1-الذكر
لغة:
في القاموس المحيط:
الذِّكْرُ، بالكسر: الحِفْظُ للشيءِ،
كالتَّذْكارِ، والشيءُ يَجْري على اللسان، والصِّيتُ.
وفي لسان العرب :
الذِّكْرُ: الحِفْظُ للشيء تَذْكُرُه،
والذِّكْرُ أَيضاً: الشيء يجري على اللسان.
والذِّكْرُ جَرْيُ الشيء على لسانك.
في مفردات ألفاظ القرآن لراغب الأصفهاني: "الذكر: تارة يقال ويراد به هيئة للنفس بها يُمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة، وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتبارا بإحرازه، والذكر يقال اعتبارا باستحضاره، وتارة يقال لحضور الشيءِ القلبَ أو القولَ، ولذلك قيل: الذكر ذكران: ذكر بالقلب، وذكر باللسان. وكل واحد منهما ضربان: ذكر عن نسيان، ذكر لا عن نسيان بل عن إدامة الحفظ,وكل قول يقال له ذكر، فمن الذكر باللسان قوله تعالى: {لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم} [الأنبياء/10]، وقوله تعالى: {وهذا ذكر مبارك أنزلناه}...... ومن الذكر عن النسيان قوله: {فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره} [الكهف/63]، ومن الذكر بالقلب واللسان معا قوله تعالى: {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} [البقرة/200]، وقوله: {فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم} [البقرة/198]، وقوله: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} [الأنبياء/105]، أي: من بعد الكتاب المتقدم.
اصطلاحا :
يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى(10/661) "ملازمة الذكر وأفضله لا اله الا الله":"ثُمَّ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ اللِّسَانُ وَتَصَوَّرَهُ الْقَلْبُ مِمَّا يُقَرِّبُ إلَى اللَّهِ مِنْ تَعَلُّمِ عِلْمٍ وَتَعْلِيمِهِ وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفِ وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ فَهُوَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ."(10/661).
ويقول ابن القيم في الوابل الصيب" الذكر ثناء على الله عز و جل بجميل أوصافه وآلائه وأسمائه والدعاء سؤال العبد حاجته فأين هذا من هذا ؟"
ويقول رحمه الله في نفس الكتاب فالذكر نوعان :
أحدهما ذكر أسماء الرب تبارك وتعالى وصفاته والثناء عليه بهما وتنزيهه وتقديسه عما لا يليق به تبارك وتعالى وهذا أيضا نوعان :
أحدهما إنشاء الثناء عليه بها من الذاكر وهذا النوع هو المذكور في الأحاديث نحو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده ولا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ونحو ذلك فأفضل هذا النوع أجمعه للثناء وأعمه نحو سبحان الله عدد خلقه فهذا أفضل من مجرد سبحان الله وقولك الحمد لله عدد ما خلق في السماء وعدد ما خلق في الأرض وعدد ما بينهما وعدد ما هو خالق أفضل من مجرد قولك الحمد لله وهذا في حديث جويرية أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لها : [ لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن : سبحان الله عدد خلقه سبحان الله رضا نفسه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله مداد كلماته ] رواه مسلم
وفي الترمذي وينن أبي داود عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله على امرأة بين يديها نوى أو حصى تسبح بها فقال : [ سبحان الله عدد ما خلق في السماء وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض وسبحان الله عدد ما بين ذلك وسبحان الله عدد ما هو خالق والله أكبر مثل ذلك ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك ]
الثاني الخبر عن الرب تعالى بأحكام أسمائه وصفاته نحو قولك : الله عز و جل يسمع أصوات عباده ويرى حركاتهم ولا تخفى عليه خافية من أعمالهم وهو أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم وهو على كل شيء قدير وهو أفرح بتوبة عبده من الفاقد راحلته ونحو ذلك وأفضل هذا النوع الثناء عليه بما أثنى به على نفسه وبما أثنى به رسول الله صلى الله عليه و سلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا تمثيل وهذا النوع أيضا ثلاثة أنواع : حمد وثناء ومجد فالحمد لله الإخبار عنه بصفات كماله سبحانه وتعالى مع محبته والرضاء به فلا يكون المحب الساكت حامدا ولا المثني بلا محبة حامدا حتى تجتمع له المحبة والثناء فإن كرر المحامد شيئا بعد الشيء كانت ثناء فإن كان المدح بصفات الجلال والعظمة والكبرياء والملك كان مجدا وقد جمع الله تعالى لعبده الأنواع الثلاثة في أول الفاتحة فإذا قال العبد : { الحمد لله رب العالمين } قال الله تعالى : حمدني عبدي وإذا قال : { الرحمن الرحيم } قال : أثنى علي عبدي وإذا قال : { مالك يوم الدين } قال : مجدني عبدي
النوع الثاني من الذكر ذكر أمره ونهيه وأحكامه وهو أيضا نوعان :
أحدهما ذكره بذلك إخبارا عنه أمر بكذا ونهى عنه كذا وأحب كذا وسخط كذا ورضي كذا
والثاني ذكره عند أمره فيبادر إليه وعند نهيه فيهرب منه فذكر أمره ونهيه شيء وذكره عند أمره ونهيه شيء آخر فإذا اجتمعت هذه الأنواع للذاكر فذكره أفضل الذكر وأجله وأعظمه
( فائدة ) فهذا الذكر من الفقه الأكبر وما دونه أفضل الذكر إذا صحت فيه النية
ومن ذكره سبحانه وتعالى ذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وأياديه ومواقع فضله على عبيده وهذا أيضا من أجل أنواع الذكر
فهذه خمسة أنواع وهي تكون بالقلب واللسان تارة وذلك أفضل الذكر وبالقلب وحده تارة وهي الدرجة الثانية وباللسان وحده تارة وهي الدرجة الثالثة فأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان وإنما كان ذكر القلب وحده أفضل من ذكر اللسان وحده لأن ذكر القلب يثمر المعرفة ويهيج المحبة ويثير الحياء ويبعث على المخافة ويدعو إلى المراقبة ويزع عن التقصير في الطاعات والتهاون في المعاصي والسيئات وذكر اللسان وحده لا يوجب شيئا منها فثمرته ضعيفة .
2-الدعاء:
لغة:
في معجم مقاييس اللغة لابن فارس
الدعاء:"مأخوذ من مادة (دعو)، التي تدل في الأصل على إمالة الشيء إليك بصوت وكلام يكون منك " .
ومن هذا الأصل الدعاء في معنى الرغبة إلى الله عز وجل، وهو واحد الأدعية، والفعل من ذلك دعا يدعو، والمصدر الدعاء والدعوى.
أما الدعوة في المرة الواحدة من الدعاء ومنه قوله ×: (ولتشهد الخير، ودعوة المسلمين) - أخرجه البخاري، كتاب العيدين، باب خروج النساء والحيض إلى المصلى،-أي دعاء المسلمين .
والدعّاءة: الأنملة يدعى بها كقولهم السبابة كأنها هي التي تدعو، كما أن السبابة هي التي كأنها تسب . ودعوت فلاناً أي صحت به واستدعيته، ودعاه الأمير: ساقه .
وفي : لسان العرب، لابن منظور
والدُّعاءُ الرَّغْبَةُ إلى الله عز وجل، دَعاهُ دُعاءً ودَعْوَى.
والدعاءُ واحد الأَدْعية، وأَصله دُعاو لأنه من دَعَوْت، إلا أن الواو لمَّا جاءت بعد الأَلف هُمِزتْ.
والدعاة: قوم يدعون إلى بيعة هدى أو ضلالة، وأحدهم داع، ورجل داعية إذا كان يدعو الناس إلى بدعة أو دين، أدخلت الهاء فيه للمبالغة.
في قاموس المحيط للفيروزآبادي
والدُّعاءُ الرَّغْبَةُ إلى الله عز وجل، دَعاهُ دُعاءً ودَعْوَى.
في مفردات ألفاظ القرآن لراغب الأصفهاني: الدعاء كالنداء، إلا أن النداء قد يقال بيان أو أيا، ونحو ذلك من غير أن يضم إليه الاسم، والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم، نحو: يا فلان، وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر.
وقد ورد الدعاء في اللغة بعدة معان منهاينظر الى كتاب الدعاء وأحكامه الفقهية لخلود بنت عبدالرحمن المهيزع- سالة جامعية مقدمة لنيل درجة الماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كلية الشريعة، قسم الفقه-
"وقد ورد الدعاء في اللغة بعدة معان منها:
1 – العبادة: كما في قوله تعالى( وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِين)
2 – الاستغاثة: كما في قولـه تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) أي استغيثوا بشهدائكم.
3 – التوحيد: كما في قوله تعالى: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا) يقول: لا إله إلا الله، ويدعوه .
4 – النداء: دعا الرجل دعواً ودعاءً ناداه، والاسم الدعوة ، ومنه قوله تعالى:
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ).
قال الراغب: «الدعاء مثل النداء إلا أن النداء قد يقال بـ (يا) أو (أيا)، ونحو ذلك من أدوات النداء من غير أن يضم إليه الاسم، أما الدعاء فلا
يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم نحو: يا فلان، وقد يستعمل كل منهما في موضع الآخر».
5 – القول: ومنه قوله تعالى: (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
6 – السؤال والطلب - وهو المراد به هنا - يقال: دعوت الله أدعوه دعاء، أي ابتهلت إليه بالسؤال، ورغبت فيما عنده من الخير ، ومنه قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) .
فمتى صدر اللفظ بصيغ السؤال والطلب، كقوله: يا الله يا رحمن، يا رب، ربنا ؛
فهو دعاء. قال ابن منظور - رحمه الله -: «معنى الدعاء لله على ثلاثة أوجه: فضرب منها توحيده والثناء عليه ؛ كقولك: يا الله لا إله إلا أنت، وكقولك: ربنا لك الحمد إذا قلته فقد دعوته بقولك ربنا، ثم أتيت بالثناء والتوحيد، ومثله قوله وقال ربُّكم ادعوني أَسْتَجِبْ لكم إنَّ الذين يَسْتَكبرون عن عِبادتي )، فهذا ضرب من الدعاء .
الضرب الثاني: مسألة الله العفو والرحمة وما يقرب منه، كقولك: اللهم اغفر لنا .
الضرب الثالث: مسألة الحظ من الدنيا كقولك: اللهم ارزقني مالاً وولداً، وإنما سمي هذا جميعه دعاء ؛ لأن الإنسان يصدر في هذه الأشياء بقوله يا الله يا رب يا رحمن، فلذلك سمي دعاء ..».
اصطلاحا:
عرفه العلماء بعدة تعاريف كلها متقاربة ؛ منها:
1 – أن معنى الدعاء: استدعاء العبد ربه – عز وجل – العناية، واستمداده إياه المعونة، وحقيقته إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة .
2 – وعرف بأن الدعاء هو قول القائل يا الله، يا رحمن، يا رحيم، وما أشبه ذلك
3 – وعرف بأنه مناداة الله تعالى لما يريد من جلب منفعة، أو دفع مضرة من المضار والبلاء بالدعاء، فهو سبب لذلك، واستجلاب لرحمة المولى.
4 – وقال شيخ الإسلام – رحمه الله –: «إن دعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره ودفعه، وكل من يملك الضرر والنفع فإنه هو المعبود» .
5 – وعرف بأنه: الابتهال إلى الله تعالى بالسؤال والرغبة فيما عنده من الخير، والتضرع إليه في تحقيق المطلوب، وإدراك المأمول .
6 – وعرف بأنه: الرغبة إلى الله عز وجل ، أو هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله والاستكانة له .
وعرف بتعريفات كثيرة تقارب التعريفات السابقة
والتعريف المختار: أن الدعاء هو التضرع إلى الله والافتقار إليه بطلب تحقيق المطلوب أو دفع المكروه بصيغ السؤال والخبر.
وهذا التعريف وإن كان ظاهراً في دعاء المسألة إلا أنه متضمن لدعاء العبادة ؛ لأن كل سائل راغب راهب فهو عابد للمسئول .
وقولنا في التعريف: (بصيغ السؤال والخبر...):
لأن السائل تارة يسأل بصيغة الطلب، وتارة يسأل بصيغة الخبر، إما بوصف حاله، وإما بوصف حال المسئول، وإما بوصف الحالين معاً ." كتاب الدعاء وأحكامه الفقهية.
************
فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه بدائع الفوائد:" كل من الدعاء و الذكر يتضمن الآخر و يدخل فيه"
و بهذا فإن الذكر في كثير من الأحيان دعاء، والدعاء في كثير من الأحيان ذكر وإن الذكر باعتباره وسيلة القرب من الله هو دائما دعاء وإن الدعاء – وهو تضرع وخضوع لله تعالى- هو دائما ذكر وليس بينهما فرق إلا في الصِيغ والشكل، ومن حيث كونه:
*دعاء العبادة فهو مرادف للذكر.
*أو دعاء المسألة فهو أخص منه.
ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم
"أفضل الدعاء الحمد لله" والحمد لله أليست ذكرا ؟
و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو عند الكرب يقول: " لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات و رب الأرض ورب العرش الكريم." فهذا ذكر يتضمن دعاء فهما إذن متلازمان.
*************
الدعاء ينقسم إلى قسمين دعاء مسألة ودعاء عبادة ،وكل دعاء عبادة فهو ذكر والعكس بالعكس.
يبقى لنا هل كل دعاء مسألة ذكر ؟
ودعاء المسألة يتضمن الطلب والسؤال أما الذكر فقد يتضمنهما وقد لا يتضمنهما لكن عند التحقيق نجد أن كل ذكر دعاء وكل دعاء ذكركيف ذلك ؟
لأن الذاكر حقيقة حال كونه يذكر ربه بأي نوع من أنواع الذكر فهو بلسان حاله يدعو ربه أن يتقبل منه وأن يثيبه .
**
المصدر
http://mountada.darcoran.org/index.php?showtopic=25232