الفيروسات الإلكترونية.. سلاح الحروب القادمة
ألمانيا تواجه دودة "كونفيكر" بكتيبة عسكرية

محمد السيد علي

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


شكل الجيش الألماني كتيبة عسكرية متخصصة في مكافحة "الإرهاب الإلكتروني" أو ما يسمى "بالنزاعات الإلكترونية"، وذلك عقب تعرض المئات من أجهزة الكمبيوتر التابعة للجيش لهجوم فيروسي منتصف فبراير 2009 بواسطة دودة أطلق عليها "كونفيكر".
وأفادت مجلة "دير شبيجل" الألمانية على موقعها الإلكتروني أن الوحدة ستتألف من 76 جنديا، وأطلق عليها اسم "قسم العمليات المعلوماتية والشبكات الإلكترونية"، ومن المقرر أن تتخذ هذه الوحدة، التي تعمل حاليا في سرية تامة، من ثكنة تومبورج في بلدة راينباج الواقعة بالقرب من مدينة بون الألمانية مقرا لها، ومن المنتظر أن يتم استكمال عملية الإعداد والتجهيز بداية من عام 2010.
ويتدرب من وصفتهم "دير شبيجل" "بالجنود القراصنة" بقيادة العميد فريدريش فيلهالم على حماية المؤسسات والمصالح الألمانية من "اعتداءات إلكترونية" على غرار الاعتداء الإلكتروني الذي تعرضت له إستونيا عام 2007 وجورجيا في صيف 2008.
ويركز الجنود، الذين تم تجنيدهم لهذه المهمة من كلية علوم الكمبيوتر في الجامعات التابعة للجيش الألماني، على تطوير أساليب جديدة لاختراق شبكات إلكترونية والتجسس عليها أو التشويش عليها أو هدمها أيضا.
وتقوم الحكومة الألمانية بتطوير شبكاتها الإلكترونية وتأمينها من اعتداءات خارجية، فعقب اعتداءات إلكترونية تعرض لها مكتب المستشارية والوزارات الألمانية في ربيع وصيف عام 2007 تعتزم السلطات الألمانية تحويل المكتب الاتحادي للأمن وتقنيات المعلومات في مدينة بون إلى وكالة للدفاع الإلكتروني.
دودة "كونفيكر".. تؤرق أوروبا
بدأت دول عديدة، من بينها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، بإعداد نفسها لمواجهة هذه الحرب الضروس، والتي تختلف تداعياتها عن الحروب التقليدية التي تخلف وراءها خسائر بشرية ومادية، حيث وصفها البعض بـ"الحرب النظيفة"؛ لأنها تشكل في الأساس اختراقا أمنيا معلوماتيا بهدف استعمال مثل هذه الديدان الإلكترونية للتجسس الاقتصادي والتقني والعسكري.
هذا الهجوم الفيروسي دفع وزارة الدفاع الألمانية للاعتراف بأن بلادها - رغم تطورها التقني - ليست بمنأى عن الاعتداءات والهجمات الإلكترونية، لكن ما يهدئ من روع برلين أنها ليست وحدها من تعرضت لهذا الاختراق، فقد تلقت العديد من البلدان الأوروبية هجمات إلكترونية بنفس الدودة الفيروسية "كونفيكر"، حيث أصابت قبل ذلك أجهزة تابعة للبحرية الفرنسية في منتصف يناير 2008، واخترقت أجهزة كمبيوتر وزارة الدفاع البريطانية خلال نفس العام.
وهناك تأكيدات جاءت من خبراء بشركة "إف سيكيور"، المتخصصة في صناعة البرامج المضادة للفيروسات الحاسوبية، حول صعوبة إزالة دودة "كونفيكر" من الأجهزة المصابة، وأن هذه الدودة تعمل على تحميل برامج أخرى ضارة يستطيع المتسللون للأجهزة على سبيل المثال التجسس من خلالها على كلمات المرور الخاصة بمستخدمي هذه الأجهزة أو إرسال رسائل إلكترونية متطفلة وغيرها من الممارسات غير القانونية.
الخبراء قالوا لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) إن هذه الدودة الفيروسية تستغل ثغرة في نظام التشغيل "ويندوز" تحاول من خلالها الكشف عن كلمات المرور البسيطة، كما أنها سهلة الانتقال عبر الوسائط التي تستخدم في حفظ البيانات ونقلها من جهاز لآخر.
وقد أصابت دودة "كونفيكر" الملايين من أجهزة الكمبيوتر في العالم خلال أيام قليلة من شهر يناير 2009، منها شبكات حاسوبية لشركات وهيئات حكومية، وكانت شركة مايكروسوفت قد أعلنت في وقت سابق عن مكافأة قدرها 250 ألف دولار لمن يدلي بمعلومات تساعد في القبض على من يقف وراء هذه الدودة.
أمريكا تدخل الحرب
في هذه الأثناء اهتمت مراكز الأبحاث الأمريكية بجانب المؤسسات التكنولوجية الأمريكية بقضية الحرب الإلكترونية التي وصفتها بأنها حقيقة واقعة لا جدال فيها، فعمليات القرصنة والتجسس تطورت من مجرد هجمات عشوائية إلى جرائم منظمة بفعل مجموعات غير رسمية تستهدف الإنترنت التجاري أو حتى مجموعات رسمية تمثل دولة بعينها تستهدف قدرات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، وفى هذا الإطار تبدو كل من الصين وروسيا مصدر تهديد جدي للقوة الأمريكية.
وفي إطار هذا الاهتمام نشرت مؤسسة التراث البحثية الأمريكية مقالة أعدها "جيمس جاي كارافانو" و"إريك سايرز" في ديسمبر 2008 بعنوان "بناء قيادة أمنية إلكترونية للقرن الواحد والعشرين"، هدفت إلى الوقوف على طبيعية هذا التهديد الأمني الجديد، وتقديم توصياتها لإدارة الرئيس أوباما لتعزيز أمنها الإلكتروني.
ونشر موقع تقرير واشنطن الأمريكي تقريرا في 7/2/2009 قال فيه إن إدارة الرئيس باراك أوباما الجديدة تواجه تحديا يتمثل في الرغبة في الحفاظ على الأمن الإلكتروني ووضع إستراتيجية تضع في الاعتبار الجوانب المحلية والعالمية للقضية، لكن التخوف سيكون من الوقوع في فخ انتهاك الخصوصية بما يعد تعديا على الحريات المدنية للمواطنين الأمريكيين.
وطرح التقرير الذي جاء بعنوان "الهجمات الإلكترونية بدأت تشكل هاجسا لأوباما" سؤالا هو: "ما الطريقة المثلى للتعامل مع هذا الخطر غير المرئي العابر للحدود الذي يكاد يكون غير مكلف بالنسبة لفاعله، لكنه يضرب الجهة المستهدفة في مقتل؟".. وعلق عليه بالقول: "خطورة السؤال يمكن إدراكها بسهولة إذا ما تخيلنا وقوع هجوم عالمي كبير ناتج عن انهيار في شبكة الإنترنت يتسبب في تعطيل حركة التجارة والنقل والاتصالات الدولية، أو إذا ما تعرضت الولايات المتحدة وحدها لهجوم منفرد ومركز يلقي تبعاته على الاقتصاد الأمريكي".
وجاء الجواب الذي توصلت إليه بعض الدراسات الحديثة الصادرة عن عدد من المراكز البحثية الأمريكية في الفترة الأخيرة يشمل ثلاثة محاور، هي: إنشاء إدارة جديدة معنية بالأمن الإلكتروني، ووضع برنامج إستراتيجي يعمل على خلق قيادات إلكترونية قادرة على مواجهة تحديات العصر للحفاظ على الأمن القومي الأمريكي داخل الإدارة الأمريكية والقطاع الخاص، بالإضافة إلى تعزيز شبكة التعاون والعلاقات بين الحكومة الأمريكية والقطاع الخاص.
الصين وحروب المستقبل
وفي نفس السياق تحدث "مايك ماكونيل"، مدير المخابرات الوطنية الأمريكية، للمرة الأولى عن خطورة الحرب الإلكترونية على الأمن القومي ضمن شهادته حول التهديدات السنوية الإلكترونية لعام 2008، معترفا أن أمريكا ليست على استعداد للتعامل مع أي تهديد إلكتروني لبنيتها المدنية والعسكرية، وإن كانت المؤسسة العسكرية هي الأكثر تمتعا بالحماية من الحكومة الفيدرالية والقطاع الخاص.
كما تحدث الصينيون عن هذا المفهوم من قبله بوضوح قائلين إنها ستكون ركنا هاما من أركان الحرب في المستقبل، ولهذا فمن الطبيعي أن تكون أمريكا على رأس الدول المستهدفة سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وكما تشير المطبوعات العسكرية الصينية فإن جيش التحرير الشعبي الصيني (PLA) شن هجمات إلكترونية متكررة على شبكة عسكرية أمريكية هي شبكة "سي 4 آي إس آر" C4ISR Network.
ويضيف تقرير واشنطن أن وزارة الدفاع الأمريكية قد رصدت من قبل خططا صينية لتطوير وتحسين قدراتها القتالية الإلكترونية، ووفق تقرير للبنتاجون حول القدرات العسكرية للصين صدر عام 2006 فإن الجيش الصيني يحاول ضمان توفر المعدات والخبرات المدنية في الكمبيوتر لتساعده في تدريباته وعملياته، كما يستعين بالأكاديميين ومعاهد وشركات تكنولوجيا المعلومات لدمجهم في وحدات دعم للجيش في العمليات العسكرية.
لكن هذا لا يعني - بحسب التقرير ذاته - أن الولايات المتحدة هي وحدها المستهدفة من الصين، فحسب صحيفة "دير شبيجل" الألمانية فإن الصين مارست عمليات القرصنة الإلكترونية على أنظمة الكمبيوتر الخاصة بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بالإضافة إلى أنظمة ثلاثة وزراء آخرين، هم وزراء الخارجية والاقتصاد والأبحاث، منذ نحو عام، لكن السفارة الصينية في برلين نفت الاتهامات ووصفتها بأنها "افتراض غير مسئول دون وجود دليل".

--------------------------------------------------------------------------------
من أسرة شبكة إسلام أون لاين ، ويمكنكم التواصل معه من خلال البريد الإليكتروني للصفحة oloom@islamonline.net