شعر الأطفال في الوطن العربي
نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


يبقى أدب الأطفال موضوعاً له خصوصيته، التي تميز بينه وبين الأجناس الأدبية الأخرى، وتأتي خصوصيته وخطورة البحث فيه وإنتاجه كونه موجهاً إلى فئة عمرية شديدة التمايز عن الفئات الأخرى، من جهة، إضافة إلى التمايز بين حلقاتها ذاتها... فليست الطفولة مرحلة عمرية ذات خصائص وطبيعة ثابتة، حتى ولو بصورة نسبية فيكاد التمايز داخلها يحدث في نهاية كل شهر تقريباً في سنواتها الأولى.... فثمة فروق بين الطفل حديث الولادة وطفل نهاية الشهور الثلاثة الأولى، بل الطفل في سن شهر واحد.... الخ.
من هنا تكمن الصعوبة في إنتاج أدب يتناسب مع مرحلة عمرية من المراحل الثانوية المنضوية داخل مرحلة الطفولة ذاتها.
فهذه المرحلة شديدة التغير تتطلب خصائص مختلفة في النصوص الموجهة لها ولحسن الحظ أن كثيراً من الذين تنطعوا للكتابة للطفل كانوا من المعلمين الذين عايشوا الأطفال وتفاعلوا معهم وأدركوا أهم خصائص جوانب النمو عندهم من نواحيه المختلفة، وهذا - بطبيعة الحال - لا ينفي وجود أدباء مبدعين استحوذت مرحلة الطفولة على اهتماماتهم فأنتجوا أدباً لا يمكن إلا الإقرار بأهميته.... من هؤلاء الباحث الذي قدم للمكتبة العربية شبه موسوعة لشعر الأطفال في الوطن العربي، الشاعر بيان الصفدي...

من هنا يمكن لنا أن نقدر عالياً جهده غير المسبوق، الذي جمع بواسطته كماً لا يستهان به من شعر الأطفال مبوباً له ومصنفاً، دون أن يبخل ببعض الإضاءات النقدية التي يكشف بها جوانب كثيرة جديرة بالاهتمام في هذا الكم غير القليل، الذي أنتجه كتاب يمتدون زمانياً في إنتاجهم ويتوزعون في أكثر من بلد عربي.
فمن إطلالة تاريخية اختار الباحث من خلالها بعضاً من أشعار كان يخاطب بها الطفل في أثناء ترقيصه، وذلك منذ عصر بعيد في التاريخ العربي، وهي أشعار يصعب نسبتها لشاعر أو شخص ما، وغالباً ما ينسب إلى نسوة أنتجن هذه الأشعار البسيطة من خلال تعاملهن مع أطفال لهن أو قريبين منهن، ومنها قصائد شعرية يمكن للطفل أن يستمتع بسماعها وهي تنتمي إلى ما سماه الباحث «شعر القص عند العرب» لما للقصة المحبوكة في النص الشعري من خاصية الجذب والمتعة والتشويق.
ويتلو هذا الباب الأول سبعة أبواب تتوزع عناوين ستة منها على تجارب انتج كل منها في أحد البلدان العربية بدءاً من أهمية هذه التجربة والسبق فيها، فيبدأ في الباب الثاني التحدث عن التجربة المصرية بدءاً من محمد عثمان جلال صاحب «العيون اللواقط» وكان لهذا الرجل قصب السبق في باب شعر الأطفال إذا تجاوزنا ما كتبه أحمد شوقي وما أصدره كامل الكيلاني ومحمد عطية الأبراشي في باب قصة الطفل بالنسبة للأديبين الأخيرين.
ومحمد عثمان جلال له في باب شعر الأطفال ما يجعله، حتى يومنا هذا، من أهم شعراء هذا الصنف - إن صحت الكلمة - الأدبي، فقد ترجم حكايات الشاعر الفرنسي لافونتين وصاغها شعراً، وظل أطفال أكثر من قطر عربي يحفظون قصيدته «حكاية الثعلب والعنب» إلى عهد قريب.
اختار «بيان الصفدي» الحديث عن الصعوبات التي لاقاها هذا الكاتب في إخراج كتابه الذي سماه «العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ» ثم عرض لنماذج من الشعر المترجم في هذا الكتاب، منوهاً إلى نهوض محمد جلال عثمان بالعربية المعاصرة واستطاع أن يقدم «نصوصاً أهمها أن تقول شيئاً جميلاً وبلغة سهلة»، في الوقت الذي لم تكن طريقة الشعراء والناثرين في عصره بعيدة عن ذلك، فكانت الحكايات تخرج شعراً على أكثر من بحر واحد، وإن أخذ بحر الرجز المساحة الأكبر من بينها.
وبعد «عثمان» امتد البحث ليصل الى تجارب اخرى عند كل من عبد الله فريج «نظم الجمان»، وأحمد شوقي الذي لم تكن تجربته مستمدة من الترجمة، فقدم تجربة مبكرة من خلال أناشيد وقصائد وحكايات ابتكرها خاصة بالأطفال، منها «باب الحكايات» من الصفحة 161 إلى 198 في الطبعة الاولى من الشوقيات اضافة الى أربع قصائد في ابنته من صفحة 200 حتى 205، وتفاوتت هذه الابداعات من حيث «اللغة السهلة والطريقة والوزن الخفيف» ممثلاً عنها في حكاية «الثعلب والديك».
واضافة الى عثمان وشوقي، فقد تناول الكتاب تجارب مصرية اخرى لإبراهيم العرب ومحمد الهراوي ومحمد عبد الرحيم تره وآخرين.
اما التجربة السورية وقد احتلت الباب الثالث من الكتاب فهي تبدأ في وقت مبكر، ولكنها نالت الكثير من التعتيم عليها مع أن رزق الله حسون المولود في حلب عام 1925، وقد كان له ميل كبير الى القصة في الشعر، «صدر له في لندن عام 1867 كتابه الرائد والفريد النفثات»، وقد اهداه الى صديقه الامير عبد القادر الجزائري، وهو مترجم عن الروسية لمؤلفه «ايفان كريلوف».
رأى الكاتب في هذا الكتاب شدة التصنع والتقعر في الصياغات مع تنويعه وتلوينه الإيقاعي، وهو ما لم يسبقه اليه أحد.
ويتناول الكاتب تجارب اخرى في سورية منها تجربة «جرجس شلحت» في كتابه النخبة من امثال فنلون، وهي تجربة «متقدمة عن تجربة حسون، فالشعر فيها اجمل واسلس» ولغته متطورة وحية.
يحتوي كتاب شلحت على خمس حكايات نقلها نثراً، وسبع حكايات نقلها شعراً وهي: «ثعلبان» ثعبان وثعلبان، بوم ، حمام الزاجل، أرنب، ثعالة ونحل»، وهي نصوص نظمها على بحري الرجز والرمل.
ثم ينقلنا الى تجربة «جميل سلطان» دمشق 1909 -1980 وعاش حياته في العمل التربوي من التدريس الى الادارة التربوية، وخلال ذلك عمل في تأليف كتب القراءة والمطالعة والاستظهار لجميع المراحل.
واول ما اثر عنه في باب شعر الأطفال «محاورة غنائية، الولد والعصفور» لحنها مصطفى الصواف مدرس الموسيقا والملحن المعروف وبعده، «يا مريض الشم الأسود» وغيرها من قصائد ذات اهداف تعليمية وتربوية بلغة مناسبة للطفولة، وتحدث خلالها عن الطبيعة والوطن وتناول الوصف والتوجيه (الصحي والمعلومة العامة في اطار لا يخلو من تشويق ورهافة)، ولم يتورع الباحث عن الإشادة بجهد «سلطان» دون ان تأخذه الى تناسي بعض ما كان في هذه التجربة من جوانب القصور التي يشفع فيها كونها تجربة رائدة.
لم يصدر جميل سلطان قصائده في كتاب منفرد، بل ظلت مبثوثة في الكتب المدرسية التي ألفها والتي اعتمدها من بعده مؤلفون آخرون.
اما عبد الكريم الحيدري، فقد شكلت تجربته قفزة نوعية في شعر الأطفال من خلال كتابه «حديقة الأشعار المدرسية» وقد صدرت على الأغلب «في أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات» وكانت له إسهامات في تأليف «المختارات المدرسية وقصة الطفل ومسرحه» مقترباً من لغة الطفل وعالمه، متخذاً موضوعاته من عالم الحيوان ومتخذاً من العلم والتعليم موضوعات أخرى إضافة إلى (الشجرة والفصول والمطر والحدائق، واستطاع في قصيدة الخريف ان يقدم أنموذجاً متميزاً عن الطبيعة) ينقلها الباحث كاملة في الباب الثالث من كتابه.
ومن رواد شعر الأطفال في سورية أيضاً يذكر «جسماني شقرا» في كتابها «روضة الأطفال» وينتقل بعد ذلك للحديث عن شعراء الأطفال حتى الخمسينيات مثل سليم الحنفي وحسني كنعان وجرجس عبد الملك وعز الدين التنوخي ومصطفى الصواف ونصرة سعيد والاسهام في شعر الأطفال في سورية حتى الخمسينيات جاء غزيراً وخصصت له كتب خاصة به إضافة الى شعراء آخرين جاؤوا ببعض القصائد من خلال نتاجهم الأدبي منتشرة بين صفحات دواوين لهم أو مجموعات شعرية كما ابدعه فخري البارودي وميخائيل الله ويردي، وبدر الدين الحامد، وخير الدين الزركلي، وعبد القادر المبارك، وعبد الرحمن قات، وتيسير ظبيان، وادوار مرقص، وعمر يحيى، وأنور العطار، وخليل مردم بك، وأمجد الطرابلسي، وبدوي الجبل....
وفي هذه العملية الاحصائية يذكرنا الكاتب بشعراء مجلّين كانوا يقتحمون بين الحين والحين عالم الطفل في أشعارهم وهم جديرون ببحوث خاصة تعيدهم الى الذاكرة وتقدمهم الى الأجيال، بخاصة وهم ذوو قامات شعرية عالية.
ويخص الكاتب شعر الأطفال في سورية في مرحلة لاحقة تبدأ من السبعينيات بخاصة مع ولادة مجلة أسامة،... يذكر تحت هذا الفصل أسماء لشعراء تفاوتت مستويات ما قدموه في هذا الباب من أمثال: نهاد طرزي، عبد المجيد المشوح، نجاة قصاب حسن، مصطفى عكرمة، ياسر المالح، ممدوح سكاف، سمير مراد، مصطفى خضر، معشوق حمزة، جمال عبد الجبار علوش، موفق نادر، ركان الصفدي، أسعد الديري، سامر كحل، ومريم خير بك.
ولأهمية تجربة سليمان العيسى يخصه الباحث بفصل منفرد.
ينتقل البحث بعد ذلك في بابه الرابع إلى التجربة اللبنانية، ابتداء من خليل مطران وقد جمع له اخوه ألبير مجموعة كبيرة من الاراجيز التهذيبية للأطفال والشباب تحت عنوان «الى الشباب»، وبعده حليم دموس وقد « قدم زاداً غنياً للأطفال وضعت في كتب مدرسية»، منها قصيدة «عليك مني السلام يا أرض أجدادي...».
وغيرها، عبر من خلالها عن تميزه الفني في شعر الأطفال، وقد اختيرت كثير من قصائده ليكون موضوعاً للحفظ والاستظهار في الكتب المدرسية.
ومن هؤلاء أيضاً اللغوي المعروف «مصطفى الغلاييني»، وقد قدم قصائد وأناشيد فيها التغني بالماضي العربي التليد ومناشدة الأجيال للتسلح بالعلم والقوة بما في ذلك من تشجيع للفتاة على التعليم على الرغم من موقفه المحافظ بالنسبة للسفور والحجاب.
وخصص الكتاب التجربة اللبنانية بفصل عن الكتاب التعليمي وشعر الأطفال وقد جمع في مثل ذلك قصائد عدة لعدد من الشعراء أمثال جبران النحاس، جرجس همام، خليل بيدس، وجرجس عبد الملك، يوسف صفير، فؤاد سالم، نقولا رزق الله ووديع سركيس...
وقد أصدر هؤلاء كتباً تعليمية هامة ضمت أشعارهم وقدمت للأطفال على مقاعد الدرس.
وإضافة إلى ما ذكر فقد سرد الكاتب أسماء شعراء آخرين كان في نتاجهم شيء غير يسير من شعر الأطفال من هؤلاء ابتداء ناصيف اليازجي، بطرس البستاني، أسعد طراد، رياض المعلوف، رشدي المعلوف، إيليا أبو ماضي، شبلي الملاط، والأخطل الصغير، محمد الحومائي، الياس أبو شبكة، الياس فرحات، الشاعر القروي، روز غريب، عمر فروخ، حسن عبد الله، محمد علي شمس الدين وجودت فخر الدين.
وتناول الكاتب في بابه الخامس التجربة العراقية، ابتداء من علي الشرقي في قصيدة له نشرها عام 1909 وبعده الرصافي والزهاوي والجواهري.
وتتالت المساهمات على يد نخبة من الشعراء والمربين... أخذت تتلون بعطاءات أكثر قرباً من خصائص الكتابة للأطفال، يذكر منهم علي جميل الخطيب، مصطفى جواد، أحمد حقي الحلي، اسماعيل الموصلي، أحمد الصافي النجفي، وداود الوتري...
ويعقد للرصافي فصلاً خاصاً به، كما خصص فصلاً لشعر الأطفال بعد 1970 والمساهمات الشعرية في مجلتي «مجلتي» و«المزمار»، ومن نجوم هذه المرحلة وقد أسهم فيها الباحث نفسه: عبد الرزاق عبد الواحد، فاروق سلوم، علي جعفر العلاق، ناهض خياط، حارث طه الراوي، نبيل ياسين، خالد يوسف، كريم العراقي، غازي الفهد، خالد الخزرجي، وخليل خزعل... أما الباب السادس والباب السابع فقد خصه للتجربة الفلسطينية الأردنية وفيها أمثلة ونماذج من شعر اسكندر الخوري فقد قدم نصوصاً جميلة اعتمد في بعضها على حكايات من التاريخ العريق ويخصه الكاتب بفصل كامل ليأتي إلى فصل آخر موسوم بعنوان أبو سلمى وشعر الأطفال ليأتي بعد ذلك على تجارب أخرى أردنية فلسطينية مثل تجربة نخلة زريق وإسعاف النشاشيبي وبرهان العبوشي وفاطمة رضا وابراهيم طوقان ويوسف الخطيب وأحمد دحيور ومحمد الظاهر وآخرين... ويخصص للتجارب العربية الأخرى الباب السابع مفتتحاً إياه بفصل عن «علال الفاسي» رائد شعر الأطفال في المغرب العربي، ثم في فصل آخر يمثل لتجارب شعراء آخرين بمقتطفات من أشعارهم مثل الليبي مصطفى بن زكري والتونسي ابراهيم الهنغاري ثم ابراهيم أوسطي عمر فرفيق المهدوي، وبعض أشعار بن باديس وأحمد كاتب من الجزائر وكذلك مفدي زكريا وآخرين...
أما شعر الأطفال في الجزيرة العربية والكويت والسودان فنماذجه ما أبدعه أحمد بن خالد المشاري من الكويت ومساعد الرفاعي وعبد الله سنان وخالد الفرج وفهد العسكر، ومن عمان راشد بن حميس، ومن السعودية طاهر الزمخشري وأحمد بن مشرف ومن اليمن أحمد الشامي وأحمد باكثير من حضرموت وبابكر بدري من السودان...
أما الباب الأخير فقد خصه بإضاءة نقدية على شعر الأطفال في الوطن العربي، ذاكراً تأثيرات لافونتين فيه ومشيراً إلى بعض الكتابات النقدية في شعر الأطفال في كتابات أحمد نجيب وعلي الحديدي وعبد الرزاق جعفر وهادي الهيني... ويتناول كتابات هؤلاء بالنقد مشيراً إلى قصور معظمها عن الإلمام بالتجربة الشعرية الطفلية.
وعن العلاقة بين المرأة وشعر الأطفال، فيذكر الكاتب بروز غريب وأمينة نجيب وجسماني شقرا وباحثة البادية ومها غريب وجمانة نعمان وغيرهن.
هذه لمحة عامة عن الكتاب «الموسوعة» الذي ضم فصلاً عن موضوعات شعر الأطفال العربي، وهو عمل يحتاج لجهد جماعي نهض به بيان الصفدي باقتدار وموضوعية لعله بذلك يفتح الباب لدراسات نقدية عن هذا الجنس الأدبي الخطير، وقد اقتحمه كثيرون ممن لا يدركون طبيعة الطفولة ويجهلون اللغة التي يجب أن يكتب فيها للأطفال.

إسماعيل الملحم

http://www.albaath.news.sy/user/?id=303&a=27197