نسيان
سمير احمد الشريف

بالعودة لتلك اللحظة التي تنفست فيها أوكسجين الدنيا ، ومعتمداً على ذكريات جدتي ووالدتي وأبي وكل المحيطين الذين هللوا معبرين عن فرحتهم، خاصة العمات اللواتي يفرحهن أن يكون لأخيهن المريض ولداً، وقد كن لا يعتقدن إن وضع الأخ الصحي يسمح له بالإنجاب، فقد ظل والدي يتنهد وهو يرمقني بحديثه مداعباً شعري الأشقر: مساكين أنتم، لقد ولدتم في المكان والزمان الخطأ.
ولم تفهم أمي من كلامه غير رفض الوالد لمقدمي، لأن الحال صعب على الوالد الذي أعياه المرض فلا يجد ما يسد به رمق العائلة الصغيرة التي بدأت في النمو، غير أنه ينظر إليها نظرة اتهام ويتمتم بما لا يُفهم وكأنه يقول: ناقصات عقل، ما ذهبت لذلك، ولكن ألا ترين كيف أننا نفتح الراديو على صوت العرب خلسة؟ وأن الشعب الذي وعده الأهل بتحرير وطنه وإعادة مشرديه لأوطانهم ما زال يفترش شتات الخيام في بلاد الله؟
على تراب المخيم و سفح الوادي الذي لا زال يقبع في ذاكرة الطفل بحنين أسيآن، درجتُ ورفاقي، نستنشق عبق الوطن عبر الرياح الغربية التي تحمل لنا رائحة الأهل .
أطلق الطفل صرخة احتجاجه التي استقبلها الأهل بفرح يؤكد أن ابنهم من الآن أصبح في مصاف الرجال الذين لا يعترف بهم إلا بالإنجاب.
على صراخ اللاجئين ينتظرون إعانات العالم في صفوف طويلة ، سجلت ذاكرة الطفل تفاصيل معاناة التشرد وآثار الهزيمة ومعنى اغتصاب الوطن.
ظلت أمي تعيّرني وأنا بكرها الذي عزز مكانتها بين نساء الأسرة بمولودها الذكر الجميل، وتاهت عليهن بأنها الولود، محاولة أن تتقاعس عن عملها بحجة العناية بالطفل، مما سبب مشكلات لأبي وإحراجات مع جدتي وعماتي، خاصة وقد صادف من أمي عناداً ومكابرة وضعته في موقف لا يحسد عليه من جدي.
ظلت أمي تعيرني بالتقصير معها لأنني بقيت سبعة أيام متردداً في مغادرة رحمها والنزول للدنيا، وما عانته من الآم ومخاطر لم تستطع الداية أم محمود بكل خبراتها المتواضعة أن تجد حلا بغير الصبر والتدليك والماء الساخن، في غياب ممرضة أو طبيب أو مستشفى.
أضرب رحم أمي بعد ولادتي العسرة ورفض أن يستقبل مواليد غيري لسنوات سبع، رافضا أي مشروع حمل، بقذفه كتلة اللحم الهلامية.
ألا ترى ؟ قدومك قطع خلفي، وها هم إخوتك يموتون من بعدك!! أي وجه نحس أنت؟ لكنها تسترجع خيبتها وتهمس لجارتنا التي تكن لها مودة خاصة دون أن أعرف أسبابها: لا بد من شيخ طريقة يسّوي هذا الإشكال......
أطلال قصر هشام بن عبد الملك ، محل لهونا في غياب هيئة للآثار تحمي التاريخ من عبث الطفولة، نلتف حول بعض السياح محاولين التقرب إليهم وتعّلم بعض المفردات التي نسمعها.
رفضا للواقع الذي يتكدس ببطء في أزقة المخيم الذي بدأ يصبح وطنا، قرر الأهل الاعتماد على مصدر عيشهم الأساس: الزراعة والاعتناء بالمواشي ، فخرجوا لقرية تخلصنا من كابوس المخيم وامتهان كرامة الإنسان....
تاه الولد بين الحقول ومتابعة صغار الأغنام نهاراً، وليلاً يلوذ بأذيال الكبار في ليالي الشتاء، يجتمعون حول الموقد يرتشفون الشاي ويدخنون الهيشي ويستمطرون الأمنيات بالعودة للوطن الذي يتناءى عنهم كل يوم.
لعله المرض، و وعيه المبكر ما جعل والدي جاداً على الدوام ، في نظرته غصة أسى وفي نبرة صوته بحة احتجاج، كثيراً ما كان يكتفي عند سؤالي له عن الوطن وعبد الناصر والفدائيين وو..، يكتفي بضحكة هازئة وحركة بطيئة من رأسه بلا تعليق، فألوذ بصمت أتعمق فيه المعنى الذي عناه أبي دون جدوى، لكنه فيما بعد، رفع نبرة ضحكته ليسمعها من حوله ولا أدري لماذا صرت أقارن ضحكته بضحكة الرجل الذي رسمه ناجي العلي، عندما كان يُسأل عن تحرير فلسطين حتى كاد أن ينقلب على قفاه.
ظل والدي قريبا ، يخاطبني كرجل ويأخذ رأيي في أمور كبيرة ، كأنما يريد أن يتخلى عن مساعدة الآخرين الذي أرهقهم مرضه المتكرر، فأكبرتُ فيه انتباهه على رجولتي التي تفتحت مبكراً واستعدادي للوقوف بجانبه، رغم أن ذلك لم يعفني من غضبه الحاد عند أية مخالفة.
لفتني صداقات والدي مع من هم أكبر منه سناً ومركزاً اجتماعياً، وما شدني أكثر، محاولاته الدؤوبة لتعلم القراءة والكتابة والحساب، معتمداً على جهده الخاص، فكان يحسب حساباته ويسجل اسمه في دفتر المصلحة.
أكثر ما يستوقفني في صداقات والدي ذلك الضابط الذي أبرم مع والدي اتفاق تزويد ثكنته بنوع خاص من الخبز مقابل مردود مادي فرح له أبي، وذلك الارتباط بالرجل المغربي رث الثياب، مهلهل الهيئة، والذي كان يتهامس مع أبي ويخفض صوته عندما أقترب منهما....
يمتد حديث الطفولة مع تثاؤب لحظات العمر، والوقوف مع مفاصل هذا العالم يرهقني، غير أنني سأترك لكل من طاف يوماً في ركن من أركانها من أهلي وذويّ ومعارفي أن يتحدث عنها.
تفتحت مسامات وجداني على حكايا جدتي لأبي، ، كتلة الحنان الدافئ الذي لذت بها في غياب قرب الأب الذي شغله المرض وتواري الأم الذي أضاعه عنادها.
جدتي لأبي كانت حصناً آمناً بالنسبة لي، أجد فيه عزاء الصغير الذي صحا على حضن كبير يحتويه وينسج له حكايات مسلية، والأكثر منها مخيف.
ما الذي كانت ترمي إليه الجدة بالإسهاب في حكايا الغولة وأبو رجل مسلوخة وكل تلك السلسلة من قصص الخوف؟
هل كانت ترمي لتسليتي أم تهّرب تهديداً مبطناً لي و أقراني من أولاد الحارة بحكاياتها لكي نلتزم بأوامرها وطلبات كبرائنا؟
هل كانت تدري أنها في الوقت الذي تزعم تسليتنا، تأخذنا إلى غياهب أودية الخوف من تلك العوالم؟
بصيص من حكايات جدتي تزرع فينا حلماً بالحب والصداقة ونسج أحلام وردية لعالم يركن وراء المعقول ولا تطاله الأيدي.
عمتي الصغرى التي كانت رقبتها مكانا لجلوسي، تستقبل تلك الرغبة الملحاحة مني بسعادة لا توصف، أعاندها، أطالبها بالمعجز، فتظل مبتسمة على الدوام تلبي رغبتي حتى لو أيقظتها منتصف الليل طالباً أكلة غريبة تحتاج لإعداد طويل، هل كانت هي الأخرى تؤدي بخدمتها لي واجباً لا شعورياً تجاه والدي طريح الفراش وكأنها تعوضه بذلك من خلالي؟
عمتي التي أمسكت بيدي لأول مرة ومررت بقلمي على صفحة دفتري الأبيض، كانت تلازمني لمدرستي حماية لي من لهيب الشمس ودرءاً لغبار الأيام، ظلت تكرر: ابن أخي مكانه بؤبؤ العين، ابن الغالي الذي عوضنا الله به عن أبيه.
عالم الكتابة بالنسبة لنا لم يتعد كتاب المدرسة ونتف من حكايا يرددها الكبار أمامنا عرضا على سبيل التسلية، خاصة أولئك الكبار الذين اكتووا بنار الحرب العالمية وكانوا جنوداً لتركيا.
لم نعرف عن الجانب السياسي إلا ما يتخثر على شغاف قلوبنا وأطراف ذاكرتنا من أحاديث مجروحة حول العودة وأيام العز في وأمنيات كسيحة غير مبالية يرددها الكبار عن حروب العرب وجيش الإنقاذ وما يدور من همس حول (المسكوب)، اللفظة الذي ظل يرددها جدي وترتسم في خيالي عنها عوالم غريبة لا ضفاف لها، لم أدرك معناها إلا بعد أن جاء العسكر واعتقلوا رجالاً من بلدتنا ، وزمجرات الشباب الذين يكيلون التهم ،لمن يعاونون السلطة بالقبض على الشرفاء والوطنيين والأحرار.
ظل أبي رغم ابتعاده عنا لمرضه، قريبا مني على استحياء، كنت الحظ على قسماته ملامح معان للاعتذار مبررة بضيق ذات اليد، وإن ظل قريباً مني كصديق ولا يخاطبني إلا كرجل، محاولا زرع معنى عميق فيّ أظنه الكبرياء وعزة النفس مهما تردى الحال.
لقائي مع الحرف خارج إطار المقرر المدرسي كان من خلال بائع الحلوى الذي كان يلف قطعه بقصاصات من مجلات ملونة وبيضاء وسوداء.
تلك الصفحات تزرع في داخلي لهفة لاكتشاف مجهول، خاصة وأن بعضها كان يتشح بكلام كثير يحيط بفتاة تلبس ثيابا جميلة أنيقة.
ظل الحلم يراودني باستكناه ذلك الغيب، حتى نادى معلم العربية فجأة عبر المكبر اليدوي الذي يعمل بالبطارية أن سيارة المكتبة المتنقلة قد وصلت ومن أراد استلام كتاب فليراجع المدرس الذي حاول من خلال سلطته أن يسّرب إلينا كتباً ينتقيها على عهدته.
رفضت الكثير منها وظلت أجنحة جبران المتكسرة هي القريبة مني وإليّ، والتي استفدت منها في اختيار مقاطع هربتها لأبنه الجيران صاحبة الأنف الأحمر الذي لا يفارقه الزكام، وتطاطىء رأسها خجلاً عند مروري وصحبتي أمام بيتهم عبر الزقاق الترابي الضيق.
عمتي الصغرى أول من فرح بكتابتي وحركة أصابعي الصغيرة، أكتب الحرف والرقم ولا أتقن تثبيت ملامحهما على سطر الورقة، ظلت تلاحقني وتشجعني وتأخذ بيدي إلى جدتي ووالدي معلنة فرحها بميلاد رجل متعلم .
معلم العربية في الإعدادية، فاجأني بأنني شخص مختلف، رغم جديته وعدم تساهله مع الصغار الذين يقصرون بدروسهم وتأنيبه لهم بأننا خسرنا كل غال ولم يبق لنا إلا هذا الرأس وهذه اليد.
دخل في درس الإنشاء منادياً على ثلاثة قد وضع دفاترهم منفصلة عن دفاتر الآخرين: تعال يا ....من كتب لك هذا ؟ لا تكذب، ودار تحقيق أضاع ربع الحصة حتى أيقن أننا من كتب بحق .
فرحت بزهو كافر وتهت على أقراني بهذا التميز ومن يومها تمسكت بالحرف.
الحب كان يدفعني تجاه ركن أجد فيه طمأنينتي، ألوذ به من حالة فقد أحسها من داخلي لشيء لا أحدد كنهه، ربما محاولة للاختباء من قادم خطير ، تلهيت بالحب عن خوفي من المجهول:موت الأب الملاذ رغم مرضه، سطوة الفقر وعدم وجود من يمد يد العون أو المشاركة بتحمل جزءً من مسؤولية نفسية يخفف بها عنا.
هربت من هذه الأجواء مرة بحب الجارة الصغيرة وأخرى بحب امرأة مثل أمي كنت ارتاح بالاقتراب منها وأجد فيها حماية من نوع ما ،وقد كنت أجدها تسّري عنا بملاطفتنا ومحاولة التخفيف عن معاناتنا، وربما تكون أول من دفع بي للكتابة عنها، كنت أتمزق بين حبي لها والنظر لها كحام وموئل وملاذ، أربط بين صورة تلك المرأة وبين أي من النساء اللواتي يشتركن معها في صفاتهن الجسدية ، تتلبسني حالة استحضار قاتلة للمقارنة بين حالتين تكون الثانية هي الخاسرة فيهما دوما.
ربما لهذه الأسباب ظل الحلم يطاردني في اليقظة ويدفع بي للبحث عن عالمٍ مثالٍ خالٍ من الأنانية والخبث، بعيد عن النفاق والزيف، أطير فيه مجنحاً نحو آفاق تتسامى فيها الروح ويخف الجسد.
تصدمني الصداقات التي لا تلتفت لمثل تلك الرؤى فأكرر المحاولة بحثاً ً عما هو مستحيل.
هدني موت الوالد وأنا في سن أحتاج فيها لمن يحمل هم الأسرة ووجدتني بلا مقدمات رجلاً في غير الأوان أتحمل مسؤولية أسرة غاب عنها معيلها الذي كان حاضراً بمرضه، مؤلم أن تجد نفسك رجلاً بلا مقومات .
لأسباب كثيرة أحببت القراءة ً، ، تنسيك واقعك وتبني لك عوالم خيالية تعّوض بها عما أنت فيه وتخلصك من شحنات التوتر السالب الذي ينتابك وتطل بك على عوالم الآخرين الذين ربما يتقاطعون معك في دوائر كثيرة أقلها الأجماع على أن الكتابة ليست إلا تعبيراً عن أمنيات أحبطها الواقع فنكتبها تعويضاً لا شعورياً عما فاتنا .