الرئيسية / شبكة فرسان الثقافة / الكتب السياسية والحقيقة المخفية/ د. ريمه الخاني

الكتب السياسية والحقيقة المخفية/ د. ريمه الخاني

تمهيد:
لعل لقراءة الكتب السياسية لذة خاصة ، وبالذات لمتابعيها..
خاصة لقارئها وهو يلهث -المتخصص من هؤلاء وغير المتخصص-

لتلمس الحقيقة بين السطور….ولعل…

لكل كاتب مساره في الكتابة ونمطه ومذهبه الفكري والأسلوبي، ومن الطبيعي أن الأديب يختلف عن المحلل السياسي، وعن المؤرخ والطبيب النفسي ويختلف طبعا حتى عن الباحث الفلسفي..
ولكنهم يجتمعون جميعا في التذوق الأدبي للكتابة ويجب.[1]
ومن الأمور المعروفة سياسيا ، أن الحقيقة لاتظهر قبل 100 سنة، وإن ظهر بعضها، فسيكون بحسب السيناريو المعد لغرض ما، وإلا لمنعت جهة ما صدور الكتاب..أو وجدت مخرجا يحول دون ظهوره.
وبالنسبة لكتب السير السياسية، تعتبر رصد لأهم الأحداث، لكن لاأحد من السياسيين، مستعد لفتح الستارة الداخلية لحياته السياسية، هو أمر دعائي بحت، حيث يكتنف أهم مافيها غموض دائم، حيث يضمر السياسي ارتباطات مصلحية سرية للغاية، لامصلحة له بنشرها
فالسياسي معرض لكل الاحتمالات إن انحرف عن الجادة المؤسساتية،هذا في الغرب طبعا، وحيث أن الكتاب السيرَي السياسي يعتبر إعلاميا أكثر منه حقيقيا، فنرى أنه عمل تجاري كذلك لهؤلاء القراء الفضوليون الذين يعتقدون بسذاجة أن هذا السياسي سوف يفصح عن الأسباب التي أدت به لهذا العمل المهني مهما كان .[2]
ويعتبر كتاب يسري فودة، “عن طريق الأذى” نوع من التمويه السياسي، ونثر حقائق عاشها وربما توجيه الحقائق لجهة ما …

ويعتبر كتابه هذه من الكتب السيرية الجزئية، فقد خصصه لحقبة معينة من مسيرته الصحفية، وغفل عن كثير لم يقدمه .
فالصحفي والسياسي في سلة واحدة من حيث المصالح، فمن غير الطبيعي أن يضع حياته في خطر حقيقي من وراء كتاب، إلا لو كان يفدي نفسه لهف كبير يخصه،فعليه أن يدرك أنه معرض للقتل ، وهذا ماتعرض له صاحب كتاب “احذروا هذا السرطان” في الخمسينيات من هذا القرن [3]، وهو كتيب صغير لايتجاوز المائة ونيف، حيث اعترفت لي قريبته م ع بأنه تعرض وهو على دراجة لإبرة مفاجئة غرزت في فخذه..ليعود لمنزله وهو يعلم أنه قضي عليه…حيث كان ماسونيا وانسحب.. وقدم تقريره عن تلك الجماعة الناشئة في سوريا،ولاانسحاب هناك أبدا…
حتى مذكرات ديغول والتي نشرت بعد انسحاب فرنسا من سوريا وغيرها، لم تفصح عن حقائق جمة سوى ترك جملة هامة:

وهي أن ديغول عرف بأمور محرجة في بلاده ونذير نكسة، ففضل الانسحاب من سوريا طواعية، صالح بلاده، وليس فقط بسبب المقاومة.[4]فهل فعلا هذه هي الحقيقة؟.
ولعل كتاب الجبروت والجبار كتاب ممتع حقا، قدمت فيه مؤلفته أولبرايت دورها السياسي بصدق فيه ومذهبها الفكري، ومن أهم ماورد فيه: اكتشافها ليهوديتها بعد وقت طويل، وتقديمها لما فهمته من الإسلام بطريقة موضوعية جدا، ولن نسهو عن أنها ذات فكر سياسي علماني، وأنها تؤمن بذلك سياسيا جدا، وأن الدين هو أصل تفرق الشعوب، والعلمانية هي الحل الأسلم، والسؤال هنا:
-إن القدم التاريخي للفرق الدينية الباطلة مثلا، يبقى باطلا، لكن الأقدمية التاريخية جعلته يغرس في الأرض ويكمل طريقه مع الأجيال والاستمرارية حياة..وكل هذا لايمنحه المشروعية بالنسبة للمفكر غير العادي عموما، و بما أنه لانهر يرجع للوراء بكل الأحوال، فلماذا لم تعترف بهذا الأمر بالذات؟ [5]وأن الديانات الحديثة منزاحة عن الأصل؟ فهؤلاء القادة قارئون من الدرجة الممتازة، ولكن مايقدمونه خالي الدسم موظف.
ولعل الصفحة 30 من كتاب “عن طريق الأذى ” لفودة، تشرح:

أن الصحفي يمكنه أن يخفي الحقائق، وأن يكذب للوصول لغرضه
فمكيافيلة السياسة تعمل في كل الاتجاهات، ربما هذا في سبيل الحقيقة، ولكن هذا لايمنع من المهارة في الكذب..وهي مهارة ليست بسهلة أبدا ابدا..وتجعلنا نفكر بشتى الاتجهات كذلك[6]لأن تنظيره على جماعة القاعدة في الكذب عبر الصفحة 80، غير مشروع وقد اعترف بأنه كاذب، وهم المتدينون يكذبون، فإن كان هذا مشروعا في الحرب ، فجميعنا في حرب وجميعنا كاذبون!.
من جهة أخرى، هناك من الكتاب السياسيين ذوو الكتابات الشخصية التقريرة التي تخصهم ، أوراقهم واضحة وكذا ولاءهم، وهذا يعني أنهم يمثلون من يوالونهم، وهؤلاء لايعتبرون كتاب حقيقييون، بقدر ماهو صوت من يتبعوهم، فهم تقريريون، وليسوا أحرارا في كتابتهم…وهذا يمثل معظم الكتاب تقريبا.
الكاتب السياسي الحقيقي والمحلل الحقيقي:
هو من كان ينظر من بعيد ومن علٍ لاينتمي لحزب ولا طرف فهو يمثل نفسه فقط ومعتقده ويحاول أن يكون موضوعيا رغم كل شيء.
ولو نظرنا من زاوية بؤرية وهي:التحليل السياسي سواء في السير الذاتية الكاملة أو التحليل الجزئي القرائي،قد نجد كتابا تاريخيين
يدورون حول السياسة ولايدخلونها مباشرة، لكن يعتبرون كمصوبين تاريخيين، وهم أمهر من السياسيين بأشواط ، وذلك لأنهم ينظرون نظرة حقيقية توثيقية منطقية للأمور مثال م إ[7]، والذي قدم من التصويبات ما يعجز عنه أكبر صحفي عربي، مستعينا بوثائق ومنطقية مقنعة جدا.
*************
عموما:
الممتع في الكتب السياسية أنها مشوقة بطريقة ما، بمعنى أنك تحاول رؤية الأحداث في عيون أبطالها، لذا فبمقارنة سريعة بينها تفهم ماذا كانوا يريدون أن يقولوان وماهو المسموح وماهو غير ذلك، تعتبر كتاب مذكرات هيلاري كلينتون[8]، كتابا شخصيا بامتياز، ولم يكن كتابا سياسيا كما توقع القراء ، فعنصر التشويق شخصي تابع لشخصها ، إضافة لمهمتها السياسية، بينما عنصر التشويق عند أولبرايت كان سياسيا هاما، أفصح عن نظرة سياسي علماني للأديان ،ولمبدأ السياسة في معاملات الدول، وأهمية تكريس السيطرة الأمريكية. وهذا أهم مافي الكتاب عموما، أما ماأرادت إخفاؤه، فلاأحد انتبه لهذا، وهذا سر براعتها .
لذا تعد تلك الكتب الامريكية واجهة دعائية ممتازة، وقد قالها أحمد طاهر :
وجهة النظر التي يطرحها الكتاب، والتي يتم تصديرها للناخب الأمريكي لحشده وراء مواقف بلده السياسية -بغض النظر عن مدى مصداقية الطرح- تمثل فقط نصف الحقيقة، وهذه المواقف قمة في المثالية إذا ما قورنت بالوجه المظلم للسياسات الأمريكية البراجماتية الحقيقية، من ازدواج معايير و بلطجة سياسية وغيره، و الأساليب القذرة التي يتم تنفيذ هذه السياسات بها.. ،ولكن شخصياً، أرى الكتاب مهم لعدة أمور:
– يعطي فكرة عن الذكاء الشديد والحرفية البالغة التي يمارس بها الديبلوماسيين الأمريكيين عملهم، والتي تجعل الديبلوماسية العربية أقرب إلى (حظيرة دجاج).[9]
وهذا لايختلف كثيرا عن وجهة نظر أولبرايت ومامر في كتابها:
لاأعتقد أنه يوجد شيء اسمه “امبريالية” لكن أميل بوضوح إلى الرأي القائل بوجود شيء اسمه (توسع) وعلى الولايات المتحدة أن تسيطر على بعض البلدان البعيدة. [10]
وتقول:
يقوم فصل الدين عن الدولة على ثلاث لاءات:
1-عدم إجراء اختيارات دينية للوظائف العامة.
2- عدم وجود دين محدد للدولة
3-عدم تقييد الحرية الدينية.
هذه هي ديمقراطية أمريكا وهويتها الثقافية.
ولعل الحروب ذات المحتوى الديني تدوم مدة أطول ،حيث يدور فيها القتال بشراسة أكبر من النزاعات الأخرى.لنأخذ بالحسبان أن القوة الهائلة للدين تؤثر على كيفية تفكير الناس وشعورهم وتصرفهم.
ولعل هناك أشخاص مستعدون للموت والقتل ، من أجل دينهم وهذا كان يصح قبل آلاف السنوات بقدر مايصح اليوم.
والدين يعلّم في أحسن الأحوال التسامح والمصالحة، لاعندما تكون تلك الأفعال سهلة نسبيا، وإنما أيضا عندما تكون صعبة بشكل لايصدق.[11]

أليست هذه الصراحة بعينها؟ فكيف يجري بدقة السيطرة؟ بتوريطها بحروب تستنزف طاقاتها؟، باغتيال النظيفين والمخلصين  منها، والذين يملكون القوة اللازمة لإعادة الأمور لنصابها؟.الأمر أعقد من ذلك بكثير..
وعليه هل ماقرأناه هو غاية مانبحث عنه في هكذا كتب؟؟.
الأمر هنا حقيقة أبسط مما نتخيل ، لأنه يمكننا ملاحظته من خلال متابعة دقيقة للأخبار!!!.وبقية الحقائق.[12]
************
خلاصة الحديث وبموضوعية جدا:

بما أنه و من غير المقنع أبدا، أن يقول لك أحدهم: أنا كتاب مفتوح..[13]
فمن المنطقي جدا ، أن لكل شخص زاوية مظلمة تخصه وحده، لايسعده البوح بها، فكيف إن كان الأمر يخص السياسة؟.
مؤكد تبقى الحقائق ناقصة هنا وهذا مقنع أكثر ، وهو أمر واقعي تماما.
إن التقية السياسية تعتبر من أصول المهنة ، وأن مايظهر منها هو نثير حقائق موجهة تماما، وإن لم يكن لصاحبها غرض منها، فلن يظهرها للعموم، سواء كان الغرص ماديا، أم غرضي ذو هدف قريب أو بعيد، وعليه فالقارئ لهذا النمط الأدبي السياسي، عليه إتقان قراءة مابين السطور وإتقان مهنة القراءة والتحليل جيدا، فالقراءة مهارة أيضا كالكتابة تماما..
تمت
1-16-4-2016
2-3-2017


[1] سبق أن أدرجنا فكرة واهمية الكتابة الأدبية الموظفة في مجالات عدة:
http://omferas.com/mag/index.php?opt…=28&Itemid=105

[2] نجحت دار نشر Penguin Random House الثلاثاء في التعاقد مع الرئيس السابق باراك أوباما وزوجته ميشيل أوباما لنشر كتابيهما القادمين

ومقارنة بالتعاقدات التي أجرتها دور النشر مع الرؤساء الأميركيين السابقين كالرئيس الأسبق جورج بوش الابن (10 مليون دولار) وسلفه بيل كلينتون (15 مليون دولار)، فإن صفقة كتاب أوباما تعد مبلغا قياسيا.
انظر الخبر:
http://www.alhurra.com/a/the-obamas-…al/349970.html

[3] سيف الدين البستاني

[4] الكتاب معروف مؤلف من جزئين ضخمين، وقد كان في مكتبة الوالد رحمه الله.

[5] كفرق دينية متفرعة ماانزل الله بها من سلطان

[6] الطريف في الأمر كذلك وفي الصفحة 60 وماقبلها وحتى 73، أنه ذكر مدى تاخرهم الحياتي والسلوكي، مقارنة بعملية 11 سبتمبر المعقدة والمتقدمة والتي تعتبر فتحا جديدا في سياسة الأذى الموظف، فهل يعقل أن يفعلها هؤلاء؟ فضلا عن أنه بات يحلل سلوكهم الديني، و الذي عادوا به لأيام الصحابة من مصطلح غزوة وغيره ، وتاريخ هذا المصطلح، وهو لايقدم ولايؤخر في القضية المطروحة والخطيرة ،بل قد تؤكد عن مدى غرابة أن يقوم هؤلاء بهذا المشروع الضخم!، فهل هذا المنسق فعلا؟ والأمر يحتاج لعقول متخصصة وليس منسق!، خاصة أن تقريرا في قناة ناشيونال جغرافيك، بين استحالة دخول طائرة حديدية في بناء اسمنتي، وهو على ضآلة التفاصيل الأهم قدم فكرة مقنعة جدا، وعليه فالعملية كانت بطريقة ثانية أكثر إقناعا..

[7] فضلنا عدم ذكر بعض الأسماء لأمر خاص نذكره بعد وقت

[8] اسمه خيارات صعبة

[9] المصدر:
https://www.goodreads.com/book/show/…om_search=true

[10] الصفحة 33 من الكتاب المترجم للعربية.

[11] الصفحة 72

[12] إن الصفحة 115 من كتاب فودة، يبين أن من قابلهم من رؤوس القاعدة لم تكن هي الرؤوس..وهناك رؤوس وراء الرؤوس ونعتقد جازمين أن كل سبق صحفي وراءة أبوابا مفتوحة.
(والدليل المنطقي ماورد في الصفحة 118 ان ماكان يرد في الجزيرة على عمومه ، هو رأي أمريكي واحد،وهذا قول نجده مقنعا بحال وصحفيا غير حر).

[13] أي لاشيء يمكنني تخبئته عنك

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

عن admin

شاهد أيضاً

السم في الدسم .. آخر طبعة/بقلم : شامل سفر

انتشرت في الآونة الأخيرة أفلام قصيرة (مقاطع فيديو) تم إخراجها بعناية تُظهر أن علماء من …

2 تعليقان

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    والصلاة والسلام على رسول الله
    إن تسلسل الأفكار في المقال جيد جدا .
    وعادة أنا لاأرد إلا لو كان لدي إضافة:
    عادة الغرب لايكشف عن حقيقة موقفه، وأنت ركزت على أولبرايت وأنها علمانية، وأنها موضوعية في حديثها، لكن الحقيقة هي العكس:
    أمريكا ليست علمانية، العلماني هو الغرب، أمريكا متدينة بغلاف علماني، هذا الفرق.
    أمريكا بروتستانتية، والبروتستانت مذهب يهودي، متعصبين جدا ليهوديتهم،ويستحيل أن يصل للحكم أي نصراني، وإن كنا نذكر كيندي الذي تم اغتياله، في 1962 لأنه كان كاثوليكي، وهي من ضمن الأسباب، التي جعلتهم يتخلصون منهم.وهذا الموضوع يطول الحديث فيه.
    وبعض النظر، سواء كان متدين أو علماني، فكلاهما موقفهما من الإسلام واحد، إلا لاستثناءات وقد وردت في القرآن الكريم،ولكن عموما موقفهم من الإسلام والعرب واحد .

  2. السلام عليكم
    تحضرني مداخلة أظنها مهمة تعقيبا، أو إضافة على المنطق الغربي، وهو:
    القانون لايحمي المغفلين
    وهو قانون حياتي عند الغرب فالفقير بمنطقهم:
    هو الكسول الذي لايعرف كيف يدبر رزقه، أو ينتصر في الحياة.
    والخاسر والمهزم، يتحمل وزر هزيمته وفشله وحده .
    جاء الغسلام ودخلنا العالم الإسلامي وودعنا ماقبله، لقد جعل لنا الإسلام لنا عزة وكيانا وقيمة م عالمية حقيقية، من كل النواح، والدليل العلماء والفلاسفة الخ..ا
    هم مسلمون عموما … دون النظر إلى قوميتهم في الأصل.
    لذا ما نشا من العروبة ، لم يقدم لنا عموما مايجب ان يقدم مقابل العزة التي قدمها لنا الإسلام…
    ولو اطلعنا على تاريخ القدس، نجد أن مامر بها يثبت أنها عاصمة إسلامية دينية، فقيمتنا الحقيقية تنبع من الإسلام فقط وهو مايجعل العالم أجمع يراهن على تحطيمنا لأننا ضمنا قوة يمكنها أن تحكم العالم.
    لذا يحكمنا أذنابهم…
    والواقع يثبت ذلك، في ضربنا ببعضنا، بيد من حرير… فهل نقول نحن نستحق هذا؟؟؟؟.
    مداخلة بسيطة ، أرجو أن تقدم مهما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *