أمريكا وثورة الشعب المصري
عبدالوهاب محمد الجبوري
منذ فترة طويلة كنا نسمع ونرى الكثير عن موقف الشعب المصري من نظام الرئيس حسني مبارك .. وخلال الانتخابات المصرية الأخيرة تصاعدت حدة التذمر والاحتجاج والتنديد الجماهيري بالنظام والتي بدات تتقد يوم 26 / 1 / 2011 واستمرت 18 يوما تكللت بالظفر وتحقيق هدفها الرئيس المباشر وهو ابعاد مبارك عن السلطة وتغيير النظام السياسي ..
ومن خلال متابعاتنا لتطورات هذه الثورة المجيدة يتضح بما لا يقبل مجالا للشك أن اصرار الشعب المصري على اسقاط النظام ورئيسه كان لأسباب كثيرة ، خاصة بعد فشله المزمن بتحقيق تنمية اقتصادية، نجم عنه عجز كامل في تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية مما زاد نسبة البطالة والفقر بين صفوف الشعب المصري ..كما أن احتكار الحزب الحاكم بقيادة مبارك للعمل السياسي واختصاره بهم، هو الذي غيّب وجود حياة ديمقراطية حقيقية في مصر رغم وجود هامش من حرية التعبير والرأي انتشرت في الآونة الأخيرة، بيد أن ذلك قابله استمرار الفشل في إدارة الدولة وانتشار الفساد بصورة مرعبة، حيث بات النهب والسلب عناصر واقعية تغذي الفساد وتنشره بين صفوف النخبة الحاكمة ..
ومنذ فترة ليست بالقصيرة نرى أن الحكام المتنفذين والمتسلطين على مقدرات شعوبهم لم يأخذوا العبرة بعد مما يجري من غليان في صفوف الجماهير العربية ضد الانظمه المستبدة والتي وضعت في أولوياتها حماية النظام على حساب المصالح القومية وكرامة شعوبها الوطنية وقبلت بالاستظلال بحماية أمريكا وإسرائيل على حساب الكرامة الوطنية ، وحين نسمع تصريحات وزيرة الخارجية الامريكيه وهي تدعو النظام المصري للتجاوب مع متطلبات الشعب المصري وتدعو الشعب المصري لضبط انتفاضته ونسمع الرئيس الأمريكي اوباما يهاتف الرئيس مبارك - قبل سقوطه - ويدعوه للإصلاح ، في أشاره وكان أمريكا هي التي تحرك الشعوب للانتفاض على الدكتاتورية في العالم العربي وان أمريكا هي من يدعم انتفاضة ومطالب هذه الشعوب ..
هنا نجد خطأ السياسة الأمريكية وحساباتها الإستراتيجية المغلوطة والتي لم تعد تنطلي على الشعوب الواعية ، هذه الرسالة الأمريكية التي تحاول أن توحي بان انتفاضة الشعوب ضد حكامها هو من اجل تحسين دخل الفرد وتحسين الوضع الاقتصادي ومنح هذه الشعوب بعضا من الحريات هي رسالة مضللة وواهمة لان أمريكا نست أو تناست أنها هي التي صنعت هذه الانظمه وان استبدادها وتجبرها هو نتيجة حتمية للمظلة السياسية والاقتصادية التي وفرتها الإدارة الأمريكية لهذه الأنظمة ، من اجل حماية المصالح الأمريكية والإسرائيلية وتمريرها على حساب المصالح الإستراتيجية للأمة العربية ..
إن المساعدات الامريكيه لمصر ، ما يزيد عن مليار ونصف المليار دولار ، هي مكافئة أمريكا للنظام المصري على معاهدة كامب ديفيد وخروج مصر من دوله عربيه ذات ثقل إقليمي ودولي تعمل لحماية المصالح القومية العربية ، إلى دوله وسيط لمصالح إسرائيل وأمريكا في المنطقة ، وان التهديد بقطع هذه المساعدات له دلالاته الواضحة ، فالإستراتيجية الأمريكية خططت لان تبقى مصر بعيدة عن التزاماتها العربية المسئولة من قضايا كانت وما زالت في صميم وجدان المصريين والعرب، واعني بها قضية فلسطين ..
إن تراجع دور النظام المصري من حاضن للقضية الفلسطينية إلى دور الوسيط ومن دور صاحب القضية إلى دور الداعم للتوجهات السلمية التخاذلية ، وموقفه من قضية انفصال شمال السودان عن جنوبه ، وهي قضيه مهمة جدا بالنسبة للأمن القومي العربي والأمن المصري ، حيث موقف النظام مع الاستفتاء وتأييد الانفصال وكذلك الحال في العديد من القضايا التي وقف النظام المصري فيها موقف المؤيد والداعم ، كما حصل عند غزو العراق وفي لبنان وغيرها وكذلك موقفه السلبي ضد حليف الأمس سوريا ، كل تلك المواقف جعلت المصريين يشعرون بتراجع موقف بلادهم وجعلتهم يشعرون بالأسى والحزن لما آلت إليه مصر بتلك المواقف المتقهقرة والمتراجعة ..
وعليه يخطئ من يظن أن المصريين ثاروا فقط من اجل لقمة العيش ومن اجل حريتهم ، لقد انتفضوا أيضا لكي يعيدوا الكرامة لبلدهم وعودته إلى حظيرته العربية الأصيلة ، بلدهم مصر العروبة التي كانت وما زالت عبر التاريخ تحتفظ بمكانتها كقلعه من قلاع العرب الصامدة في وجه العدوانيين والمحتلين وقلعه من قلاع ألمطالبه بالحقوق المشروعة للأمة العربية وقلعه من قلاع مواجهة الصليبيين والتتار ومواجهة الاستعمار والامبريالية والصهيونية ..
أما ما رافق ثورة الشباب المصري من أعمال سلب ونهب وتخريب ودمار وقتل فهو مما يدمي القلب ويدفع إلى الاعتقاد بان الذين قاموا بهذه الأعمال هم من أعداء الشعب المصري ومن القتلة والمجرمين وربما يكونون – على الأغلب - موجهين لتشويه صورة الثورة وللتغطية عن أهدافها الحقيقية التي اشرنا إليها ..
وكلمة اخيرة نقولها انه في مواجهة كل الاحتمالات والضغوط الخارجية فان اكثر ما يخشاه المصريون والعرب هو سعي امريكا لتبديل وجه بوجه للالتفاف على الأهداف الحقيقية للثورة المصرية ، مما يتطلب الوعي والحذر من مثل هذه المحاولات تحت اي غطاء او تبرير ..