الرئيسية / شبكة فرسان الثقافة / ليس دفاعا عن البصيري بل “ذبا” عن “البصيري” ../محمود المختار الشنقيطي المدني

ليس دفاعا عن البصيري بل “ذبا” عن “البصيري” ../محمود المختار الشنقيطي المدني

 

هذا موضوع جاوز الفطام ولم ير النور بعد .. عامان ..

بل أكثر وفكرة الكتابة عن بردة “البصيري”

تعتريني ولم يُكتب لها أن ترى النور …

هذه ليست مقدمة لتحقيق تلك الرغبة ..

بل مقدمة للموضوع من زاوية أخرى.

يطوف بي العجب والتعجب أركان المعمورة وأنا أرى بعضنا يتلذذ باصطياد عبارة فيها مخالفة عقدية .. فيطير بها،ويتلذذ بتكرار الحديث عنها،وشتم .. وربما “لعن”و”تكفير”قائلها!!

بطبيعة الحال الإشارة هنا إلى بعض “العبارات”التي تشتمل على مخالفات عقدية،والتي جاءت في قصيدة “البصيري” – غفر الله لوالديّ ولنا وله – ذائعة الصيت .. ومع تكرارنا الدائم أن مذهبنا – أهل السنة والجماعة – عدم تكفير “المعين”إلا بعد أن تقام عليه”الحجة”وهو على كل حال أمر “قضائي”لما يترتب عليه من أحكام .. إلخ.

لكننا كثيرا ما ننسى ذلك .. ونشن هجوما على موحد مات قبل قرون .. “البصيري”مثلا مات سنة 696هـ،فمن يستطيع أن يقيم الحجة على رجل أفضى إلى ما قدم قبل أكثر من سبعة قرون!!

من المهم هنا أن نذكر أن الأمر في “الشعر”يجب أن ينظر إليه على أنه “شعر”،وأن لـ”الشعر”منطقه الخاص في عرض الأفكار .. وهذا لا يعني تجاوز ثوابت الدين أو الغلو… ولكن هذه النقطة يجب أن تحضر في الأذهان.

يُضاف لمسألة المنطق الخاص بالشعر أن فهم أحدنا لشعر “البصيري” – مثلا – لا يعني أكثر من فهمنا نحن لذلك الشعر ولا يُلزم ذلك الفهم الشاعر .. حتى نسمع منه!!

رغم أن بعض ما أخذ على”البصيري”يصعب تخريجه على وجه آخر،دون تكلف .. وقصارى القول في مثل تلك الأبيات،أن نتحدث عن المآخذ الشرعية في ذلك الكلام،أما الشاعر نفسه فأخوة الإسلام تدعونا للاستغفار له … وقد يكون الشاعر وقع ضحية حديث ضعيف،أو موضوع،وجهل ذلك… أو فهمنا نحن كلامه على غير ما أراد.

وتظل مسألة”الفهم”تلقي بظلالها على الموضوع برمته .. وفي مسألة”الفهم”أستطيع أن آتي بمثالين :

غرد أحد الإخوة  – عبر”تويتر” بيت لشوقي :

يا رب صلّ وسلم ما أردت على نزيل عرشك خير الرسل كلهم

فعلق أخ آخر :

(كلمة نزيل عرشك كلمة خاطئة،”الرحمن على العرش استوى”وهذا البيت يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم بمنزلة الله جل وعلا وهو غلو)

وعلقتُ بدوري :

غفر الله لنا وللشاعر،ولا يُتصور أنه أراد أن يجعل النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة الله جل وعلا،ربما لم يوفق في عبارة”نزيل العرش”والله أعلم.

لا أشك لحظة في أن “شوقي”لم يقصد المعنى الذي “فهمه”الأخ صاحب التعليق .. وهذا محل الشاهد.

المثال الثاني : صليتُ ركعتين في الحرم النبوي الشريف،ثم أمسكت بالمصحف الشريف،وقبلته،ووضعته على جبهتي.

سلم عليّ رجل كان يجلس بجواري،وقال لي :

أفتى الشيخ ابن باز،والشيخ بان عثيمين،بجواز تقبيل المصحف .. ولكن لا يجوز وضعه على الجبهة .. فهذا “سجود”له .. أو مثل السجود!!

شكرته،ولم أفعلها بعد ذلك .. والشاهد .. أنني منذ أن وعيت على الدنيا وأنا كل ما قبلتُ المصحف،وضعته على جبهتي .. ولم تخطر مسألة “السجود”لي على بال!! حتى سمعتها من ذلك الرجل،سنة 1436هـ!!

إذن .. هناك أفكار ومعاني تتولد في ذهن المستمع،ولم تخطر للقائل – أو للفاعل،في حالتي –  على بال .. ومن هنا فإن الأجدر بنا تقديم حسن الظن .. خصوصا لمن أفضى لما قدم،ولم تعد لديه القدرة على الدفاع عن نفسه،أمام أفهام من أتوا بعده بقرون عددا.

لن نبتعد عن مسالة “الفهم” .. وسنأخذ أحد أشهار الأبيات التي تسببت في توجيه سهام”النقد” – وهذه عبارة مخففة لما حصل!! – لـ”البصيري”.

أعني قوله :

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به .. سواك عند وقوع الحادث العمم

هامش : أردت أن أتأكد من البيت – والذي في الذاكرة “عند وقوع الحادث ..- فوضعت صدر البيت في”جوجل” أول عنوان ظهر لي :

(قصيدة “البردة”للبصيري وما فيها من كفر)

على كل حال .. غفر الله لنا جميعا .. مرة أخرى يقول “البصيري” – رحم الله والدي ورحمه-

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به .. سواك عند حدوث الحادث العمم

فهمي للبيت – وهو فهم لا يلزم غيري – أن البيت عند تحليله .. لا نجد فيه ما يخدش العقيدة.

المفتاح الأول في البيت قوله: “يا أكرم الخلق” .. وبهذه العبارة فقد نزه الخالق سبحانه وتعالى .. عما سيأتي بعد”سواك”.

أما المفتاح الثاني فهو قوله “عند حدوث الحادث العمم”

ولم يقل “عند وقوع حادث عمم”

ما هو الحادث العمم؟

لاشك أنه يوم القيامة .. ذلك اليوم الطويل .. الطويل .. شديد الحرارة .. شديد الزحام .. والذي تضيق بالبشر فيه نفوسهم .. حتى يتمنوا انقضاءه .. بل حتى يتمنى الكافر انقاضاءه ولو بذهابه إلى النار.. والعياذ بالله ..

أولا / ما معنى لاذ؟

جاء في”لسان العرب” – حرف اللام “لوذ” – ما يلي :

(لوذ : لاذ به يلوذ لوذا ولواذا ولياذا : لجأ إليه وعاذ به).

ويقول سيدنا علي – رضي الله عنه – كنا إذا حمي الوطيس لذنا برسول الله .. صلى الله عليه وسلم.

في “يوم الحادث العمم” .. ذلك اليوم الطويل .. حين يضج الناس من هوله وطوله .. يتشاورون،وتنهي مشورتهم بالذهاب .. أو اللجوء أو أن يلوذوا بأبينا آدم – عليه وعلى نبينا السلام – ليشفع لهم عند خالقنا – سبحانه وتعالى – .. فيلوذن به .. ويعرضون عليه الأمر .. فيعتذر اعتذاره المعروف ..

 فيلوذون .. بسيدنا نوح – عليه وعلى نبينا السلام – فيعتذر اعتذاره المعروف ..

 فيلوذون بأبي الأنبياء،سيدنا الخليل .. – عليه وعلى نبينا السلام – فيعتذر اعتذاره المعروف ..

 فيلوذون بكليم الله،سيدنا موسى – عليه وعلى نبينا السلام – فيعتذر اعتذاره المعروف ..

فيلوذون بكلمة الله سيدنا عيسى بن مريم – عليهما وعلى نبينا السلام – فيعتذر اعتذاره المعروف ..

فيلوذون بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فيقول :

أنا لها .. وذلك هو”المقام المحمود” الذي تحمده فيه الخلائق كلها .. مؤمنها وكافرها .. عليه أفضل الصلاة وأتم التسليمات.

أما من فهم أن البيت يقصد غير هذا المعنى .. فذلك شأنه .. وفهمه ذلك لا يلزم غيره أيضا.

أما من”كفر” – بهذا البيت –”البصيري” .. فالموعد هناك.

 

وبعد.. بما أن مشروع قراءة بردة”البصيري”لا زال في علم الغيب،فلا بأس من إشارة خفيفة .. من اللافت للنظر تميز هذه القصيدة،وما كتب الله – سبحانه وتعالى – لها من الصيرورة والشهرة .. والدوران على ألسنة الناس .. وهنا ومضة عن تلك القصيدة.

من الطبيعي لشاعر يمدح الحبيب – صلى الله عليه وسلم – أن يذكر .. ويُذكَّر بقوله صلى الله عليه وسلم،لأمنا عائشة – رضي الله عنها وعن أبيها – “أفلا أكون عبدا شكورا” فيمدح الشاعر سيدنا رسول الله – صلى الله وسلم – بقيامه حتى تفطرت قدماه الشريفتان .. وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .. لكن الشاعر لم يقصد إلى تلك المنقبة مباشرة .. ولا رسمها في لوحة شعرية .. ولكنه نحا منحى آخر .. لام نفسه .. وكل قارئ سيلوم نفسه معه .. وقارنَ بين فعل  من غُفر له ما تقدم وما تأخر من ذنبه – صلى الله عليه وسلم –  وفعل مذنب مقصر .. وصنع ذلك لذلك توطأة،كلها تصب في نفس الفكرة – أمر الناس بالمعروف،ونسيان النفس –  مما أعطى أبيات “البصيري”معنى زائدا على المدح،ومنح نصه جاذبية خاصة تذكرنا بحالنا .. وتقصيرنا .. تجعلنا و”الشاعر” شيئا واحدا ..   

 أعني قول البصيري :

أمرتك الخير لكن ما ائتمرتُ به ولا استقمتُ فما قولي لك استقم؟

ولا تزودت قبل الموت نافلة ولم أصل سوى فرضٍ ولم أصم

ظلمتُ سنة من أحيى الظلام إلا أن اشتكت قدماه الضر من ورم.

صلى الله عليم وسلم.

 

أبو أشرف : محمود المختار الشنقيطي المدني

 

 

عن admin

شاهد أيضاً

يا رسولَ اللهِ أدركنا فحالُنا بئيسٌ وَواقعُنا تعيسٌ/بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

ليس مثلك يا رسول الله أحدٌ من الخلق فأنت سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *