاغيون على هذا التعليل إما شرحاً أو تأويلاً أو توسعة لهذا التعليل.
غير أن ابن سنان لا يرى تنافراً إذا ما تباعدت مخارج الحروف كما ذهب الخليل والرماني، بل يجعل هذا التنافر محصوراً في قرب المخارج فقط ويستدل على ذلك بكلمة (ألم) التي تباعدت مخارج حروفها ومع ذلك فلا تنافر فيها. فالهمزة من أقصى الحلق، والميم شفوية، واللام متوسطة بينهما.
أما التنافر بقرب المخرج فهو كما في كلمتي (عخ) و (لاسز) لما فيهما من قرب لمخارج حروفهما. كما يستدل على ما ذهب إليه بأن الإدغام والإبدال إنما يحدثان تخلصاً من التنافر الحادث لقرب المخارج لا لتباعدها.
أما ابن الأثير فيرى في تباعد المخارج مع اقترانها بحركات خفيفة يكون أحياناً أحسن تأليفاً من قربها في المخارج، ويعلل ذلك بأن الكلمة المتباعدة المخارج تسمح للناطق بها عند أدائها الصوتي أن يأخذ مهلة وأناة لما بين المخرج والمخرج التالي من الفسحة والبعد، فتمكن الحروف في مواضعها، بخلاف الكلمة المتقاربة المخارج فإنه عند النطق بها يحاول اللسان أن ينطقها فلا يكاد يتخلص من مخرج إلا ووقع في الآخر الذي يليه لقرب ما بينهما، فتأتي حروف الكلمة قلقة غير مستقرة في أماكنها، ولذا كان العرب يعدلون عن الأثقل في كلامهم إلى الأخف طلباً للاستحسان.
وابن الأثير يؤصل هنا لدور الحركة في مسألة التنافر والتلاؤم والانسجام. فقد تكون اللفظة هي هي لكن تغيير الحركة يؤدي إلى نقلها من باب التنافر إلى باب التلاؤم، لأن الحركة تخلص الكلمة مما أصابها من ثقل في النطق. كما أن خفة الحركات تؤدي إلى سرعة نطقها من غير عناء. فإذا التقت حركتان خفيفتان في كلمة واحدة لم تستنكر ولم تثقل، بخلاف الحركات الثقيلة إذا توالت منها اثنتان في كلمة واحدة استكرهت واستثقلت لما يعانيه الناطق بالكلمة من مشقة في أدائها الصوتي، ولذا كانت الفتحة أخف الحركات تليها الكسرة ثم الضمة.
فالفتحة إذا كانت فوق حروف كلمة ثلاثية كان ذلك من ميسرات النطق والأداء، وإن كان وسط الكلمة ساكناً ساعد ذلك أيضاً على هذا اليسر الأدائي. غير أننا نجد في البيان القرآني كلمات وُظفت فيها حركة (الضمة) وهي حركة ثقيلة، وتتابعت في بعض الكلمات مرتين مثلما نجد في الآيات التالية من سورة القمر:

- قوله تعالى: حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ 5 فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ 6.
- قوله تعالى: وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ 13 .
- قوله تعالى: كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ 18 .
- قوله تعالى: فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ 21 .
- قوله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ 23 فَقَالُوا أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ 24 .
- قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ 33 .
- قوله تعالى: وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ 36 وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ7.
- قوله تعالى: فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ 39 .
- قوله تعالى: وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ 41 .
- قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ 45 .
- قوله تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ 47 .
- قوله تعالى: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ 52 .
فالكلمات (النُذُر- نُكُر- دُسُر- نُذُر- سُعُر- الدُّبُر- الزُّبُر) توالت فيها حركتان ثقيلتان ؛ ضمتان ومع ذلك لا يستطيع أحد أن يُنكر فصاحتها أو خفتها على اللسان حين الأداء الصوتي لها، كما أننا لم نجد زاعماً يزعم نبوها في السمع.
ويلاحظ أن هذه الكلمات وردت على هيئة الجمع، وعلى الوزن الصرفي نفسه وهو وزن (فُعُل)، غير أنها لم تتفق مع مفردها في الابتداء بنفس حركته مثلما نجد في كلمة (خُطُوَات) في قوله تعالى: وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ التي اتبع فيها وزن الجمع الابتداء بحركة مفردها (خُطوَة) وهو الابتداء بالضم. وتقرأ (خُطُوات) بضم الطاء وهي قراءة حفص، وقرأ شعبة والباقون (خُطْوات) بالإسكان. وهي تتكون من مقطعين هما (خُطْ + وات)، وقد حوفظ فيها على سلامة المفرد، وخفة اللفظ.
ويرى د. صبري المتولي "أن الأصل في جمع هذا الدرب من المفردات يكون بالإبقاء على العين ساكنة خلافاً لما يراه بعض الصرفيين، وما عدل الناطق عن هذا الأصل إلا التماساً لجمال صوتي يجري وفق قانون الاتباع في الحركات".
والكلمات التي بين أيدينا ليست من هذا النوع ؛ إذ أن مفرها لا يسير وفق هذه القاعدة، فلا خضوع فيها لقانون الإتباع ؛ أي إتباع الضم بالضم، والكسرة بالكسرة، والفتحة بالفتحة، الذي يسميه ابن جني (هجوم الحركات على الحركات). وقد فهمنا من كلامه أن هجوم الحركة يأتي بصورة أساسية من هجوم حركة موجودة أصلاً في صيغة صرفية معينة على حركة موجودة أصلاً في البنية الأولية للمفردة. وهذا ما لم ينطبق على هذه الكلمات القرآنية في سورة القمر.
لكن هجوم الحركات على الحركات ينتقض إذا ما ارتبطت الحركة بالحرف وكانت من جنسه، فلربما يكون الثقل نابعاً من هذا الأمر. فمثلاً كلمة (جَزَعَ) تكون سهلة في متناول الأداء الصوتي إذا ما بقيت على صورتها ؛ أي فتح الجيم والزاي، بخلاف ضمهما فتصبح الكلمة (جُزُعَ)، أو ضم الأول وكسر الثاني فتصبح (جُزِعَ). فهذا التغيير يُدْخِل الكلمة في دائرة الثقل النطقي، وصعوبة الأداء الصوتي رغم أن المخارج ثبتت ولم تتغير. ونستنج من هذا أن هناك عامل آخر سَوَّغَ مثل هذا التنافر أو نفاه ألا وهو (الذوق). فربما نجد أنفسنا نستسيغ الكلمة السابقة وهي مفتوحة الجيم والزاي، وربما نستسيغ ضم الأول والثاني، لكننا نتردد فيما هو خلاف ذلك من أحوال للتشكيل الصرفي والحركي للكلمة.
كذلك قد ينتفي التنافر في كلمة ما إذا ما كانت ثلاثية وسكن وسطها، لأن السكون في هذا الموضع يساعد على: التدرج في النطق أولاً بانسيابية الحركة الصوتية من ضم للحرف الأول ثم سكون الوسط انتقالاً إلى فتح الثالث. أو من ضم للأول ثم سكون الوسط إلى ضم الثالث، أو إلى أي حركة أخرى ثانياً. نلمح ذلك جلياً في قوله تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إذ نجد كلمة (خُسْرٍ) تم الانتقال فيها من ضم الحرف الأول (الخاء) إلى الكسر للثالث (الراء) بسهولة ويسر وذلك لسكون الوسط نزولاً على حكم الذوق السياقي الصوتي.
كما أننا نلمح في هذا الإطار ضرباً من موسيقى الفواصل يسهم في تشييده الإدغام الذي يكسب الكلمات مذاقاً خاصاً وهو ما نلاحظه في قوله تعالى: (فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ) فأدغم التنوين في الواو، أو كما في قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فالبرغم من توالي ثلاث ضمات إلا أننا لم نشعر بتنافر، ومرد ذلك كله إلى السياق الذي وقعت فيه الكلمة.
ونخلص مما سبق أن ما عده الذوق السليم ثقيلاً متعسراً في الأداء فهو كذلك، والعكس صحيح. كذلك يتم التأكيد هنا على أن للحركات الإعرابية، والسياق، والذوق، ومخارج الحروف قرباً وبعداً، كلها لها أدوار غاية في الأهمية في مسألة التنافر، لكن لماّ غلب على دراسات البلاغيين الاقتصار على مخارج الحروف فصلوا القول فيها دون غيرها، وأهملوا ما سواها رغم أهميته القصوى في سياق هذه المسألة.

التلاؤم والتنافر عند اللغويين:
تنبه اللغويون منذ بداية الدرس التحليلي لظواهر اللغة إلى مسألة (أصول الكلمات) وإقامتها على ما عُرِفَ فيما بعد بالميزان الصرفي الذي تعتمد عليه الكلمة في انبنائها. فالكلمة العربية تعتمد على جذر ثلاثي هو (فَعَلَ). وما يتم من تآليف على نهج هذا الميزان هو ضرب من التآليف الصوتية. وبناء على ذلك اهتم اللغويون بمسألة الفصاحة القائمة على قرب المخارج أو بعدها. فقد اشترطوا لذلك ضرورة مراعاة التناسب الصوتي في ترتيب مخارج حروف الكلمة.
ويمكن ملاحظة ذلك الجهد المبذول في حقل البحث الصوتي عند العرب من خلال الفصل الأول لهذا البحث. لكننا نستطيع تضييق نظرتنا البحثية هنا لنركز على المسألة ذات الصلة وهي (التنافر الصوتي) وما يلحقه من قضايا ومسائل لغوية. فما كان اللغويون ليدرسوا هذه المسألة إلا ليقرروا لنا أصولاً تسهم بدورها في اجتناب العسر النطقي، والثقل السمعي، وتيسر الأداء الصوتي، بالإضافة إلى مراعاة الخفة والجمال في آن. فقد دفعهم هذا إلى تقرير مفاده: (أنّ حروف الحلق هي أثقل الحروف تركيباً)، ولذا نادوا بتقليل مجيئها في تآليف الكلمة، وأكدوا على أن تقارب حرفين حلقيين لا بد وأن يؤدي إلى تقديم أقواهما نطقاً تخلصاً من هذا الثقل.
فابن جني يرى في تباعد تأليف الحروف مزية كبيرة لا تتحقق في تقاربها المؤدي إلى قبحها خاصة إذا كانت من حروف الحلق. ولذا جعل تأليف الكلام على ثلاثة أنواع:
الأول: تأليفه من حروف متباعدة المخارج. وهذا أحسن الكلام، وهو أغلب كلام العرب.
والثاني: تأليف الكلام من الحروف المتقاربة المخارج. وهو تالٍٍٍٍ للأول في الحسن.
والثالث: تأليف الكلام من الحروف المتقاربة. وهو الأقل في الحسن.
ويقرر ابن دريد (ت 321هـ) أن قرب مخارج الحروف يؤدي إلى الثقل في النطق عكس المتباعد منها. كما أنه يستثقل حروف الحلق لأنه لو نسج الكلام منها دون حروف الذلاقة لأدى ذلك إلى زيادة الجهد المبذول من جانب اللسان لأداء هذه التراكيب، ذلك لأن الجرس الصوتي لها واحد، والحركات مختلفة، مما يؤدي باللسان إلى الانحراف في النطق ببعض هذه التراكيب والأصوات.
وابن منظور (ت 711هـ)يجعل الحروف التي يتألف منها الكلام أربعة أقسام هي:
الأول: حروف يجب وقوعها في التراكيب، وهي الحروف الذلقية والشفوية. وذلك لخفتها وسهولتها في النطق، ولذلك كثرت في أبنية العرب وكلامهم خاصة الثلاثي.
والثاني: الحروف التي تحسن في التراكيب وهي (القاف) و (العين) لأنهما أطلق الحروف. فالعين أنصع الحروف جرساً. والقاف أمتن الحروف، وأصحها جرساً.
والثالث: الحروف التي يمتنع مجيئها في التراكيب، وهي الحروف ذات المخرج الواحدكحروف الحلق، إلا أن يقدَّم حرف منها على الآخر، ولا يجتمعا إذا تأخر.
والرابع: الحروف التي لا تتركب مع بعضها بلا تقدم أو تأخر وهي (السين، والتاء، والصاد، والزاي، والظاء) وما ذلك إلا لتقارب مخارجها تقارباً يؤدي إلى ثقلها الأدائي، ومعاظلتها في النطق.
وتخلصاً من هذا آثر العرب استعمال الثلاثي بعد مراعاة تأليفه من حروف متناسقة حسب القواعد، وذلك لقلة حروف الثلاثي، وكون عينه تتوسط (الفاء) و(اللام). فالفاء لابد أن تكون متحركة، ولامه لابد أن تكون ساكنة عند الوقف، لأنه لا يصح الابتداء بساكن، كما لا يوقف إلا على ساكن.
ويرى ابن جني أن العرب اختلست الحركات اختلاساً لطيفاً، ولم يمكنوها في أماكن كثيرة بعداً عن الثقل، وطلباً للخفة الصوتية ( ). نلمح ذلك في قراءة أبي عمرو لقوله تعالى: يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ مختلساً غير محقق.
فقد تم اختلاس حركة (النون) وهي الضمة للتخفيف.
ونخلص من هذا إلى أن الفكرة الرئيسة التي يتلاقى عندها أهل اللغة والبلاغة معاً هي التخلص من مسببات التنافر لأن ذلك ضروري ومقرر. كما أن فكرة بعد المخارج أو قربها هي أول درجات التنافر، يشاركها في ذلك السياق، والذوق، والحركات الإعرابية لتكتمل بذلك الصورة العامة لمسببات التنافر والثقل، وهذا ما عالجه أهل اللغة والبلاغة معاً كل في سياقه الخاص.