الرئيسية / شبكة فرسان الثقافة / رسالة من سجن أبو زعبل للدكتور/ فتحي الشقاقي/مصطفى إنشاصي

رسالة من سجن أبو زعبل للدكتور/ فتحي الشقاقي/مصطفى إنشاصي

 

في ذكرى استشهاد القادة والزعماء يكثر الأتباع والأنصار وغيرهم الكتابة الإنشائية عنهم

أو نسخ ولصق لبعض كلماتهم وأفكارهم دون أن يسأل أحد من أولئك:

أين أصبحوا يقفون الآن من تلك الأفكار؟! يكفي أن يضع الناشر اسم القائد أو الزعيم سواء حياً أوميتاً

ليثبت ولائه له، ويصبح من حقه اتهام أياً كان بعدها بأبشع التهم!

خلافاً لِما هو دارج في ذكرى اغتيال الدكتور فتحي الشقاقي 26/10/1995 سأنشر لأول مرة رسالة أرسلتها له من سجني في سجن أبو زعبل يوم الأحد 2 شوال1412، الموافق 5/4/1992م، وأطرح سؤالي الأخير:

ماذا بقِ من حركة الجهاد بعدما تضمنته الرسالة؟! ونصها التالي:

بسم الله الرحمن الرحيم

أخي الدكتور/ فتحي الشقاقي

السلام عليكم ورحمة الله بركاته

لقد علمت من الأخوة الذين حضروا لطرفي في الفترة الأخيرة بعض الأمور التي لا تسر وتثير القلق على مستقبل المشروع، ومن أخطرها ظهور بوادر اختلاف في الرؤية بين أنصار العمل العسكري وأنصار العمل السياسي، كما يفهمه الأخوة الجدد، وأنا أحب أن أسميهم إن صح التعبير (أنصار المشروع). وقد زاد من قلقي ما رأيت عليه الأخوة الذين حدثوني، فمع  شدة ما أحببتهم في الله لأنهم يشرفون الحركة، وليسوا كمن سبقوهم ممن لا أعلم كيف وقعتم عليهم؟ ومع أن قلبي ألفهم ولم يشعر ببعدهم عنه بل وكأني أعرفهم منذ زمن، إلا أنني لمست أن كل وعيهم وفهمهم وتفكيرهم نابع من خلال القناعة بالعمل العسكري، وأنه هو فقط مبرر وجودنا، وأنهم يفصلون إلى حد كبير بين العمل الجماهيري، وحركة الجماهير الضرورية جداً لنجاح أي ثورة وضرورية أكثر لإنجاح المشروع، وبين العمل العسكري مع إيمانهم بالأولى. وكذلك لمست فيهم قصور شديد في فهم أبعاد المشروع وضرورة عدم الفصل بين هذه الأبعاد، وتقديم واحد على الآخر إلا بما يخدم مصلحة الرؤية والمشروع، وأنهم لا يعرفون إلا العمل العسكري والسياسي فقط، وهم مع العسكري كلية لأنه مبرر وجودنا…إلخ. وشعوراً مني بحق النصح لله وجدت لزاماً علي أن أكتب لك ما استحضرته من بعض الملاحظات حول هذه النقطة مع أنها غير ممنهجة وسريعة، ولهذا أتوجه إليك أخي الكريم بهذه الكلمات التي أرجو من الله تعالى أن يكون الأمر غير ما فهمته من الأخوة:

في البداية أحب أن تعلم أنني على قدر ما أنا مقتنع بضرورة العمل العسكري، بقدر ما أنا مقتنع بضرورة أن تكون اليد التي تقبض على البندقية وتضغط على الزناد، لتعطينا مبرر الوجود ـ حسب قناعة أنصار هذا الرأي  واعية ومدركة لأبعاد الصراع وأهداف الهجمة الغربية على وطننا بكل أبعادها، وأن يفهموا أن صراعنا مع الغرب ليس صراعاً عسكرياً فقط، وإنما هو صراع ديني حضاري، وأن البندقية إحدى وسائل وأساليب الرد التي يجب أن يسبقها الإعداد لعقلية المسلم المجاهد المدرك لأبعاد المشروع الحضاري، وضروريات النهضة للأمة، المهيأ لتحمل المسئولية في كل مكان وفي كل الظروف وخاصة بعد انتهاء دور البندقية، أو عندما تتطلب مصلحة المشروع أن يهدأ صوت البندقية قليلا لتعطى الفرصة لإظهار أو تغليب جانب آخر من جوانب الصراع يكون له أثر أقوى في مرحلته أو وقته. يجب إعداد المسلم الذي يعلم ويعي أن البندقية قد تتقدم في مراحل وقد تتأخر نسبيا في مراحل أخرى.

أنت تعلم يا أخي كم أنا حريص على الجانب العسكري وكم كان تسرعي أيام الجامعة إليه ومحاولتي دفعكم إلى البندقية، وإن كنت تذكر أيامها أن نقطة الخلاف التي كانت بيننا مع كل قناعتي بالمشروع واستيعابي للرؤية والفكرة أنني كنت أريد أيامها أن تكون البندقية هي مبرر وجودنا، وأن نفرض أنفسنا من خلالها كأمر واقع. إلا أنني أقولها اليوم وبكل صدق وإخلاص أنه بعد تجربتي المريرة في الثورة الفلسطينية، ومع المفهوم الوطني والعسكري، وبعد ما رأيت من حال شعبنا ومجتمعاتنا الفلسطينية في أكثر من مكان، وكذلك أولئك الذين يحملون البندقية بصدق ويفتقدون إلى الوعي لأبعاد وأهداف الغرب واليهود ضد الأمة والوطن، أصبحت مقتنع تمام الاقتناع بردك علي إن كنت تذكر: علينا قبل أن نحمل البندقية أن تبيني الإنسان المسلم الواعي والأسرة والمجتمع المسلم ليكون دعامة المواجهة، وحتى لا تمسك الأم بابنها أو الزوجة بزوجها وتمنعه من الاستشهاد بل تدفعه إليه…إلخ. لقد أدركت أهمية هذه الكلمات عندما رأيت الإنسان والأسرة والمجتمع الذي كله يشارك في حمل البندقية كيف يعيش بدون عقيدة ورؤية جماهيرية صحيحة، يعيش في ضياع وانحراف وفساد، وكيف يُضيع هو وقيادته تضحيات الشعب وإنجازاته دون طائل… إلخ. والأهم، كيف أنني قضيت أيام في صيدا أثناء حرب عام 1982م أبحث عمن يقاتل، وأحرض الضابط والعنصر ليغار على شرفه وعرضه أقل ما فيها، ولا حياة لمن تنادي.

وقد زادت قناعتي أكثر بضرورة الإعداد الجيد على أساس المشروع، وإخراج القضية من مفهومها الوطني والقومي إلى مفهومها العالمي، وخاصة في عقول من يقبضون على البندقية ويؤمنون بها، خوفا من أن نبكي في النهاية حسرة وندم، ونجلس نبحث عن شماعة نعلق عليها أخطاءنا كما فعلت حركة فتح وعلقت كل أخطاءها على شماعة معركة الكرامة، التي اندفعت بعدها الجماهير إلى الثورة، ولم تكن فتح مستعدة أو عندها الكادر القادر على استيعاب هذا المد الجماهيري، لأنها فقدت كثير من كوادرها في المعركة، وقد كان من بين هؤلاء ـ المندفعون ـ العميل والانتهازي والوصولي و…. و…. والمخلص، ولن يستطيعوا إعداد تلك الجموع. وأنا لا أختلف معك طبعاً أن هذه مجرد شماعة لأن العيب أصلا في أساس البناء والفكرة، وما دمنا نحن نملك المنهج الصحيح فلا ننسى أنفسنا ونغلط مثل غيرنا تحت ضغط رغبة الإخوة في العمل العسكري، لأنه يلبي طموحاتهم النفسية والوطنية القريبة، وغداً نقول: لأنه بعد الانتفاضة وخروج الشباب المطارد من فلسطين وصدمته بحقيقة الثورة، جاء إلينا وكان علينا أن نلبي له طموحاته ورغبته في العمل العسكري قبل أن نعده ونفهمه ولو على الأقل الخطوط العامة للمشروع، ونخلصه من مخلفات المفهوم الوطني والأرض والبندقية. لقد أدركت أن المفهوم الوطني الشيفوني والقومي أو التعصب للبندقية فقط يقتل كل إنجازات وتضحيات الأمة، ويُقزم القضية إلى أضيق الحدود، ويجهض كل المحاولات لتحقيق أي تقدم، لأن القضية من منظور الهجمة الغربية لم تقصد الأرض ـ فلسطين ـ أو الجماهير ـ الفلسطينينة ـ في حد ذاتهما، بل قصدت ضرب الإسلام كدين والأمة الإسلامية كهوية ووجود حضاري، وذلك من خلال التمركز في قلبها بعد أن وجدت أن ضرب الأطراف واقتطاعها ليس بذلك التأثير على الجسد.

إن مبرر وجودنا أن نكون ضمير الأمة الحي المستيقظ لكل محاولات أعدائها للقضاء عليها وفرض هيمنتهم واستكبارهم على مساحة الوطن الإسلامي كله والشعوب المستضعفة من بعده. إن مبرر وجودنا أن نكون قلب الأمة النابض الذي يحافظ على أصالتها ويعيد لها شخصيتها الإسلامية، ويؤكد حقيقة هويتها المتميزة وانتماءها التاريخي الأصيل في وجه حملات الغرب الشرسة لطمس معالمها الحضارية والتاريخية والدينية وتمايزها الرسالي. إن مبرر وجودنا أن نكون عقل الأمة الواعي المدرك لأبعاد الهجمة الغربية على وطننا وشموليتها التي لم تدع مجالاً من مجالات الحياة إلا وجعلته ميداناً للصراع، وأنها لم ترض بأقل من فرض هيمنتها الكاملة علينا وإذلالنا وقهرنا واستعبادنا تحت أي مسمى من المسميات. إن مبرر وجودنا يا أخي أن نكون فعلا الرد على الهزيمة والتراجع الذي أصاب الأمة على جميع الأصعدة إلى درجة أفقدتها القدرة في الحفاظ على معنوياتها أو استعادة ذاتها، وهذا الرد يكون من خلال مشروع النهضة الذي وضع للأمة وتجاوز المفهوم الوطني إلى المفهوم الإسلامي العظيم، مشروع النهضة الذي تخلص من الشيفونية والقومية وانطلق إلى العالمية الإسلامية الثانية بكل أبعادها لتكون الرد على الهجمة الغربية بكل أبعادها، مشروع النهضة الذي يعتبر البندقية أحد وسائل الرد وليست هي الوسيلة الوحيدة. إن مبرر وجودنا أن نكون خير دليل على صدق الأطروحة الفكرية على أرض الواقع عند التنفيذ الفعلي للمشروع.

أخي الكريم: إن جماهيرنا الفلسطينية لم تدع البندقية يوماً وتحملت كل ما لحق بها من جراء ذلك، وقدمت تضحيات كثيرة وهو مستعدة للمزيد، ولكن كل ذلك لم يحقق لها ولو جزء يسير من طموحاتها وآمالها. لماذا؟! لا تقول لأن البندقية لم تكن على أساس إسلامي وفي سبيل الله. لأن هذا جزء من الحقيقة لكن الجزء الأكبر، لأن الذين حملوا البندقية وخاضوا المعركة وواجهوا الموت لم يكونوا على مستوى المرحلة وعياً، مما أفقدهم القدرة على المواجهة الحقيقية، لأنهم لم يدركوا أبعاد الهجمة والمؤامرة، ولم تتجاوز طموحاتهم حدود فلسطين، وأن البندقية كانت هي الوسيلة الوحيدة، وترك أولئك أنفسهم لقيادة ليست أهلاً لتحمل المسئولية، فأضاعت تضحياتهم وتضحيات الجماهير والأمة، وتاجر فيهم أصحاب المصالح الخاصة والطموحات الدنيوية. ولقد كان جهل المقاتلين بأبعاد الصراع وتواضع مستوى فهمهم وإدراكهم لخطورة السكوت والصمت على الممارسات الخطأ، وعدم قدرتهم على التمييز على ما ينفع أو يضر من الممارسات أو السلوكيات بمستقبل القضية، وإن قدروا على التمييز لا يواجهون، كان ذلك سببا في تصاعد نجم الوصوليين والانتهازيين على حساب الشرفاء والمخلصين.  وتفاقم تأثيرهم السلبي على جميع الأصعدة مما أثر على توجه مسيرة الثورة وحركة الجماهير… هذا وغيره كثير جوهره المنهج وعدم استيعاب العنصر الجديد وإعداده، ولأن البندقية ليست هي الرد الشامل أو الوحيد وإنما هي أحد الوسائل هو ما أضاع تضحيات جماهيرنا الفلسطينية.

في الفترة الأخيرة من وجود الثورة في لبنان رفعت شعار “البندقية المسيسة” صانعة الانتصارات. وقد كان أبو عمار يريد تسييس البندقية ليمرر المشروع الاستسلامي لتَقَبُل الحل الذي يريد فرضه على أمتنا. والذي كان يعارضه العسكر. واليوم فإن الإخوة الذين التحقوا بالحركة في وقت متأخر ولم يدركوا مفهوم وأبعاد الحركة ومشروعها الحضاري والنهضوي للأمة كلها، ولم يتشربوه داخل نفوسهم ولم تستوعبه عقولهم ولم يتربوا عليه، ويسيطر على عقولهم فكرة العمل العسكري الذي يعتبرونه مبرر وجودنا وإلا فلا داعي لرفع شعار (الجهاد)، أيضا هذا راجع إلى عدم إدراكهم لمفهوم الجهاد في الإسلام بشموليته. هؤلاء الإخوة الكرام ـ بارك الله فيهم ـ يريدون منا أن تكون حركة الجهاد “المشروع” مجرد تغيير يافطة فقط من وطنية إلى إسلامية، أما المفاهيم والعقلية لا تتجاوز المفهوم الوطني والبندقية فقط. وهنا تكمن الخطورة، خاصة إذا حدث لا قدر الله ما حدث في فتح سابقاً، من صراع بين العسكر والساسة وقد تمت في فتح عملية فصل عقلي ونفسي بين  الاثنين عند الشخص نفسه منذ نحو عام 1972، وهذا ما بدأت تظهر بوادره عندنا ونحن في بداية الطريق، حيث يريد هؤلاء الإخوة أن يسخّروا كل إمكانيات الحركة للعمل العسكري على حساب (المشروع)، وأصبح هناك ما يسمى بالعسكر ومن يسمى بالساسة، ويشتكي أنصار العمل العسكري من أنصار المشروع بأنهم يعيقون حركتهم وأعمالهم، وحجتهم ما هو مبرر وجودنا إذا لم نسخر كل شيء للعمل العسكري.

كم كنت أتمنى ألا أسمع بالفصل بين الاثنين وأن نكون عقلية عسكرية وسياسية وفكرية…إلخ دون فصل أو ظهور بوادر صراع بين الطرفين، وألا يظهر هذا التباين بين العقليتين. هل تريد يا أخي أن يقود المشروع العسكر؟!

هل تحول المشروع من مشروع حضارة ونهضة إلى بندقية دون أن نعتبر من تجارب البندقية التي سبقتنا؟!

هل نسيت ما كنا نوجه من نقد في حواراتنا وكتاباتنا لحكم العسكر، ضيقي الأفق، وأن نكسة وهزيمة الأمة بدأت منذ أن تقدم العسكري على المثقف، منذ زمن محمد على باشا ومن سبقوه. أبو عمار كان يريد أن يسيس البندقية سابقاً، والأخوة يريدوا أن يعسكروا المشروع وعقليتنا، ويحصروه في حدود البندقية ويُحطموا ويُقزموا طموحاتنا العريضة العالمية.

لِم هذا الفصل؟ ولماذا لا نُربي الإخوة ونعدهم لحمل المشروع غداً، بعد أن يُكرمنا الله تعالى ومن أدركوا أبعاد الهجمة، ووضعوا أسس المشروع وحددوا أبعاده وغاياته بالشهادة إن شاء الله، ليحملوا هم الراية من بعدنا ويبقَ اللواء مشرعاً في وجه الهجمة بكل شموليتها وأبعادها، بدل أن نلقِ بهم في أتون المعركة والعمل العسكري قبل أن تكتمل عندهم الرؤية.

لماذا لا نُعد الإخوة ونُفهمهم أبعاد المشروع ليكونوا أينما ذهبوا دعاة إليه وإلى عالمية الإسلام والصراع وشموليته، ويستفيدوا من كل شيء لصالحه، لا أن يتحول المشروع إلى العمل العسكري؟! ولا أعني بهذا تجميد العمل العسكري، لا! ولكن ليستمر في حدود الرؤية وما يخدم مصلحة الأمة والمشروع، ومصلحة رؤيتك أنت للثورة الجماهيرية. أقول هذا وأنا أشعر أنني أكثر واحد اكتوى بنار البندقية والتسرع على العمل العسكري، ورأيت وعايشت معاناة حامل البندقية أكثر من غيري، وهو يبحث عن نفسه فلا يجدها، وهو يغوص في أعماق نفسه يبحث عن ذاته فلا يجد لها أثراً.

نريد عقلية تجمع بين أبعاد الصراع كلها، وأهمها السياسي والعسكري بهدوء ودون انفعال أو تأثيرات نفسية وخلفيات فكرية. نريد عقلية إسلامية لا تفصل بين الاثنين، بل تؤمن بهما معا، ولا تكون فيه البندقية هي ردنا الوحيد، حتى وإن كانت كذلك فيجب أن تكون من خلال الرؤية ومصلحة المشروع الأشمل والأعم. أقول هذا حتى لا تتسع الفجوة بين الأخوة من أنصار العمل العسكري والأخوة من أنصار المشروع مع الأيام، ويتمزق المجموع بين مؤيد لهذا ومعارض لذاك، وكل على حسب فهمه ونفسيته وميوله، والخوف كل الخوف أن تنتهزها النفوس المريضة وأصحاب الطموحات الدنيوية التي لا تخلو منهم أي حركة ثورية، ويزيدوا منه لتحقيق مصالح ومكاسب بعيدة عن المصالح والمكاسب العامة.

نريد يا أخي عقلية إسلامية تحكمها الرؤية والمشروع ولا تفصل بين أي أمر من الأمور إلا بما يخدم الرؤية والمشروع، لأن الفصل بين العسكري والنهضوي والمشروع هو فصل بين البندقية ووعي الأمة. وأننا إذا أعطينا الأولوية أو اعتبرنا أن البندقية هي مبرر وجودنا دون إعداد الجيل أو اليد التي تقبض عليها، فهذا يعني أن البندقية هي التي ستتحكم في مسيرتنا وستوجهنا وتقودنا وغالبا ما تكون البندقية عمياء، وليس نحن الذين نتحكم فيها بما يخدم المشروع، وهذا سيفقدنا الكثير مستقبلاً.

ولا تنسى يا أخي أن الأمة أو جماهيرنا وغيرها من الشعوب الإسلامية لم تُهزم ولا جيوشها أيضاً، ولكن الذي هُزم هو الأنظمة وفكرها الذي عجز عن إعادة الاعتبار للأمة، وإعادة بناء ذاتها وصياغة فلسفة للمواجهة بعيداً عن فلسفة أعدائها لتحقيق النصر أولا داخل مجتمعها ومن ثم في ميدان القتال، إن الأمة محتاجة للقيادة الواعية المدركة لأبعاد الصراع وضرورات المواجهة، القيادة الرسالية القادرة على اتخاذ القرار السليم وقت السلم والحرب وفي كل الأوقات.

كما وأن البندقية بدون وعي الجماهير بالأطروحة الفكرية لمن يحمل البندقية، وبدون وعيها بأبعاد مشروعه الحضاري لن تتعدى في النهاية أن تكون هذه البندقية، بندقية وطنية ذات طابع إسلامي، وسوف تفتقد إلى التمايز وسط الجماهير فكرياً بدرجة تنقل معها هذه الجماهير نقلة بعيدة على طريق المشروع العظيم، وتغيير عقليتها وتفكيرها لتكون أحد دعامات وأسباب النصر الإلهي لنا “مفهومة هذه”. وحتى تكون بندقيتنا البديل فلا بد أن يتم تغيير عقلية الجماهير وطموحاتها، وهذا لا يتم بدون التركيز على العمل الجماهيري الذي يحتاج إلى طرح رؤية فكرية جديدة تشكل انقلاب شامل وسط الجماهير، وللوصول إلى ذلك لا بد من التركيز على أساليب العمل الجماهيري، لنحقق الإنسان والأسرة والمجتمع المسلم الذي سيكون دعامة المواجهة.

وأخيراً إن الجماهير إذا ساندت يوما بندقية الجهاد دون إعداد عقائدي لها أو قناعة منها بالرؤية والمشروع، فلن يكون هذا التأييد أكثر من الالتفاف حول البندقية فقط بغض النظر عن عقيدتها وفكرتها وطموحاتها. وما دمنا طليعة الأمة ورأس الحربة لها يجب أن يحمل الجزء الأكبر من الجماهير الرؤية، وأن يفهم أطروحتنا وغايتنا الكبرى، وأن الإسلام هو قضيتنا أولاً وأخراً، وأنه هو الذي يعطي لفلسطين هذه الأهمية على الصعيد الإسلامي والعالمي، وأضعف الإيمان أن يفهم الأخوة هذا ويَلُموا إلى حد كبير بالرؤية والمشروع.

هذه تذكرة عاجلة إن كان ما وصلني صحيحاً، أو كما فهمته، خاصة وأنني فهمت أن عقلية الإخوة لم تتجاوز فلسطين أو المفهوم الوطني إلا على الحرص على الاستشهاد فقط!.

(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)

مصطفى إنشاصي – من سجن أبو زعبل- غرفة 13

                                                          الأحد 2 شوال1412، الموافق 5/4/1992م

أليس ما تضمنته هذه الرسالة وما حذرت منه هو واقع الحركة الآن ؟!

عن admin

شاهد أيضاً

وعد بلفور وعلاقته بأهمية دراسة التاريخ/مصطفى إنشاصي

هو تلك الرسالة التي كتبها حاييم وايزمان رئيس الحركة الصهيونية بخط يده في 2 نوفمبر/ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *