الرئيسية / شبكة فرسان الثقافة / كائن اسمه حرب بثوب حمل..  /د. ريمه الخاني

كائن اسمه حرب بثوب حمل..  /د. ريمه الخاني

 

 

 

دوما كنت أشكك بما نراه حولنا من المبالغة بالاهتمام في نشر الكتب المنهجية الإنسانية

والتي تكرس السلام الداخلي، والتصالح مع الذات ومع الآخرين، ولو نظرنا إليها  منطيقا ودينيا

فهي  ليست مخطئة أبدا ظاهرا لكن عمليا، عليك تستشعر الفراغ الذي تملؤه تلك الكتب، فراغ الحاجة لبوصلة وسط تلك الفوضى الفكرية، لتوجيهنا بعكس التيار الظاهري،  فهي تحذف من منهجها،  مبدأ الحذر من مغبة الغدرالكائنة في دروبنا، والتي تتدثر بثوب جميل مدهون بالعسل!، فتنخفض حساسيتنا نحو تلك الأمور، ونفقد بوصلة فطرتنا السليمة.

كنت قرأت كتاب ” فن الحرب” ل سون تزو، ودهشت لكم القواعد اللامعة البراقة الغريبة والقوية فيه ، والتي لو امعنا النظر فيها لوجدنا أن كل مافيها طبق عمليا حولنا، وكأنه درس حربي لكل زمان ومكان، والكتاب يقدم  نتاج الحروب ويعرض خبرات كبيرة جمعها مخطط الحرب

 

الاستراتيجي  وهو المؤلف طبعا.لكن هاجسا خفيا، همس لي:

مؤكد هناك من طور هذه الفنون عمليا ومنهجيا على ضوء تجربته كذلك، وفعلا بعد ثلاث سنوات اهتديت لكتاب: 33 استراتجية للحرب، ل روبرت غرين،  كانت نسخة مطورة ومنقحة عن تزو وجديدة، والطريف في الأمر أن الترجمة لكلا الكتابين مؤرخة في عام 2009!،[1] والمترجم لفن الحرب أحمد ناصيف، والثاني لصالح مكتبة العبيكان. والكتابان متاحان عبر النت للعلم ، وكأن هناك من يقول بصدق:

-تمارس عليك الحرب  بصمت، وأنت تبتسم ببلاهة!.

فإن قال تزو : ” الحرب خدعة وجميع أعمال الحرب تعتمد على الخداع”،  لذا يوجه للقائد نصائجه وقواعده.كان  قالها قبله كمبدأ كلل بخطوات عملية عبر حصون خيبر،  محمد الرسول صلوات الله عليه:

كلُّ الكذبِ يكتبُ على ابنِ آدمَ إلا ثلاثًا : الرجلُ يكذبُ في الحربِ، فإنَّ الحربَ خدعةٌ، و الرجلُ يكذبُ المرأةَ فيُرضِيهَا، و الرجلُ يكذبُ بين الرجلينِ ليصلحَ بينهمَا.[2]

أما غرين فقد قال:

قدم لأعدائك حبلا كافيا لكي يشنقوا أنفسهم بأنفسهم، استرتيجية التفوق على الآخر، غالبا لاتأتي أعظم مخاطر الحياة من الأعداء الخارجين، بل من الزملاء المفترضين أو الأصدقاء الذين يزعمون العمل من أجل قضية مشتركة، بينما يخططون لتدميرنا، اعمل على بث الشكوك والاضطراب فيهم، وادفعهم إلى التفكير كثيرا، والتصرف بدفاعية، أو ادفعهم لكي يشنقوا أنفسهم بأنفسهم، عبر نوازعهم التدميرية مما يرفع عنك الملامة ويبقيك نظيفا.

من الوهلة الأولى، سنقول أن الأمر فعليا مشروع ، وأننا فقط البلهاء الذين يسمعون للصوت الخارجي فنقتنع بسهولة ونخرب بيوتنا بأيدينا…

لكن لو دققنا جيدا، لفهمنا طريقة تفكيرهم ،  أي أن نصف كلامه كان موجها للداخل، وأن الشعوب خاصة الكاتب، امتصت تلك الاستراتيجيات التي مورست عليها  طويلا بقصد مثلنا، بحيث يتنازعون بينهم على لاشيء ضمنا، فينصرفون عن الأمور الكبيرة الأهم، فعقلهم في أذنهم، يصدقون كل مايلقى عليهم من إملاءات، بسطاء طيبون حتى بأنيتهم وماديتهم، إلى حد يتفوق على بلاهتنا الحالية.

 

وفي الصفحة السابعة عشرة من كتاب غرين يقول:

إننا نعيش في بيئة ثقافية تروّج للقيم الديمقراطية، التي تشدد، على أن نكون منصفين مع كل فرد ومع الجميع، كما تروج لأهمية التأقلم ضمن مجموعة، ومعرفة كيفية التعاون مع أناس آخرين. ولذلك يتم تعليمنا في مرحلة مبكرة من حياتنا، أن أولئك الذين يبتسمون بنزعات قتالية أو عدوانية ظاهرة يدفعون ثمنا اجتماعيا باهظا اللاشعبية والعزلة.

إن قيم التناغم والتعاون يتم تجذيرها بطرق خفية، وأخرى ليست بالغة الخفاء، عبر الكتب التي تتمحور حول كيفية النجاح في الحياة..المشكلة التي نواجهها أنه يتم تدريبنا وتحضيرنا للسلام، فلانعود مستعدين إطلاقا لما يواجهنا في العالم الحقيقي : وهو الحرب….

إن هذا الكلام خطير جدا، لمن يتقن قراءة مابين السطور، لأن من يبث المبادئ النظيفة، هو ذاته من يخطط للحرب ضمنا..

اسمع بعقلك وليس بأذنيك، فعّل فراستك الإيمانية جيدا- ولاتقتلع أظافرك أبدا بل دعها متحفزة للمكر- بتواصلك الشفاف المحكم، وسوف ترى مالا يخطر على بال بشر.

ليلة عيد الأضحى 20-8-2018

 

[1] قد يكون الأمر مصادفة، ولكن هذا لايمنع من بعض أسئلة يسالها المرء لنفسه منطقيا، قياسا على ماورد في كتاب الأتقان لغرين كذلك، حيث كان يخرج عن محور الموضوع، لاستكمال فكرة بدأ بها. وماذكرناه للفت النظر وقد لايخص هذا الأمر لكن غرين حذر من حالات ملفتة،كالمديح الزائد، واللسان الرطب بشكل مبالغ فيه، لدرجة علينا الشك ، أن يكون هناك أغراض أخرى سيئة مثلا في الظل.

[2]  الراوي : النواس بن سمعان | المحدث : السيوطي | المصدر : الجامع الصغير

 

الصفحة أو الرقم: 6258 | خلاصة حكم المحدث : صحيح.

عن admin

شاهد أيضاً

الكلمة السرية للسعادة الزوجية/محمود المختار الشنقيطي المدني

    هانحن – مرة أخرى – أمام خداع العناوين!! الأمر يشبه خواء الدعايات المتلفزة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *