الرئيسية / شبكة فرسان الثقافة / الفرق بين الواقف والقاعد في”التخرج”المسمى خطأً بـ”التقاعد”/ محمود المختار الشنقيطي المدني

الفرق بين الواقف والقاعد في”التخرج”المسمى خطأً بـ”التقاعد”/ محمود المختار الشنقيطي المدني

ليس من العجب أن أكتب عن هذه القضية،بل العجب ألا أفعل ..

وأنا على عتبة “التخرج”راجيا أن أكون قد “وعيت”ما قضيتُ عمرا “أدرسه”ولكن “عمليا”.

(1)

ليس علينا أن نضحك على أنفسنا عند الحديث عن”التخرج” – المسمى خطأ بــ”التقاعد” – فنظهر الأمر وكأنه حسرة على ترك العمل ..الذي نعشقه حد الفناء .. فنحن في الواقع – أو في غالبه – لا نحب العمل .. وهذه فرصة لنعطر هذه الأسطر ببعض من كلم،من أعطي جوامع الكلم، الحبيب صلى الله عليه وسلم .. ففي حديث أمنا عائشة – رضي الله عنها وعن أبيها – أنها زفت امرأة من الأنصار إلى زوجها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(يا عائشة ما كان معكم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو. (..) وفي رواية شريك فقال :فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني؟ قلت : تقول ماذا ؟ قال : تقول :

أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم   ولولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم    ولولا الحنطة السمراء ما سمنت عذاريكم) أو كما قال صلى الله عليه وسلم،والحديث في البخاري.

نعم. هذه هي الحقيقة الناصعة .. المجردة .. لولا “الحنطة السمراء” أو “الدراهم الخضراء”ما حللنا بمكاتبكم .. !!

فالعدو خلف “لقمة العيش” .. هو المحرك الأول .. والدافع،قبل ذلك لـ”التمدرس” .. ومن هنا تتشعب السبل ..

(2)

من هنا يفترق الأمر إلى سبيلين :

السبيل الأول : يرتبط ارتباطا وثيقا بلقمة العيش … وما قد يجره “التخرج” من نقص في الدخل .. بحسب سني الخدمة .. وتوقف “العلاوة”و”الترقية” .. أي بمعنى آخر “تأكل الراتب” .. ومن الملاحظ أن “نظام التقاعد”يحتاج إلى”تقاعد”!!

فقد وُضع لزمن غير هذا الزمن .. من ناحيتين :

الناحية الأولى : لم يكن “التضخم”قد أخذ بتلابيب المواطن.

الناحية الثانية : كانت الوظائف،في بداية الأمر،متوفرة .. وبالتالي من السهل أن يحصل المواطن على وظيفة وهو في الثامنة عشرة من عمره .. أو العشرين .. ومن هنا يسهل تصور أنه حين يحال إلى”التقاعد” سيكون قد أكمل الأربعين في الخدمة .. وربما أكملها قبل أن يصل إلى الستين من العمر … وقد تغير الوضع تغيرا جذريا .. وظل “نظام التقاعد” .. “مكانك سر”!! مما أوجد تلك العبارة غير المتفائلة التي تفتت عبارة”متقاعد” فتجعلها ” مت    قاعدا”!!

ولو تصورنا مجرد تصور .. وللجدل فقط .. أن “المتخرج = المتقاعد” يحصل على راتبه كاملا .. مع “علاوات دورية” فإن هذه الفرضية الجدلية تقودنا إلى :

السبيل الثاني : وهذه النقطة تتعلق بالناحية النفسية المحضة .. و”التقاعد” يشي  بـ”الاستغناء” .. وربما بـ”عدم الجدوى” .. ولعل البعض يكره”التخرج”كراهية البعض الآخر للشيب .. فيعتبر “التقاعد” ..”نذيرا” .. مثل الشيب تماما .. وإن تميز هذا الزمان .. بظهور الشيب المبكر!!

ويرى بعض المفسرين،ولعله قول جمهورهم أن”النذير”في قول الحق سبحانه وتعالى :

({أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر:37} )

أن”النذير” هنا هو”الشيب” .. وعليه فـ”التقاعد”نذير أيضا.. إلا أنه نذير لا يخفيه الكتمُ!!

(3)

هذه الفقرة حول عبارة”التخرج” :

يأخذ الموظف – وغير الموظف – “دورة” لمدة شهرين… أو أكثر .. فتحسب له .. أو يذهب للدراسة عاما أو عامين ..فيُخبر عنه بأنه”تخرج” .والذي حصل – فعلا – أن “موظفا ما “قد حصل على”دورة عملية” و”نظرية”لعدة عقود .. وقد “تخرج “أيضا!!

كنت في حوار – ممازحة – مع أحد الإخوة .. فشبهت له حال المتقاعد بحال المتخرج .. فقال لي : ولكن المتقاعد لا أحد يوظفه؟

قلت : وما أكثر الذين يحملون “الماجستير”أو “الدكتوراه” .. وأضعافهم يحملون الشهادة الجامعية،ولم يحصلوا على وظيفة .. فهل يخرجهم ذلك من مسمى “الخريجين”؟

فلعله اقتنع!!

ومع يقيني … بأن”التقاعد” في جوهره .. أو لنقل أن تعريف المتقاعد :

هو إنسان أدى ما عليه .. وآن له أن يرتاح .. ويُهزج له ..

يا فلان ..”أديت الواجب”

مع تلك القناعة إلا أن فكرة مقالة قديمة .. لم تر النور ..  خطرت لي .. وذلك حين أخبرني أحد زملائنا – الذي يعمل على نظام”التعاقد” : بتقديم العين على القاف،عكس التقاعد – أن أخاه ذهب للتقديم في ” هيئة مكافحة الفساد” .. وعرض عليه أن يذهب هو أيضا … فلم يفعل .. وحصل أخوه على “وظيفة”هناك ..فكرة المقالة كانت حول ..سؤال دار بخاطري .. هل كل الذي يعملون مع أخي زميلنا من فئة الموظفين الجدد؟

إذ أن تصوري أن بعض الجهات الرقابية .. ومنها “هيئة مكافحة الفساد” تحتاج إلى أصحاب “خبرة”ما رسوا العمل فترة طويلة .. ومرت عليهم صنوف من شبه “الفساد”على أقل تقدير .

في ذيل هذه الفقرة …

مع أنني من حيث المبدأ … لا أحبذ “قبعة التخرج” .. ولكن بدت لي فكرة .. وضعها على رؤوس “المتخرجين” الذين نسميهم خطأ “المتقاعدين” لا تخلو من معنى .. خصوصا لمن لا يرى في ارتدائها بأسا!!

وأنا أمزح قطعا ..فما أقبحه من”طرطور”على الورد النضير . . فكيف به على رأس الكهل الوقور!!

(تمت)

ليس من العجب أن أكتب عن هذه القضية،بل العجب ألا أفعل .. وأنا على عتبة “التخرج”راجيا أن أكون قد “وعيت”ما قضيتُ عمرا “أدرسه”ولكن “عمليا”.

(1)

لقد تعمدتُ إعادة الرقم والاستهلال … للصرف عن متابعة القراءة!! إذ قد يظن من يلقي نظرة أن “الشايب”قد”خرف”أو أن”الحاسوب”قد”ضرب”فأعاد الكلام !!

هذه الجزئية تخصني إن لم أقل وحدي .. فهي تخصني في المقاوم الأول .. والأخير .. فقط!

وهي أسطر “نظرية”في المقام الأخير .. والأول أيضا!

غير بعيد حضرتُ دعوة عشاء .. وقد سمعت شخصا لا أعرفه،وإن قدم مع شخص أعرفه .. وهو أيضا على وشك”التخرج” .. يبدو أن الحديث كان عن”التقاعد”. سمعتُ ذلك الشخص يتحدث،أو يكمل حديثه عن تجربة”نادي المتقاعدين” ولعله قال أنها لم تنجح .. المهم،أنه أكمل حديثه بأن ما يهم هو أن يعرف الإنسان كيف”يسلي نفسه”!!

لم يكمن مستغربا من “شنقيطي”كررت أمه – رحمها الله ورحم أبي – على أذنه عبارة لا تنتمي إلى هذا”العصر” .. كررتها مرارا .. ومرارا .. إلخ.

مفاد تلك العبارة – المنقرضة – أن من  وصل الأربعين “طوى فراش النوم”!!

نعم أماه – رحمك الله ورحم أبي – لقد طوينا فراش النوم .. ولكن ليس لقيام الليل .. بل لمتابعة “كأس العالم” في البرازيل .. !!

ماذا كنتُ أقول؟

نعم. لم يكن مستغربا على “شنقيطي”في سني أن يخطر له حديث الحبيب صلى الله عليه وسلم،والذي رواه سيدنا أبو هريرة – رضي الله عنه – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

(أعذر الله إلى امرئٍ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة) أو كما قال صلى الله عليه وسلم .. والحديث في البخاري.

هنا لابد للقلم أن يقف … فهذه دعوى .. وادعاء تنوء بحمله الراسيات .. وما أسهل التنظير .. ونسأل الله الستر .. والسلامة.

للأمانة .. من سنوات عددا .. وأنا أسأل نفسي .. هل سأظل كما أنا .. أسير على نفس”النمط” وأنا أتقدم في السن؟

لم يتخط الأمر – إلى حد كبير – مرحلة طرح الاسئلة .. وهي مرحلة في غاية الأهمية .. فالإجابات الصحيحة تبنى على أسئلة صحيحة .. صريحة ..

أكرر طرح هذا السؤال على نفسي .. أولا .. وأخيرا

السؤال الذي يستحق الطرح .. هو ما الذي جعل أخانا – الذي لا أعرفه – يتحدث عن “نادي المتقاعدين” وكيف “يسلي المتقاعد نفسه” … رغم أن تقاعد “المسلم”هو فرصه .. للجلوس مع”الأسرة” .. لصلة الرحم .. لأبوابٍ من الخير .. والواجب لا تنهي ..

لعل في قول أخينا المشار إليه .. “يسلي نفسه”ما يقدم لنا “مفتاحا”من مفاتيح الإجابة على هذا السؤال ..

تعالوا نتسلى … “التسلية”عبارة تسربت إلى ثقافتنا .. وتساوى في العدو خلف”التسلية”الصغير .. والمتوسط .. والكهل .. إلخ.

من أين جاء هذا العدو السريع الذي طغى على حياة الأمة ؟

سنأخذ “شهادة” أخينا علي عزت بيجوفيتش .. وضمنها شهادة” يوهان هويزنجا” – “يوهان” : تقول عنه”الموسوعة ” : مؤرخ هولندي وأحد مؤسسي التاريخ الحديث : 1872 / 1945م – يقول أخينا “علي”:

(وترى جميع المجتمعات الشمولية فُرصتها في التلفزيون وتندفع لاستخدامه،وهكذا اصبح التلفزيون تهديدا للحرية الإنسانية،أكثر خطرا من البوليس والسجون ومعسكرات الاعتقال السياسي. وأعتقد أن الأجيال القادمة – ما لم تكن قدرتها على التفكير قد دمرت تماما – سوف تصدم باستشهاد الجيل الحالي المستهدف دون عائق لهذه القوة الضارية التي لا رابط لها. فإذا كانت الدساتير في الماضي توضع للحد من سطوة الحكام،فإن دستورا جديدا سنحتاج إليه لكبح جماح هذا الخطر الجديد الذي يهدد بإقامة عبودية روحية من أسوأ الأنواع.

تتسم الثقافة الجماهيرية بحالة عقلية أشار إليها “يوهان هويزنجا”باسم “الصبيانية”.فقد لا حظ”هويزنجا”أن الإنسان المعاصر يتصرف بطريقة طفولية – بالمعنى السلبي للكلمة – أي بطريقة تتفق مع المستوى العقلي للمراهقة : تسليات مبتذلة،غياب روح الفكاهة الأصيلة،الحاجة إلى أحداث مثيرة ومشاعر قوية،الميل إلى الشعارات الرنانة والاستعراضات الجماهيرية،والتعبير عن الحب والكراهية بأسلوب مبالغ فيه،اللوم والمدح المبالغ فيهما،وغير ذلك من العواطف الجماهيرية القاسية.){ ص 119 – 120 ( الإسلام بين الشرق والغرب ) / علي عزت بيجوفيتش / ترجمة : محمد يوسف عدس / القاهرة / دار الشروق / الطبعة الخامسة 2014م .}

كأن”هوزينجا”ينظر إلى حالنا .. وهو الذي توفي سنة 1945م!!

نعم.إنه الجهاز”الأخطر” ..”التلفاز” .. هذا كله قبل أن يتحول “التلفاز”إلى أيدي “القطاع الخاص” والمملوك لتاجر لا هم له إلا الربح .. كما قد تختبئ خلفه بعض الجهات الرسمية،التي بقي في وجهها بعض”حياء”.. وكان ذلك قبل تحول الأمر إلى “وسائل التواصل”… أو”طوفان”وسائل التواصل ..إلخ.. ثم سقوط “برقع الحياء” !!

واقع مثل هذا … من الطبيعي جدا .. أن تكون من نتائجه  .. أين ستتسلى هذه الليلة .. مراهقا كنت .. أم تجاوزت سن الكهولة !!

(4)

في بداية هذه الاسطر قلتُ :

((لولا “الحنطة السمراء” أو “الدراهم الخضراء”ما حللنا بمكاتبكم .. !!))

طبعا هذا كلام نابع من”واقع”من الصعب إخفاؤه .. ولكن للعملة “وجه آخر” … ولكنه وجه ليس له حضور كبير  في حياتنا .. وهو “حب العمل” وتقدير قيمته من حيث المبدأ ..

مرة أخرى – ربما كالعادة – نأخذ شهادة أخينا”بيجوفيتش”والذي كتب يقول :

(وقد وجد “هنري لفيبفر”- الكاتب الماركسي- أنه من الضروري التأكيد على أن العمل – وفقا للماركسية – “عنصر إنتاج وليس عنصر أخلاق”. إن تكريس العمل في أوربا فكرة أساسها”بروتستانتي”وليس اشتراكيا كما شاع في اعتقاد الناس. فالدين يهمه أن يعمل الجميع بصرف النظر عن النتائج. والحضارة عكس ذلك لا تفكر إلا في النتائج،وهي تحاول أن تتجنب العمل بقدر ما تستطيع،وذلك من خلال تأجير قوة العمل : سواء كانوا عبيدا في الزمن السالف أو آلات في الزمن اللاحق){ ص 305 ( الإسلام بين الشرق والغرب ) …}.

(5)

الختام .. والخوف الأزلي .. من ارتداء ثوب أوسع مني كثيرا .. “ثوب الواعظ” .. الذي يوزع المواعظ يمينا ويسارا … لكنني أشير إلى “أمنية” .. للحفاظ على صحتي .. فالسهر،واضطرابات النوم،وعكسنا لـ”وجعلنا الليل لباسا *وجعلنا النهار معاشا”{النبأ 11}،من أسوء ما أضر بصحتنا ..لذلك الأمنية .. أن أسعى ألا أتجاوز العاشرة مساء وأنا مستيقظ .. ولا أصل الرابعة ليلا وأنا نائم .. دعواتكم.

أبو أشرف : محمود المختار الشنقيطي المدني

يوم الأربعاء 10 / 5 / 1440هـ = 16 / 1 / 2019م

عن admin

شاهد أيضاً

مكتبة مداد …./أ.د. محمد جمال صقر

مكتبة مداد …. تم العمل على جمعها وتصنيفها ورفعها على مدار أكثر من 11 عام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *