بدون مؤاخذة 5/جميل سلحوت

يحيي الشعب الفلسطيني هذه الايام الذكرى الحادية والستين للنكبة الكبرى التي حلت بهذا الشعب في 15 ايار 1948 . والتي تمحضت عن اقامة دولة اسرائيل على 78.4% من اراضي فلسطين التاريخية ، وتشريد الشعب الفلسطيني في ارض اللجوء في كافة ارجاء المعمورة

 

في ذكرى النكبة الفلسطينية

يحيي الشعب الفلسطيني هذه الايام الذكرى الحادية والستين للنكبة الكبرى التي حلت بهذا الشعب في 15 ايار 1948 . والتي تمحضت عن اقامة دولة اسرائيل على 78.4% من اراضي فلسطين التاريخية ، وتشريد الشعب الفلسطيني في ارض اللجوء في كافة ارجاء المعمورة . وقد رافقت هذه النكبة مذابح جماعية وجرائم حرب ضد الانسانية ، ولم تكن مذبحة دير ياسين الا واحدة من سلسلة مذابح كانت تستهدف ترويع ما تبقى من الفلسطينيين لإجبارهم على الهرب من وطنهم طلبا للنجاة بأرواحهم ، لأن قادة الفكر الصهيوني يريدون دولة عبـرية خالصة نقيـة مـن ” الاغيار ” الغرباء .
ومن المفارقات التي لم تعد عجيبة ان يهود اسرائيل يحتفلون بهذه المناسبة كعيد استقلال لدولتهم ؟ وهذه المفارقة تؤكد من جديد ان ” مصائب قوم عند قوم فوائد ” . وهذه المفارقة هي التي وضعت المنطقة في صراع تناحري حصد ارواح مئات الاف الضحايا بين قتيل وجريح من الطرفين . وواضح ان هذا الصراع منذ بدايته وحتى الان يستمر في ظل عدم وجود توازن قوى بين الطرفين او الاطراف المتصارعة .
ومعروف ايضا ان اسرائيل التي ما كانت لتقوم كدولة ، لولا تواطؤ قوى عظمى مع الحركة الصهيونية . فبريطانيا التي خرجت من الحرب العالمية الاولى منتصرة ، اصدرت وعد بلفور في الثاني من تشرين عام 1917 وتعهدت فيه باقامة وطن قومي لليهود في فلسطين ، وتزامن ذلك مع اتفاقية سايكس – بيكو بين فرنسا وبريطانيا لتقسيم العالم العربي الى دويلات ،وهذا يؤكد ان التخطيط لاقامة دولة لليهود في فلسطين لا علاقة له بضحايا النازية من اليهود، وبريطانيا التي فرضت انتدابها على فلسطين بعد الحرب الكونية الاولى وحتى 15 ايار 1948 هي التي سلحت ودربت العصابات الصهيونية ، وسلمتها قواعدها العسكرية عند انساحبها ، كانت تعدم الفلسطيني شنقا حتى الموت اذا ما ضبطت معه رصاصة فارغة ،وللتذكير فقط فقد كان الحلم الصهيوني باقمة دولة لليهود في فلسطين قد سبق ذلك بكثير ،فالمؤتمر الصهيوني الاول عقد في مدينة”بازل” في سويسرا عام 11897 وحسم الصراعات حول مكان اقامة دولة اليهود،فبعضهم كان يقترح الارجنتين في امريكا الجنوبية،وبعضهم اقترح اقامتها في أوغندا في افريقيا.
واسرائيل التي استمدت شرعية وجودها من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم -181- المعروف بقرار التقسيم والصادر في 29 نوفمبر 1947 ، لم تكتف بالحدود التي اعطاها اياها قرار التقسيم ، والتي بموجبها تسيطر على ما مساحته حوالى 52% من فلسطين، بل تعدته الى اكثر من ذلك بكثير . كما انها قبلت بجزء من البند الذي ينص على اقامة دولة يهودية ، ورفضت جزءه الثاني الذي ينص على اقامة دولة عربية فلسطينية، ورغم صغر مساحة فلسطين التي لا تزيد عن 26 الف كيلو متر مربع ، فإن التداخل السكاني بين اليهود الذين هاجروا الى فلسطين ، واصبحوا مواطنين في دولة اسرائيل ، وبين المواطنين الفلسطينيين العرب المواطنين الأصليين لهذه البلاد أمر ظاهر للعيان.
وهذا التداخل الناتج عن الاطماع الصهيونية التوسعية ادى الى حروب متواصلة حتى حرب حزيران 1967 والتي اوقعت كامل اراضي فلسطين التاريخية تحت السيطرة الاسرائيلية، اضافة الى اراضي عربية اخرى . وهذا التداخل السكاني له تعقيداته الأخرى ، فمثلا تبقى في الاراضي التي قامت عليها اسرائيل مائة وخمسون الف فلسطيني عضوا على تراب وطنهم بالنواجذ ، تكاثروا واصبح عددهم الآن حوالي مليون ونصف انسان ، جزء كبير منهم لاجئون داخل وطنهم ، فاسرائيل التي تعتبرهم مواطنين فيها، ويحملون حنسيتها صادرت غالبية اراضيهم ، ورحلت الآلاف منهم من مدنهم وقراهم ، وتعاملهم كمواطنين ناقصي المواطنة في مختلف المجالات ، حتى ان بعضهم عبر عن ذلك بسخرية قاتلة عندما قال : ” دولتي تحارب شعبي ، وشعبي يحارب دولتي ” وهؤلاء الفلسطينيون يحيون ذكرى النكبة التي حلت بهم ، فاستقلال ” دولتهم ” هو نكبة لهم ، فدولتهم ” تضطهدهم وتسلبهم انتماءهم القومي وتحارب شعبهم وأمتهم ، ويعي قادة الفكر الصهيوني مدى التناقض الذي يعيشونه ، ومن هنا فانهم يطرحون ” يهودية الدولة ” ليتخلصوا من مواطنيهم الفلسطينيين ،ولتكون اسرائيل دولة لليهود فقط وليس لكل مواطنيها،وهذا غير موجود في أي دولة أخرى في العالم.
واسرائيل الصهيونية القائمة على الاستيطان والتوسع ، قامت ببناء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية ، وفي الجولان السورية ، ونقلت اليها مستوطنين يهود في محاولة لفرض سياسة الأمر الواقع ، ونكلت بالفلسطينيين في الضفة الغربية وفي جوهرتها القدس شرّ تنكيل في محاولة منها لاجبارهم على الرحيل عن وطنهم ، كما أنها تشن حربا مفتوحة على قطاع غزة منذ انقلاب حماس وسيطرتها على القطاع،وتتمثل هذه الحر بالحصار التجويعي وبالقصف الجوي ،ووصلت الحرب ذروتها في 27 ديسمبر -كانون اول – الماضي بالحرب التدميرية الحارقة على القطاع المنكوب ،ويتواصل الحصار ويتواصل الدعم لاسرائيل من دول العالم وخصوصا من الدولة الاعظم في العالم .
واذا كانت اسرائيل وامريكا تعيان ما تقومان به ، وما تخططان له ، فإن غالبية الدول العربية إمّا موافقة أو ساكتة على ذلك ، أو لا يعنيها الامر شيئا ، فالسفارات الاسرائيلية في اكثر من عاصمة عربية ، والدبلوماسيون الاسرائيليون يدخلون غالبية العواصم العربية ، والغاز المصري يتدفق الى اسرائيل ، والحصار مستمر على قطاع غزة ، والاستيطان مستمر في الضفة الغربية .
وتستمر الدعوات لاستئناف المفاوضات دون تحديد سقف زمني لها ،ودون اعتراف اسرائيل بانها دولة محتلة ودون استعدادها لقبول قرارات الشرعية الدولية ، ودون مكافقة اسرائيلية على وقف الاستيطان أو ازالة الحواجز العسكرية التي حولت الحياة في الضفة الغربية الى جحيم لا يطاق .فهل اسرائيل جاهزة لمتطلبات السلام ؟ والجواب ان كل الدلائل تشير الى عكس ذلك تماما ، وواقع الانقسام الفلسطيني يساعد على ذلك ، ولتبقى النكبة مستمرة وتبقى المعاناة مستمرة .

عن admin

شاهد أيضاً

المسيحيون الأورتوذكس العرب في فلسطين /الدكتور أديب المقدسي

الواقع المؤلم لأبناء الطائفة العربية الأورتوذكسية في فلسطين ، ليس وليد حادث طارئ ، انما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *