الرئيسية / شبكة فرسان الثقافة / الهينمة .. في شأن السينمة /محمود المختار الشنقيطي المدني

الهينمة .. في شأن السينمة /محمود المختار الشنقيطي المدني

الهينمة .. في شأن السينمة (1 – 2)

أما”الهينمة” فمعروفة!! وأما “السينمة” أو”السينما” ..

فهي”الوهم”حسب ما جاء في رواية مشهورة .. لعلها “مائة عام من العزلة”


الأصل أن هذه الأسطر عن “السينما”كوسيط اجتماعي .. ولكنها تحولت للأسف إلى أمر آخر .. أو مقدمتها على الأقل.
سبق أن أشرتُ إلى مشروع يراودني إبان “اختبائي”عن صواريخ الأخبار .. وما في حكمها .. وقد اقترحتُ له عنوانا وهو”من رواية إلى رواية” حيث تُذكّرُ أحداث،أو شخصيات رواية ما .. برواية أخرى .. ولكن .. دار بخلدي .. أن “السينما” أو”تياطر”كما كان يسميها الشناقطة .. ثم أصبحت العبارة ترمز لـ”الوهم” أو”الأسطورة”!! وكلمة”تياطر” تبدو قريبة من”تياترو” التي تعني المسرح.
على كل حال .. دار بخاطري أن “السينما”ليست إلا “رواية”تحولت من القراءة إلى المشاهدة … بعد أن تم”تشخصيها”.
أتحدثُ عن “السينما”بصفتها تقدم”خارطة طريق” للمشاهد .. وقد كانت الرواية تقوم بنفس الدور .. وقد قام الشعر بذلك الدور قبلها .. كما يروى عن بشار بن برد أن شابا أهداه هدية،وحين سأل عن سببها؟ أجاب”المُهدي”بأنه كان يحجم عن الإقدام على “أمر ما”حتى سمع قول بشار :
من راقب الناس لم يظفر بحاجته .. وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
فأقدم .. فنال ما تمنى!!
في رواية”في مدح النساء الأكبر سنا” .. يخبرنا بطلها صغير السن،بالنسبة لجارته – وزوجها الذي يعيره الكتب – كانت تعلق على الكتب التي يستعيرها من زوجها .. يقول هو :
(من روائيي القرن التاسع عشر،الروس والفرنسيين تعلمت الكثير .. (..) شيء تعلمته منهم أن النساء كثيرا ما ينجذبن إلى عدم خبرة الشباب اليافعين وسذاجتهم. وهكذا اعترفت للسيدة هورفاث بجهلي .عزمت على طلب النصح منها حول التعامل مع الفتيات وطرق إغوائهن. ) : ص54 (في مديح النساء الأكبر سنا) /  ستيفن فيزينشيي / ترجمة : صلاح صلاح
نشر : مؤسسة الانتشار العربي / الطبعة الأولى 2002}.
وفي سعيه لإغوائها هي … يقول :
(ربما لو لم أكن أقرأ”آنا كرنينا”لما كنت قد دهشت كونها تشير إلى مسألة حميمية مثل التقبيل إلى ولد غريب جاء يستعير كتابا. لكنني شعرات بأن تلك الثقة القليلة لابد وأن لها معنى. غمرت بالأمل.) ص 57 (في مديح النساء ..)}.
وكان قد قال  :
( ثمة فقرة في”الأحمر والأسود”جالت في ذهني كثيرا تلك الأيام. إنها حول خشية الشاب جوليان سوريل من مبادرة مدام دورينال،التي كانت تستخدمه كمدرس خاص لأطفالها. يقرر جوليان اكتشاف مشاعر مدام رينال تجاهه،بأخذ يدها في يده،عندما يجلسان متحاذيان في الحديقة في المساء بعد حلول الظلام،حيث لا يمكن لأحد أن يراهما. عندما عدت إلى شقتنا الفارغة بعد ظهر  ذلك اليوم “كانت أمي لا تزال في المكتب”أخذت الكتاب وأعدت قراءة الفقرة.) : ص 63 – 64 (في مديح النساء..)}.
كان”جوليان”أيضا مغتاظا من جبنه .. وقد قرر أنه حين تدق العاشرة .. سيأخذ يد المدام بين يديه،أو يذهب ويفجر رأسه .. وحين دقت الساعة،أمسك يدها ..( سحبتها في التو. جوليان،الذي لم يعد يعرف ما الذي كان يقوم به،أمسك بها مرة أخرى. رغم أنه كان بنفسه يرتجف بفعل العاطفة،دهش لبرودتها الجليدية.ضغط عليها بتشنج،بذلت جهدها لسحبها،لكن تركتها أخيرا في يده.) : ص 64 (في مديح النساء ..)}.
بطل”في مديح النساء الأكبر سنا”أيضا حدد لنفسه “ساعة”إن لم يصارح “جارته” فسيقتل نفسه .. ولكنه كان سيطلب شيئا أكبر بكثير من”مسك اليد”!!
والفرق بين أمنيتي الشابين .. هو نفسه الفرق بين “جارته”شبه عارية .. وبين السيدة ده  رينال .. والتي كانت تخشى أن يضرب هذا القروي المعلم أطفالها .. فطمأنها في أول لقاء :
(“لن أضرب أولادك مطلقا يا سيدتي. أقسم على ذلك أمام الله.
قال هذه الكلمات،وتجرأ على أخذ يد السيدة ده ر ينال ورفعها إلى شفتيه دهشت هي،لهذه الحركة،ثم صُدمت بعد تفكير. الطقس كان حارا،وذراعها عارية تحت شالها،وأتت حركة جوليان فكشفت ذراعها كله. ومدى بضع لحظات،وبخت نفسها،إذ أحست أنها لم تشعر فورا بالإهانة. ){ ص 64 ( الأحمر والأسود ) / ستاندال / ترجمة جديدة بإشراف :هنري زغيب / منشورات عويدات / بيروت / الطبعة الثالثة 1983}.
نعم.تشعر بالإهانة لأن”ذراعها”انكشف!!
ملاحظة : الفرق بين اسم السيدة ناتج عن الفرق بين الترجمتين!!
نعود إلى “الرواية”بصفتها المذكورة – خارطة للطريق – في إطار سعي “جوليان”للوصل إلى “السيدة” .. وهم في قرية بعيدة عن العاصمة،يقول المؤلف :
( لو حدث هذا الأمر في باريس لكان وضع جوليان بالنسبة للسيدة ده  رينال أمرا آخر. إذ أن الحب في باريس هو ابن الروايات،ولكان وجد المربي الشاب وعشيقته الخجولة نورا يعرّفهما على وضعهما في ثلاث أو أربع روايات بل لوجدا ما يتوقان إليه في أشعار”جيمناز”ولرسمت لهما الروايات الدور الذي عليهما القيام به ودلتهما على الطراز الذي ينبغي لهما تقليده،وللاحظ جوليان،عاجلا أو آجلا،ودون أدنى لذة،أن عليه اتباعه لإشباع كبريائه. أما في المدن الصغيرة،في أفيرون أو البيرينيه فإن أبسط حادث يمكن أن يكون حاسما نظرا لحرارة المناخ : فتحتَ سماواتنا القاتمة،شاب فقير،كل ما يملكه طموحه،لأن قلبه الحساس يُشعره بالحاجة إلى بعض هذه الملذات التي يؤمنها المال،طبيعي أن يرى كل يوم امرأة في الثلاثين مخلصة،عاقلة،مشغولة بأولادها،ولا تأخذ من الروايات مثالا لسلوكها. كل شيء يسر متمهلا ،وينشأ رويدا رويدا في الأرياف،وهذا طبيعي أكثر.
وغالبا ما كانت السيدة ده  رينال تبكي عندما تفكر بفقر المربي الشاب،حتى فاجأها جوليان ذات يوم تبكي فعلا:
أوه! سيدتي، هل أصابتك مصيبة؟
كلا،يا صديقي،ناد الأولاد لنذهب في نزهة.
أخذته من يده واتكأت عليه بطريقة ظنها جوليان متعمدة . كانت هذه المرة الأولى التي تناديه : يا صديقي. وعندما قاربت النزهة من الانتهاء،لاحظ جوليان وجهها يحمر كثيرا ثم أبطأت وقالت له دون أن تتطلع به 🙂 : ص  76 – 77 ( الأحمر والأسود ) }.
أي بقية الحوار؟
ليس مهما .. فهذا يكفي.. لإيضاح دور الرواية .. والذي تسلمته من “تياطر”.
لمحات .. حول السينما كوسيط .. لابد أن أولا أن نعيد التذكير بشعار إحدى “الفضائيات العربية”عند بداية البث الفضائي … (السينما .. في بيتك) .. هذا الشعار يلخص الفرق الشاسع بين السينما حين كانت قابعة في دورها – طبعا مع وجود مرحلة وسيطة .. نقل “الفيديو”فيها إلى البيوت السينما – في انتظار روادها .. إلخ
حين تكون”السينما في بيتك”مجانا .. فذهابك إليها – في بلد لا ينتج الأفلام أصلا – هو ذهاب لا يهدف،غالبا،إلى مجرد المشاهدة  ..
الملمح الأول .. السينما .. كمكان للنوم الرخيص .. أكثر من مرة – ربما – قرأتُ عن شخص يذهب إلى السينما لينام .. التذكرة رخيصة جدا والمكان مريح .. إلخ
ملمح آخر .. قبل ثلاثة عقود – تقريبا – كنت أتحدث مع أحد الإخوة عن السينما .. فحدثني عن أحد أدوارها : أخبرني أن الشباب يذهبون إلى السينما .. وهناك يجدون بعض الفتيات الراغبات في الدخول،ولا يملكن قيمة”التذكرة” .. إلخ
وهذا الملمح تؤكده السينما في أكثر من فيلم ..
بطل أحد الأفلام العربية – والمصاب بانفصام ،غالبا الفيلم مسروق من فيلم أجنبي – يرتدي ملابس نسائية .. ويصطاد الرجال عند مدخل السينما .. ثم يقتلهم.
وفي فيلم”شبابي” ناقش بعض مشاكل الشباب .. و”التوهان”بين “عمرو خالد” ومواعظه  .. وبين المخدرات .. و”البنات” .. إلخ.
نجد مشهدا لافتا .. فتيان الفيلم الثلاثة يقفون قريبا من شباك التذاكر فتطلب منهم فتاة،معها رفيقتها،شراء “تذاكر” – بنقودهما – يلتفت الشباب .. فإذا بشباك التذاكر .. خالٍ!!
يقوم أحد الشباب بشراء التذاكر .. ثم يجلس الجميع في مقاعد متجاورة ..
بدلا من مشاهدة الفيلم يقوم كل شاب بالحوار مع الفتاة التي إلى جواره .. “في بعض القضايا ذات الاهتمام المشترك!”
وفي الاستراحة … يقول الشاب الثالث .. لأحد رفيقيه ..
حنبدل!!
وهذا المشهد يصور “السينما” – المكان – من زاوية “ترفيهية”إضافية!!
فشل السينما
نعم.فشلت السينما ..رغم تاريخها الممتد – يدور تاريخ بداية السينما المصرية بين عامي 1896 و1907 – أما فشلت في ماذا؟ فبعد هذه”الفرشة”التاريخية ..
يظن البعض أننا في “سنة أولى سينما”بينما نملك تاريخا فيها!
شخصيا وجدت نفسي وجها لوجه مع السينما لأول مرة .. وأنا صغير .. وذلك حين تزوجت ابنة جيراننا .. وهي من أسرة متدينة .. ومن منطقة أشد تدينا .. فتم جلب”سينما”وعرض لنا،في الشارع – قدام بيت عم حامد روق رحم الله والديّ ورحمه – ولا زلت أتذكر أن ذلك الفيلم – أبيض وأسود – من بطولة فريد شوقي!!
في هذا الإطار .. ثمة ما يلفت النظر،ولكنني لا أستطيع أن أسميه”ظاهرة”فقد كنا بعيدين عنه .. أعني استئجار “العوائل”لماكينة السينما .. وعرض بعض الأفلام في المنزل!!
ثم دخلتُ – وأنا صغير أيضا – سينما في جدة .. وقد وصف ظروف “سينما جدة”الروائي المصري عبد السلام العمري،في روايته”اهبطوا مصر” .. كما أن “خليل”أحد شخصيات رواية “طوق الحمام”للأستاذة رجاء عالم .. كان مولعا بالسينما .. يسافر لها من الطائف إلى جدة .. لعلها قالت أنه كان يذهب إلى إحدى السفارات الأجنبية !!
ومن ذكريات السينما عندنا،ما ذكره أحد من تقدموا – في جدة – بطلب فتح “دور للعرض”فجاء الرد : لا تعطوهم تصريحا .. ولا تمنعوهم !!
 كما أن بعض الأندية الرياضية كانت تعرض بعض الأفلام .. وهنا – في مدينة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم – كانت لدينا .. لا أستطيع أن أقول “دور عرض”ولكن … “سينما”وخلاص!!
سينما “ابو السعود”في زقاق الطيار،في بدايته،وسينما”الغوني” عند تقاطع شارع السلام الآن،مع الدائري الأول .. و”سينما أبو السرور” .. إلخ.
كيف فشلت السينما؟
لازلنا بعد عقود من السينما،بصورها المختلفة .. وحتى أصبحت”في بيتك” .. لا زلنا نقرأ – خصوصا عبر “الوسوم”أو “الهاشتاقات” – شبابا وشابات يتحدثون عن أثر “الذنوب”في انقطاع المطر!!
مما يشي بفشل الدور التحديثي للسينما! وذلك ما أثار استغراب الأستاذ محمود صباغ .. فبعد حدوث”تسونامي”وإشارة البعض إلى أن الذنوب قد تكون من اسبابه .. كتب مندهشا من الاعتماد على ( التفسير الميتافيزيقي للظاهرة الجيولوجية أو الطبيعية اعتمادا غير مشروط! (..) بل من الواضح أن مكتسبات السلفية العقلانية المتبلورة في عصر النهضة العربية مطلع القرن المنصرم قد توارت هي الأخرى أمام المد السكولاستيكي النظري المكرر (..) إن خروج هذا الربط غير المشروط بين الميتافيزيقيا والظاهرة المعبر عن ذهنية العصر الزراعي – حسب التحقيق لعلم الاجتماع – في العصر الصناعي أو ما بعد الصناعي،يؤكد تأخرنا كخطاب ومكتسبات عقل ما يقارب الخمسة قرون عن العالم المتقدم. (ويؤكد  ) اعتلال الخطاب السائد  الذي يستشف خطابه من مصادر قروسيطة تقبل التراث كما هو.){ جريدة المدينة المنورة العدد 15234 في 26  / 11  /  1425هـ}.
فهل سنتدارك أنفسنا .. بتجديد علاقتنا بالسينما .. فنخرج من مخابئ المد السكولاستيكي النظري المكرر .. ونتجاوز المصادر القروسطية التي تقبل  التراث كما هو!!
ولكن الأمانة تقتضي القول أن”السينما”نجحت .. وستنجح نجاحا باهرا في الأمور التي غُرزت في النفس البشرية .. “العواطف”و”الغرائز” .. تقول “فاطيما”،أمريكية من أصل تركي، :
( إن الجميع يعرف أن قراءة قصة فيها عن الجنس عشرات التفاصيل والأحداث،هذه القراءة تجعل الإنسان يعيش ملتهبا ومشتعلا. ){ مسافة بين القبلات ) / منير عامر}.
فما بالنا بمشاهدة تلك التفاصيل مشخصة!

في الحلقة القادمة نتحدث عن الموضوع من زاوية أخرى .. إن شاء الله

أبو أشرف : محمود المختار الشنقيطي المدني

عن admin

شاهد أيضاً

آخر كلمات إسحاق بابل : دعوني اكمل عملي !/جودت هوشيار

إسحاق بابل ( 1894 – 1940 ) واحد من أنبغ الكتاب الروس في النصف الأول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *